السؤال الكبير: ماذا لو نضب البترول؟

السؤال الكبير: ماذا لو نضب البترول؟
د. خالص جلبي (2004)
صحيفة الشرق الأوسط 9 يوليو 2004

هذا السؤال أرَّق مكتشف البترول رقم واحد (جون .د. روكفلر)، ففي عام 1865 تم الكشف عن النفط للمرة الأولى حذاء مدينة (بيتهول  Pithole)  من ولاية بنسلفانيا فتدفق الناس إليها يحدوهم الأمل في ثروة سريعة في نزهة مريحة. وخلال عام واحد ازدهرت البلدة وازينت وكأنها شقائق النعمان في ربيع الجولان، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وشرب الناس كؤوس الخمر دهاقا، ودخل في روعهم أن الزمن استسلم لهم، وأن سفينتهم تمشي بريح طيبة إلى الأبد. وذكرت جريدة البلدة المحلية أنه شرب من الخمر في ذلك العام ما لم يشرب في أي مدينة أخرى في أي مكان في العالم. فهذه هي طبيعة الإنسان; ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء.
وما حصل أن البترول بعد سنة واحدة غاض بعد أن فاض، فأصبحت المدينة خاوية على عروشها وكأن طاعوناً ضربها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ولم يبق إلا بئر معطلة وقصر مشيد.
ولكن البترول ليس مثل الماء أو الهواء. فالماء له دورة يجدد فيها نفسه. والأكسجين تنفثه كل زهرة وشجرة، أما البترول فهو طاقة تستهلك، ومادة تحترق وتخضع لقانون الله في الإيجاد والنفاد «ما عندكم ينفد وما عند الله باق»َ.
وصراع البشر حول مصادر الطاقة لا حل له إلا بطاقة تفيض عن حاجة البشر مثل الهواء. فهل سمعنا عن أناس تقاتلوا حول تيار هواء أو قبضة ريح؟ وحروب القرن ستكون حول البترول والماء. والبترول كان في السابق يحارب (به) فتشحن الدبابات والطائرات بالمازوت والكيروسين، أما اليوم فالصراع يدور (حوله). فلم يعد (وسيلة) بل تحول إلى (غاية). وانقلب إلى أداة ضغط على السياسة والاقتصاد يحاول الكثيرون استخدامه.
والبترول حسب الخبير النفطي والصحفي (دانييل يرجين Daniel Yergin) هو دم الحضارة والعمود الفقري لمجتمعات الصناعة. فهو خلف حركة كل مصنع ودوران كل دولاب. ومن غرائب الصدف أن جسم الصناعة غربي ولكن دمها شرقي. وهو يؤكد فكرة تكامل الحضارة.
ومسألة (نفاد) البترول مسألة وقت فمنذ 150 سنة وحتى اليوم تم العثور على 43000 حقل بترولي في الأرض. وتم استخراج واستهلاك 950 مليار برميل، والتوقعات أن احتياطي النفط في الأرض هو 1200 مليار برميل في عمق يتراوح بين 2000 و 4000 متر. معظمها في الشرق الأوسط (685.6 مليار برميل). والباقي موزعة على بقية القارات ولكن تحيطها مشاكل من القلة (آسيا 38,7 مليار) والتناقص (بحر الشمال تراجع من 6 ملايين برميل يوميا إلى 5,3) وصعوبة الاستخراج (من الرمل في مقاطعة ألبرتا في كندا أو الزيت الثقيل في حزام أورينوكو Orinoco في فنزويلا) وكلفة الإنتاج العالية (كندا 12 دولارا للبرميل مقابل 2 في السعودية وهو أخف) بالإضافة إلى مشاريع التمديد بكلفات خرافية (من باكو ـ تفليس ـ كيهان 1800كم بكلفة 2,9 مليار دولار) وكان أسرع وأرخص عبر إيران ولكنها السياسات المجنونة.
وإذا عرفنا أن الاستهلاك اليومي للبترول هو في حدود 80,2 مليون برميل يوميا فهو يعني كما يقول (بيتر ديفيس) من شركة (BP) أنه لن يبقى بترول بعد أربعين سنة (1200 = 30 x 40(.
يضاف إلى هذا أن الاستهلاك ليس بمعدل ثابت بل هو في حالة (تسارع وزيادة) ففي الربع الأول من عام 2004 زاد استهلاك دول شرق آسيا بمقدار 18%. وإذا كان استهلاك الأمريكي الواحد السنوي 26 برميلا فهو للهندي 0,9 وللصيني ,8 برميل ولكن الدولتين تتورمان صناعيا، وتعتبر الصين ثاني دولة مستهلكة للنفط بعد أمريكا (أمريكا تستهلك ربع الإنتاج العالمي بمعدل 20,080 مليون برميل يومياً والصين 5,630 مليون برميل أمام اليابان 5,400 وروسيا 2.680 وألمانيا 2,640).
كما أن الاستهلاك العالمي زاد بين عامي 2003 و 2004 بمقدار مليوني برميل يومياً. والتقديرات أن الحاجة العالمية سوف تزداد من 29 مليارا سنويا حاليا إلى 42 مليارا بحلول عام 2020. والسؤال هل ستحقق الدول المنتجة للنفط هذه القفزة العملاقة.
ويرسم (ديك شيني) مستقبلاً قاتماً بالأرقام فيقول إن استهلاك العالم يزداد بمقدار 2% سنوياً في الوقت الذي ينخفض الإنتاج 3% مما يعني نقصا بمقدار 50 مليون برميل يوميا عام 2020 وهو أكثر من إنتاج السعودية الحالي بست مرات؟.
وهناك مشكلة إضافية في الآبار البترولية فكل الإنتاج يقــع علــى كاهل الآبار القديمة. و 90 % مــن الآبار هي تلك التي كشفت في العشرين سنة الأخيرة. وبئرا (القــوار وبورجان) اللذان كشفا على التوالي في السعودية والكـويت عامي 1948 و1938م يمدان العالم بـ 8% من النفط الخام. وفي أمريكا 14% من إنتاج النفط يعود إلى المكتشف خلال الـ 50 سنة الأخيرة و86% من الآبار القديمة.
وبرزت في شركة (شل) الهولنــدية فضيحة إلى النــور فـــي الكــذب حول الاحتـــيــاطي فــيما يعرف بمصــطـــلح (RRR = Reserve Replacement Ratio). ويقول الجيولوجي الايرلندي ،72 سنة،(كولين كيمبل (Colin Campbell) الذي نقب عن البترول منذ الخمسينات من ترينيداد حتى بورنيو إن هذا الشعور راوده منذ عام 1969 في الاجتماع الذي عقدته شركة آموكو للعثور على آبار جديدة في أمريكا وكانت النتيجة مخيبة للآمال.
يقول الرجل لقد راودتني الشكوك منذ ذلك اليوم ولكن المديرين تجاهلوا هذا التحذير لأنه لا يقع ضمن منظورهم للأشياء؟ ويضيف «ان البترول لن ينتهي في ومضة عين ولكننا سوف نصل إلى تلك النقطة التي يفوق فيها الاستهلاك الإنتاج وهي حسبما أرى قريبة جدا وسوف تكون عام 2005م»؟
وانكسار هذا التوازن يجعل البشرية تدخل «المرحلة الثانية» من عصر البترول كما يقول باول هورس نيل من بنك بيركلي كابيتال في لندن بأن نموذج (البارادايم Paradigm Change) يتبع معادلة بسيطة: حاجة كثيرة مقابل نفط قليل. ليصل إلى تقرير أن زيادة الأسعار هذه (في مايو 2004 تجاوز سعر البرميل 41 دولارا) ليست طارئة وبسيطة وسطحية بل تخفي تحتها مؤشر تبدل عميق في الأزمة البترولية. وإن زيادة الأسعار تشبه ارتفاع الحرارة في حمى مزمنة وهي سوف لن تتراجع وسوف تؤكدها السنوات المقبلة وأنها سوف تترك آثارها على الاقتصاد العالمي. أي هي خير للعرب من جهة ولكنها في نظرهم سم للنمو الاقتصادي؟
ومن مراجعة مخطط بسيط في مجلة المرآة الألمانية (224) نرى أثر زيادة الأسعار على النمو في ألمانيا. فكل كساد سبق بصدمة بترولية. ومن اللافت للنظر أن سعر البرميل كان عام 1970، 1.8 دولار؟! ليقفز عام 1973 فوق 12 دولارا، وتصاب ألمانيا بصدمة تراجع في النمو تحت خط السواء إلى ناقص 1,4 عام 1975 ليتكرر هذا الأمر عامي 1980 و 2003 فيتراجع على التوالي إلى ناقص 1% 0,1 %.
وهناك سؤال مهم وهو من يحدد احتياطي النفط؟ وبأي طريقة؟ والجواب إن هذا عالم وعلم قائم بذاته ويشبه «السحر الأسود للذهب الأسود؟» وتوجد في أمريكا وكالة «الأمن والتبديل Securities and Exchange Commission» يرمز لها بـ (SEC) تضع تعريفا للاحتياطي البترولي المؤكد (المثبت Proven Reserve) فتقول: إنه يجب أن ينتج بطريقة متعارف عليها وتقنية معلومة ويجب على الجهة التي تزمع القيام بالتنقيب أن تتقدم بخطة استثمار على ألا تتقيد بمسألة الوقت؟
وهو، كما نرى، كلام مطاط مبهم مما جعل المسؤول في شركة «BP» البترولية الأوربية يضحك من هذا التعريف ويقول كما نقول في المثل العربي «كلام الجرايا ما زبط في السرايا» عندما تكلم القرويون في القرية بين بعضهم عما يفعلون إذا دخلوا سرايا الحكومة، فلما وصلوا إلى العاصمة اختلفت الحسبة. وهي نفس القصة مع الاحتياطي البترولي في العالم فهو من عالم السحر عند ملك الجان الأزرق.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*