هل وصل عصر النفط إلى منعطف حاسم؟

هل وصل عصر النفط إلى منعطف حاسم؟
محمد سيد رصاص
الحوار المتمدن: 25-5-2008

يبدو أن مئة عام من النفط ،كمصدر رئيسي للطاقة،قد وصلت إلى مرحلة”ما”:كان استهلاك الدول الصناعية المتزايد ،مع حاجات دول منظمة (الأوبك)،يؤدي إلى زيادة أسعار”الذهب الأسود”،ولوأن الميزان أحياناً كان يميل في الإتجاه الثاني(كما في السبعينيات بعد حظر النفط)أوالأول(كماحصل منذ خمس سنوات مع نمو الإستهلاك العالمي للنفط ،بعد انضمام عمالقة جدد للنمو الإقتصادي،وماتبعه من استهلاك متزايد للطاقة،مثل الصين والهند).
يبدو أن ذلك قد أدخل البشرية في مأزق اقتصادي،مادام هناك احتياطات محددة للنفط العالمي هي المكتشفة- كانت كامنة أم على وشك الإستخدام- ،وهي موجودة أساساً في الشرق الأوسط(60%)،وفي منطقة القفقاس- بحر قزوين(18%)،مايفسر الحروب والنزاعات والغزوات،التي تركزت في هاتين المنطقتين خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تملك الولايات المتحدة 3%فقط من احتياطات النفط العالمي .
يأتي(الإيثانول)= الوقود الحيوي كمظهر من مظاهر الدلالة على أزمة مصادر الطاقة،والحاجة إلى طاقة بديلة،يحاول المصدر الجديد تأمينها من خلال زراعات الذرة وقصب السكر وفول الصويا وعباد الشمس وبعض أنواع الحبوب:أدت مشاركة وسائل النقل البرية،والجوية،مع الأفواه البشرية ،في استهلاك تلك المحاصيل،إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية خلال الأشهر الستة السابقة من الزمن،في وقت حافظ النفط على ارتفاع أسعاره،وإن كانت هناك آراء بأنه لم يرتفع،بل بأنه حافظ على سعره الذي كان في تموز الماضي مادام هذا الإرتفاع هو موازً لإنخفاض قيمة الدولار أمام اليورو خلال الفترة ذاتها.
من الصعب أن يكون الإيثانول بديلاً للنفط وفقاً للإمكانيات المتوفرة زراعياً،إلاإذا أريد تدمير الغابات العالمية لصالح تحويلها إلى مزارع لتلك المواد الزراعية المولدة للإيثانول،مع ماسيجره ذلك من كوارث على البيئة،وتغييرات جذرية في مناخ الكرة الأرضية،وحتى إن تمَ ذلك – مع ماسيرافقه من ارتفاعات هائلة في أسعار المواد الغذائية- فلن يكون هناك بديلاً مضموناً ورخيصاً للنفط ،مادام استخراج برميل من النفط الخفيف القليل الشوائب،العراقي مثلاً في مناطق الجنوب،لايكلف أكثر من عشر دولارات بأسعار عام2006،فيماتحتاج الولايات المتحدة إلى كل انتاجها الراهن من الذرة وفول الصويا- وهي أكبر منتج عالمي لهما- لإنتاج (الإيثانول)بمالايكفي أكثر من20% فقط من حاجات السيارات الحالية الموجودة على الطرق الأميركية.
الطبيعة،ربما،بدأت تنتقم من ثلاثة قرون من عصر الصناعة،الذي انبنى على مقولة(السيطرة على الطبيعة)،التي اجتمعت عليها الماركسية والليبرالية في اليسار واليمين:كان مذهب البيئويون رد فعل على وصول عصر الصناعة إلى حدود تدمير الطبيعة والبيئة.بالتأكيد،يشكل(الإيثانول)اتجاهاً عند المجتمع الصناعي،ليس فقط للوصول إلى تلك الحدود التي كانت من أجل الصناعة،وإنما للقفز إلى حدود أبعد من ذلك ،تصل إلى نقطة تدمير الغابات والبيئة والغذاء لإخضاعهم- مع الأفواه المحتاجة والجائعة- لحاجات الإستهلاك في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة.
هنا،يكون المسار الإقتصادي مثل القوة العمياء التي تكون عليها الطبيعة:العقل البشري يتدخل في العامل الإقتصادي من أجل اخضاعه ليكون عامل توازن بين الإنسان والطبيعة.في هذا الصدد،يبدو أن العنصر البشري قد وصل إلى لحظة سيجبر فيها على العمل من أجل احداث هذا التوازن،مادامت أزمة الطاقة العالمية،ومصادر النفط البديلة،والأزمة في هذين المجالين الناجمة عن تطور الحاجات الإستهلاكية التي ولدها عصر الصناعة- ستدفع إلى مسارات يمكن أن تدمر الغابات،والبيئة،وتخلق أزمة غذاء عالمية غير مسبوقة،يمكن أن تبدو هواجس مالتوس بالقرن التاسع عشر أمامها مخففة كثيراً:هذا سينتج وضعاً يجبر البشر على إعادة الإعتبار للطبيعة والبيئة،ولجعل الزراعة موازنة من حيث الأهمية للصناعة ،فيما سيرغم الناس على البحث عن مصادر هي تحت أيدي الجميع من أجل استخراج الطاقة،مثل الشمس والرياح،بدلاً – أوبالتوازي مع- من النفط ،الذي يبدو أن احتياطاته- المكتشفة والكامنة- لن تكون قادرة على تلبية احتياجات النمو الإقتصادي العالمي الراهنة،في الإنتاج والإستهلاك،على المديين المتوسط والبعيد،الشيء الذي ربما يفسر مسارعة الولايات المتحدة،بعد أن أصبحت القطب الواحد للعالم منذ عام1989،إلى محاولة مدِ سيطرتها المباشرة على مناطق مصادر النفط العالمية الأساسية،في الشرق الأوسط ،ومنطقة القفقاس- قزوين،وماحولهما.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*