بعد نفاد النفط .. التخطيط المستقبلي من مسؤولية الحكومات

بعد نفاد النفط .. التخطيط المستقبلي من مسؤولية الحكومات

المجلة : فارس بريزات (2008)
ترى الأغلبية أن النفط سينفذ وأن الحكومات يجب أن تخطط للمستقبل بناء على هذا الافتراض.
مستقبل النفط
وجد استطلاع نشرت نتائجه مؤسسة الرأي العام العالمي وأجري في 16 بلدا حول العالم من بينها كبار منتجي ومستهلكي النفط أن الأغلبية من المستجيبين في 15 من أصل 16 تقول: إن النفط سينفذ وعلى الحكومات أن تبذل جهودا كبيرة لإيجاد بديل له (الشكل رقم 1). وترى الأغلبية كذلك أن أسعار النفط ستزداد ارتفاعاً. فيما يقول نحو %22 فقط من جميع المجتمعات المدروسة “إنه سيتم اكتشاف نفط كاف مما يجعله يبقى مصدراً للطاقة في المستقبل القريب”. ومن بين البلدان الستة عشر وجدت الدراسة أغلبية في نيجيريا فقط تقول إنه “سيتم اكتشاف مزيد من النفط ليبقى مصدراً رئيسياً للطاقة في المستقبل القريب”.
ومن جانب آخر يرى %70 من هذه المجتمعات أنه ينبغي على حكومات بلادهم العمل على أساس الافتراض القائل إن “النفط سينفذ وعلى الحكومات أن تبذل جهودا كبيرة لإيجاد بدائل له كمصدر أساس للطاقة”. وتبين نتائج الاستطلاع كذلك أن أكثر المجتمعات تأييداً للبحث عن مصادر بديلة للطاقة هي كوريا الجنوبية %97، وفرنسا %91، والمكسيك %83، والصين %80. فيما كانت نسب من يقولون بضرورة إيجاد بدائل للنفط أقل من %60 في كل من روسيا %53، والهند %54، وفي نيجيريا ترى بذلك أقلية %45.
ولعل السبب الرئيس لتشكل هذا النوع من الرأي العام في هذه المجتمعات يعود إلى أن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وأدى ذلك إلى الارتفاع الكبير الذي شهدته السلع الغذائية والخدمات في جميع المجتمعات بلا استثناء. أما السبب الثاني فيعود إلى أن الرأي العام العالمي أصبح أكثر اهتماماً بموضوع الاحتباس الحراري وازدادت نسب القلقين من مضاعفات ارتفاع درجة حرارة الأرض وأثره في حياة الناس والنظام البيئي. ولكن في الوقت ذاته نجد أن البدائل المتوافرة مثل الطاقة النووية تشكل مصدر قلق أكبر على البيئة نظراً للمخاطر التي قد تنجم عن استغلالها بكثافة ومعارضة الدول النووية لانتشار هذه التكنولوجيا في دول أخرى خوفاً من استخدامها للغايات العسكرية. ومما يُعطي هذا الاستطلاع أهمية من قبل المهتمين بموضوع النفط عموماً أنه يُغطي نحو %58 من سكان العالم بتغطيته دولاً لديها عدد سكان كبير مثل الصين والهند والولايات المتحدة وروسيا وإندونيسيا التي تشكل عوامل إنتاج واستهلاك مهمة في سوق النفط العالمية. وإضافة إلى هذه الدول شمل الاستطلاع الذي غطى 14896 مستجيباً، المكسيك، وبريطانيا، وفرنسا، وأوكرانيا، ومصر، وإيران، وفلسطين، وتركيا، وأذربيجان، ونيجيريا، وكوريا الجنوبية.

النفط والتخطيط الحكومي
لعل أكثر المجتمعات تأثراً بتقلبات أسعار النفط هو المجتمع الأمريكي الذي يعتبر حتى الآن الأكثر استهلاكاً للنفط بين دول العالم على الرغم من الازدياد المطرد في الاستهلاك من قبل الصين والهند. وعلى الرغم من ذلك، يرى %57 من الأمريكيين أن حكومتهم تتصرف على أساس الافتراض القائل إن مزيدا من النفط سيكتشف وسيبقى مصدراً رئيساً للطاقة. ويتشابه موقف المجتمع الأمريكي هذا مع موقف المجتمع النيجيري الذي ترى ما نسبته %63 منه، أن حكومته تعمل على افتراض أن النفط سيبقى مصدراً رئيساً للطاقة. ولكن الاختلاف بين هذين الموقفين هو أن المجتمع الأمريكي يرى عدم صحة توجه حكومته فيما يرى المجتمع النيجيري أن موقف حكومته أو افتراضها سليم.
كانت الرؤية السائدة في 12 من أصل 16 مجتمعا نُفذت فيها الدراسة هي أن حكومات بلدانهم تعمل وتخطط على أساس أن النفط سينضب ولا بد من إيجاد البدائل له. ويصح هذا القول أكثر ما يصح في كوريا الجنوبية، إذ قال بذلك، %79 من الكوريين الجنوبيين، وفي الصين (%70)، وفي مصر (%67) – الشكل رقم 2.
أما في إيران التي تسعي لتطوير برنامج نووي لغايات توليد الطاقة النووية فيرى (%63) أنه ينبغي البحث عن بدائل للنفط. ومن اللافت للنظر أن أدنى نسبة ترى أن مزيدا من النفط سيكتشف وسيبقى مصدراً رئيساً للطاقة وجدت في إيران. وربما يُفسر هذا الحال في الرأي العام الإيراني جزئياً التأييد الذي يلقاه البرنامج النووي لدى الأغلبية الكبيرة من الإيرانيين.
المجتمعان اللذان لديهما شكوك بأن حكوماتهم تعمل على تطوير بدائل للنفط هما أذربيجان وروسيا. إذ يرى %50 من الأذربيجانيين أن حكومتهم تعمل على أساس الافتراض القائل إن مزيدا من النفط سيكتشف، فيما يرى %31 أن النفط ينضب. أما في روسيا فينقسم الرأي العام بين التوجهين. إذ يرى %37 أن مزيدا من النفط سيكتشف، مقابل %34 يرون أن النفط سينضب.
ومن اللافت للنظر أن نجد في أربع من الدول المصدرة للنفط أن نسب من يرون فيها أن حكوماتهم تعمل على أساس أن النفط سينضب هي أقل من المعدل (%53) لجميع البلدان المشمولة في هذا الاستطلاع. وهذا يشمل أذربيجان (%31)، نيجيريا (%34)، والمكسيك، (%49). أما إيران فتبرز كاستثناء بقول %63 من الإيرانيين أن حكومتهم تخطط على أساس إيجاد البديل للنفط.

أسعار أعلى؟
تشير نتائج الاستطلاع في هذه الدول إلى أن هناك شبه إجماع على أن أسعار النفط سترتفع كثيراً بعد عشر سنوات من الآن. إذ بلغ معدل من توقعوا أن ترتفع أسعار النفط في هذه الفترة نحو %79 كما يوضح الشكل رقم 3. واللافت للنظر هو أن معدل من توقعوا أن يرتفع سعر النفط كثيراً بلغ نحو %55 في حين بلغ معدل نسب من توقعوا أن يرتفع إلى حد ما %24. وعلى الرغم من التقلبات والتراجع الطفيف في سعر برميل النفط خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن المنحى العام الذي اتخذه سعر النفط خلال السنوات الخمس الماضية لم يطمئن الرأي العام العالمي. والافتراض في الرأي العام هنا هو أن هذه الأسعار لن تتوقف عند مستوياتها الحالية ولكنها ستزداد. إذاً الاختلاف الحاصل في الرأي العام في هذه البلدان هو اختلاف في الدرجة وليس النوع: أي هل الزيادة كبيرة أم لا؟ ولكن ماذا يعني هذا للعالم والاستقرار والغذاء والأمن؟

ماذا يعني الارتفاع؟
منذ عدة أشهر بدأ الرأي العام في عدة دول يُعبّر عن عدم الرضا عن ما يجري في الأسواق من ارتفاع للأسعار. وفي بعض الحالات بدأت الاحتجاجات غير السلمية تأخذ منحى منظم ومتتابع، بينما في حالات أخرى انتظم الاحتجاج السلمي بعدة وسائل منها وسائل التشبيك الاجتماعي مثل “فيس بوك” الذي استخدمه نشطاء مصريون لتنظيم احتجاج شعبي على الأوضاع الاقتصادية المتردية. تطور حركات الاحتجاج قد يُصبح من أهم عوامل عدم الاستقرار السياسي في البلدان التي تعاني من ضائقة اقتصادية ولا تسمح للمواطنين بالتعبير أو محاسبة من يحكمونهم بشكل علني ومن خلال صناديق الاقتراع التي يكافئ فيها المواطنون من حكم جيداً ويعاقبون من أساء الحكم والتنفيذ.
ومما يزيد الحال صعوبة، هو اعتماد الدول الفقيرة نفطياً على الاستيراد الذي لا يواكبه انتاج يعادل حجم الزيادة في الأسعار العالمية للنفط. وهنا تبرز مسألة إعادة الاعتبار للقطاعات الزراعية التي بدأت تتلاشى تدريجياً في العديد من البلدان الفقيرة اقتصادياً. في العالم العربي تواجه الزراعة أزمة كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة، والبذور، والأعلاف وضعف المواسم المطرية في العديد منها. البحث عن بدائل لتعويض النقص الكبير الحاصل في الغذاء، قد يدفع العديد من الناس إلى سلوك سياسي غير تقليدي للتعبير عن مصالحهم في “البقاء” وليس لزيادة رأسمالهم أو استثماراتهم.
صحيح أن العوامل المؤثرة في الأسعار هي عالمية وليس تحت سيطرة أي دولة بعينها. ولكن تغول رأس المال من خلال المضاربات التي تمس الغذاء والطاقة يتحمل جزءا من المسؤولية عن ارتفاع الأسعار وربما حان الوقت لأن تتدخل الأمم المتحدة في مسألة تحديد أو منع المضاربات في الغذاء والطاقة لحفظ الأمن والسلم العالميين. ولكن المسؤولية الفردية في هذا المجال مهمة وربما بدرجة أكثر أهمية من مسؤولية الأمم المتحدة أو مجموعة الثمانية الكبار أو غيرها. وتبدأ المسؤولية الفردية باستثمار الموارد المتاحة للفرد في الإنتاج الغذائي في الحدائق المنزلية في الأماكن الملائمة لذلك. من جانب آخر هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الدول المستوردة للنفط والذي تشكل فاتورته نسبة عالية من مستورداتها. يمكن لهذه الدول أن تبني شبكة نقل عام معقولة و تُخفض الجمارك على السيارات الصغيرة وترفعها على السيارات الكبيرة التي تستهلك كثيرا من الوقود والطرقات والإطارات. في الأردن مثلاً، جميع هذه المواد مستوردة ورفع الجمارك عليها لن يضر بالفقراء لأن السيارات الكبيرة من حصص الأغنياء الذين يمكنهم دفع الفرق. يساهم مثل هذا الإجراء في حفظ السلم الاجتماعي و”الوئام المدني” ولا يكلف الدولة شيئا بل يرفع من صدقيتها في نظر الناس. قد يقول منظرو الاقتصاد الحر إن هذا تدخل في السوق ولا يجوز، ولكن ينبغي أن نتذكر جميعاً أن التدخل في السوق أفضل وأسلم من تدخل الأمن لفض المظاهرات. ولا بد من تدخل الدولة في ظل عدم نضوج أدوات السوق ووجود الاحتكارات.
البعد الدولي لا يقل أهمية من حيث محاولة القوى العظمى السيطرة على منابع النفط وما تقوم به الولايات المتحدة والصين اليوم حول العالم لا ينبئ بالاستقرار .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*