ماذا سنفعل بعد النفط؟

ماذا سنفعل بعد النفط؟
د.فهد إبراهيم الشثري
الاقتصادية 19\4\2008

من أصعب المعضلات التي تواجه الاقتصاد السعودي وغيره من الاقتصادات الريعية عدم القدرة على استيعاب الوفورات المالية عند زيادة أسعار النفط. فالوفورات الكبيرة غالباً ما تؤدي إلى زيادة في الإنفاق الرأسمالي والجاري على حد سواء، وهذا يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، وهو الأمر الذي يتجاهله كثير من الكتاب الذين نذروا أنفسهم للحديث عن مشكلة الغلاء دون تقديم أي حلول عملية وواقعية لها. إذاً المشكلة لا تختزل في مسألة سعر الصرف في مقابل العملات الأخرى، لأن هذه المشكلة في طبيعتها ذات أمد قصير ويمكن أن تتغير الظروف في أي وقت ويتحسن فيه سعر صرف الدولار ومع ذلك يظل ارتفاع الأسعار قائماً. لا أريد الخوض هنا في مشكلة ارتفاع الأسعار ومسبباتها، لكن أؤكد أن المشكلة عالمية وليست خاصة بالمملكة فقط، لكن تتعمق المشكلة في المملكة لا بسبب أسعار الصرف (فقط) كما يزعم البعض، ولكن بسبب عدم قدرة الاقتصاد على استيعاب الفوائض المالية الكبيرة وترجمتها إلى زيادة في الإنتاج وزيادة في التوظف, إذ إن العجز في تحويل هذه الفوائض إلى زيادة في الإنتاج المحلي ومن ثم زيادة في التوظف، وتوافق ذلك مع زيادة الإنفاق العام وارتفاع مستوى الدخول سيؤديان حتماً إلى اختلال توازني بين الطلب والعرض الكلي من السلع، وبالتالي سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار. إذاً مفتاح الحل الحقيقي يكمن في كيفية تحويل الزيادة في الفوائض المالية إلى زيادة في الإنتاج والتوظف المحلي.
وقبل أن نبدأ في البحث عن مفتاح الحل الحقيقي الذي أشرت إليه سابقاً دعوني أخوض بكم في بعض التوقعات حول الوضع المستقبلي لأسعار النفط. في السابق كان الداعم الحقيقي لأسعار النفط هو الاقتصاد الأمريكي، لكن يبدو أن الوضع تغير حالياً، إذ تأتي زيادة الطلب من جهات أخرى من العالم كالصين والهند، التي ارتفعت مستويات الدخول الفردية بشكل لم تعهده من قبل، مما فتح شهيتهم لاستهلاك المزيد من المنتجات الغذائية كالأرز واستهلاك المزيد من الوقود والطاقة. لذلك تنبهت الولايات المتحدة لذلك، مما جعلها تعرض على الهند تزويدها بتقنيات متقدمة في مجال الطاقة النووية لأجل تخفيف الضغط على الطلب العالمي على النفط من جهة، ولتحقيق مكاسب سياسية في العلاقة مع الصين من جهة أخرى. لكن الحراك السياسي بين الرأسمالية الحديثة والاشتراكية القديمة داخل الهند لم يساعد على تمرير هذا الاتفاق، مما يعني المزيد من الطلب المستقبلي على النفط. بعض التوقعات تشير إلى احتمال أن يبلغ سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة عشرة دولارات للجالون بينما يراوح السعر الحالي حول الثلاثة دولارات للجالون. وعلى الرغم من أن البعض قد يرى مبالغة في ذلك، إلا أن ذلك الأمر ليس بمستبعد بالنظر إلى أن سعر الجالون كان 1.5 دولار في عام 2003. ومع الارتفاع المتوقع في أسعار النفط، يظل إنتاج النفط غير قادر على مواكبة الارتفاع في مستوى الطلب العالمي، مما يؤكد حتمية الاستمرار في ارتفاع أسعار النفط على الأقل في الأمد القصير. ويؤكد ذلك توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية, التي تتوقع أن يبلغ متوسط سعر برميل النفط خلال عامي 2008 و2009 الـ 101 و92.5 دولار للبرميل على التوالي. بمعنى أن مصدري النفط سيتمتعون بمزيد من الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط على مدى السنوات القليلة المقبلة. لكن المشكلة أن هذا الارتفاع في أسعار النفط سبب نشاطاً محموماً وغير مسبوق في محاولات إيجاد بدائل للنفط مما يشير إلى قرب الوصول إلى بدائل طاقة عملية وأقل تأثيراً في البيئة خلال الـ 20 سنة المقبلة على أبعد تقدير. قد يقول البعض إنني متشائم لكن هذا ما تشير إليه كل الحقائق وسأفرد مقالاً للحديث فقط عن النشاط البحثي المحموم لإيجاد بدائل الطاقة.
هذه الحقائق يجب أن تدفعنا إلى التفكير في دورنا في العالم دون النفط، وفي التغير الذي سيحدثه ذلك ليس على الخريطة الاقتصادية فقط، ولكن على الخريطة السياسية للعالم أيضاً. لذلك تبرز أهمية الإجابة عن التساؤل المتعلق بكيفية الاستفادة من الفوائض المالية الحالية في تحويل اقتصادنا من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد يعتمد على القدرة الإنتاجية والإبداعية الخلاقة لدى المواطن كمفتاح حل للمشكلة التي أشرت إليها بداية. فالحل لا يختزل في بناء المصانع لإنتاج منتجات تقليدية مستنسخة فقط من العالم، ولكن في تطوير تقنيات أفضل تحقق لنا ميزة نسبية في إنتاج السلع نفسها وتزيد من اعتمادية العالم علينا في مجالات أخرى غير النفط. وقد أسعدني حصول بعض من أبناء هذا الوطن على جوائز في مؤتمر لاختراعات أقيم في سويسرا، مما يشير إلى قدرات هائلة كامنة في الجيل الحالي، لكن ما يدعو للقلق هو عدم وجود آلية يتم بمقتضاها تحويل هذه الاختراعات إلى منتجات حقيقية تحقق قيمة مضافة إلى الاقتصاد وتشجع على المزيد من هذا الإنتاج الإبداعي، مما يؤدي إلى استثمار هذه الاختراعات في الخارج. في الأسبوع المقبل سأتحدث عن الدور الذي يمكن للأسواق المالية أن تلعبه في استغلال مثل هذه الإبداعات وتنميتها وأثر ذلك في تنويع مصادر الدخل في المملكة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*