أمن الطاقة العربي.. مخاطر بالجملة

أمن الطاقة العربي.. مخاطر بالجملة
مركز النخبة للدراسات (2007)

هناك مخاطر جمة تتهدد أمن الطاقة في العالم عامة والعالم العربي خاصة، من أهمها النهم الأمريكي للاستئثار بالبترول والذي يوصف بأنه مصلحة قومية أمريكية يجب حمايتها بكافة السبل المشروعة وغير المشروعة التي يمكن أن تصل إلى حد تغيير المبادئ والقوانين التي حكمت النظام الدولي منذ معاهدة وستفاليا 1648م القائمة على مبدأ عدم التدخل في شئون الدول الأخرى ورفض تغيير الأنظمة بالقوة والتي أصبحت سياسة رسمية للولايات المتحدة بعد إقرار مبدأ الحرب الاستباقية كإحدى دعائم الإستراتيجية الأمريكية للقرن الواحد والعشرين والتي شملت أيضًا العمل على توسيع التواجد العسكري الأمريكي في العالم والذي بلغ نصف مليون جندي، ثم الإعلان مؤخرًا عن مشروع فرض الوصاية على منظمة “الأوبك” ممن خلال إقرار الكونجرس الأمريكي للقانون المعروف اختصارًا باسم “النوبك الأمريكي” والذي يهدف إلى التحكم بالنفط العالمي.
وتزداد هذه المخاطر بدخول فاعلين دوليين جدد أمثال (روسيا والصين والهند) إلى ساحة السباق للفوز بجزء من كعكة النفط العالمي، خاصة العربي والخليجي منه، وهو ما أدى إلى تزايد الطلب على النفط بصورة كبيرة. وتشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة إلى أنه خلال عامي 2004 و2005 وصلت الحاجة العالمية للنفط إلى حوالي 82 مليون برميل سترتفع سنة 2010 إلى 90 مليون برميل، ثم إلى 120 مليون برميل سنة 2030 تذهب معظمها إلى البلدان الرأسمالية.
وفي وضع يشهد ضعفًا في إمكانيات الإنتاج، ونضوب النفط في الكثير من مناطق إنتاجه حول العالم، باستثناء منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر الخزان القابل للزيادة، حيث تفيد التقديرات إلى أن الخليج به حولي 84% من الاحتياطات النفطية المؤكدة، تتركز المخاطر التي تهدد أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يؤثر سلبًا على اقتصاديات بلدانها ويجعلها أسيرة التطورات التي تشهدها أسواق النفط، ما يدفع للتساؤل عن آليات تأمين النفط في المنطقة. لكن قبل ذلك لا بد من التعرف على المخاطر التي تتهدده.

أخطار تهدد أمن الطاقة العربي
تتعدد المخاطر التي تهدد النفط العربي ما بين مخاطر داخلية نابعة من التطورات داخل دول العالم العربي، ومخاطر خارجية نابعة من الصراع الدولي على امتلاك مصادر الطاقة والتي تتركز في هذه المنطقة، وهناك نوع ثالث من المخاطر ناتج عن قرب نضوب النفط.

المخاطر الداخلية
النمو المتزايد في استهلاك الطاقة في الدول العربية خلال السنوات العشر الماضية:
يمثل النفط والغاز الطبيعي 97% من استهلاك الطاقة في الدول العربية. وقد أدى تزايد معدلات النمو السكاني بنسبة 2.4% سنويًّا خلال العشرين عامًا الماضية (1985 – 2005) واقترانها بزيادة في الدخل القومي بلغت في نفس الفترة 4.2% إلى ارتفاع متوسط استهلاك الفرد من النفط من 7.3 براميل عام 1985م إلى 8.9 براميل عام 2000م، ثم إلى 9.4 براميل نفط عام 2005م، أي بمعدل نمو سنوي بلغ 1.3%. ويتوقع ارتفاع متوسط استهلاك الفرد من الطاقة في الدول العربية ليصل إلى 12.8 برميلا عام 2020، أي بزيادة سنوية قدرها 2.1%.
وبالنسبة للغاز فقد تزايدت معدلات استهلاكه هو الآخر، حيث زاد الاستهلاك أكثر من ضعفين في الفترة 1985 – 2005م وبزيادة سنوية بلغت 5.7%. ومن المتوقع أن يصل الطلب على الغاز الطبيعي في الدول العربية إلى 6.4 ملايين برميل عام 2020م مقارنة بـ3.3 ملايين عام 2005م، أي بزيادة تبلغ نسبتها 4.4% سنويًّا.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار التوقعات والمؤشرات عن اقتراب موعد نضوب البترول في المنطقة العربية (وفقًا لتقرير النظرة الاقتصادية الإقليمية: الشرق الأوسط آسيا، سبتمبر 2006م والصادر عن صندوق النقد الدولي)، فإن الأمر سيكون أكثر سوءًا في المستقبل، وهو ما يتطلب ضرورة السعي لتقنين الاستهلاك والبحث عن مصادر طاقة بديلة.

المخاطر الخارجية
تتمثل المخاطر الخارجية في الصراع الدولي على السيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة، وتتجلى مؤشرات هذا الصراع فيما يلي:
1- “النوبك” الأمريكي: وهو القانون الذي وافق عليه مؤخرًا مجلس النواب الأمريكي ويحمل عنوان (قانون لا تكتلات لإنتاج وتصدير النفط لعام 2007) والذي يعرف اختصارًا باسم “النوبك” والذي يعطي للحكومة الأمريكية إمكانية مقاضاة منظمة الأوبك والمنظمات المماثلة لها، بدعوى التحكم في أسعار النفط.
وأول الآثار المترتبة على هذا القانون إلغاء الحصانة السيادية لأعضاء “الأوبك” على ثرواتهم النفطية. فسماح القانون لوزارة العدل الأمريكية بمقاضاتهم أمام المحكمة الأمريكية تحت مبررات واهية متمثلة في أن نظام حصص الإنتاج في الأوبك يدخل في إطار مؤامرة تؤدي بصورة غير عادلة إلى رفع تكلفة النفط الخام لإشباع طمع مصدِّري النفط، يعني أن هذه الدول أصبحت تحت سيادة الدولة الأمريكية مثلها مثل باقي الشخصيات الاعتبارية التي تخضع للقانون الأمريكي.
ويأتي هذا المشروع متوافقًا مع المجهودات الأمريكية الرامية إلى إلغاء أي دور أو وزن حقيقي للنفط العربي في السياسة الدولية، وعدم السماح باستخدامه كورقة ضغط سياسية للتحكم في مصير العالم المعاصر، كما حدث من قبل خلال حرب أكتوبر عام 1973، خاصة في ظل الفشل الأمريكي والغربي الذريع في محاولات إيجاد مصادر طاقة بديلة (والتي أنفقت عليها منذ عام 2001 وحتى الآن نحو 10 مليارات دولار) أو باكتشاف مناطق نفطية جديدة، حيث اصطدمت بالتكاليف العالية للبحث والتنقيب (كما حدث في النرويج وبحر الشمال والإكوادور وألاسكا وكندا وأستراليا). وكذلك الفشل في السيطرة على بحر قزوين والتدخل في الشئون الداخلية لقرقيزيا وأذربيجان وكازاخستان وجورجيا وأوكرانيا وأرمينيا؛ بسبب مواجهة كل من روسيا وإيران لهذه المحاولات.
ولذا فقد سعت الحكومات الغربية لتشديد ضغوطها على الدول العربية لإقناعها بعودة الشركات الاحتكارية للمشاركة في إنتاج النفط والغاز بالمنطقة وفقًا لنظام يؤمن مصالح هذه الشركات ويعطي الفرصة لتحجيم دور دول الأوبك أو إلغائه، والعمل على إعادة تشكيل السوق الدولية للنفط بما يتوافق مع المخططات الغربية-الصهيونية الرامية إلى الهيمنة على النفط العالمي.
إن هذا الهدف الإستراتيجي الأمريكي (السيطرة على حقول النفط) هو الذي حدا بها إلى شن الحروب على العديد من دول العالم -وما مثال حربها على أفغانستان في العام 2001 وعلى العراق في العام 2003 ببعيد- وإقرار مبدأ الحرب الاستباقية، وتوسيع التواجد العسكري الأمريكي في العالم. وكذلك محاولاتها بذر الفتنة بين الدول العربية والسعي لتجزئة الوطن العربي إلى كيانات ودويلات صغيرة على أسس طائفية وعرقية، كما يحدث الآن في العراق، كل ذلك بهدف التحكم في الثروات البترولية العربية وفرض الوصاية عليها.

2- دخول دول جديدة حلبة السباق الدولي على النفط العربي-الخليجي:
ترتب على النهضة الصناعية الكبرى التي تشهدها العديد من دول العالم خاصة الصين والهند، ارتفاع الطلب العالمي على النفط وتحديدًا على النفط العربي الذي يمثل 84% من الاحتياطات النفطية المؤكدة. فبالإضافة إلى دخول هؤلاء الأعضاء الجدد إلى سوق النفط، هناك الأعضاء القدامى الذين يزداد طلبهم على النفط بدرجة كبيرة، حيث تشير الوكالة الإعلامية الأمريكية لشئون الطاقة إلى أن واردات أمريكا الشمالية من النفط الخليجي سوف تتضاعف في الفترة من بين 2002 – 2025م؛ إذ إنه من المتوقع أن تأتي أمريكا الشمالية في المركز الثاني بعد الصين من حيث حجم وارداتها من نفط الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نفس الفترة، خاصة في ظل توجه الصين للاعتماد شبه الكلي لوارداتها من النفط على هذه المناطق، حيث تحصل على حوالي 40% من استهلاكها الذي زاد بنسبة 75% في الفترة ما بين عامي 2002 – 2004م.
وينطبق ذلك أيضًا على الهند التي تعاني من نقص في الموارد الثابتة المستقرة للطاقة؛ إذ لا يكفيها الإنتاج المحلي الذي تقدمه هذه الموارد وتستورد 70% من استهلاكها من النفط. وتشير إحدى الدراسات الاقتصادية لـ”جولدمان ساشز” إلى أنه في ظل زيادة حجم الاستثمارات الصناعية في الهند، خاصة في سوق السيارات، فإن نسبة استهلاكها للنفط ستزداد بصورة كبيرة. وهو الأمر الذي دفع الهند إلى توجيه اهتمام كبير لأمن واستقرار منطقة الخليج التي تعتمد عليها بشكل كبير في الحصول على احتياجاتها النفطية.

3- الصراع الغربي الإيراني وتأثيره على تدفقات النفط:
يكتسب مضيق هرمز أهمية كبيرة من النواحي الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية كونه معبرًا لحوالي ثلثي الإنتاج النفطي الذي يستهلكه العالم.
ومع تصاعد وتيرة الصراع بين الدول الغربية وإيران حول برنامجها النووي وإمكانية تطور هذا الصراع إلى حرب، فإن هناك مخاطر كبيرة تهدد مضيق هرمز، وبالتالي خطوط نقل النفط الذي تمر عبره، خاصة في ظل تهديد إيران بغلق المضيق في حال تعرضها لضربات عسكرية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهو ما سيترتب عليه ارتفاع كبير في أسعار النفط ستكون نقلة نوعية مختلفة عما حدث من قبل في هذه الأسعار.
وتستطيع إيران التي تسيطر على مضيق هرمز -بفضل احتلالها جزر الإمارات طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى- تنفيذ تهديداتها وتعريض العالم لصدمة نفطية قد تكون مدمرة، ولا تقوى الاقتصاديات الغربية على تحملها. ولعل هذا ما يدفع العديد من الدول الغربية، إضافة إلى روسيا والصين، إلى اعتبار أي محاولة أمريكية أو إسرائيلية لتوجيه ضربة عسكرية لإيران بمثابة “الجنون بعينه”.

مخاطر طبيعية
النوع الثالث من المخاطر يتعلق بطبيعة النفط ذاته كمادة قابلة للنضوب وغير متجددة، حيث تشير التوقعات إلى أن عصر النفط الذي يشكل أكثر من ثلث الطاقة المستخدمة في العالم قد أوشك على الأفول في خلال أقل من نصف قرن بعد ما أحرق العالم تريليون برميل من إجمالي تريليونين برميل.
وتتأكد هذه التوقعات في ظل عجز الجهود الدولية عن اكتشاف مزيد من الحقول الجديدة أو وقف النهم المتصاعد في استهلاكه.

آليات تأمين أمن الطاقة العربي
وفقًا لمعطيات التقرير الثاني للأمين العام لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) لعام 2005/ 2006، فإن العالم يمتلك مصادر بترولية مؤكدة لا تزيد عن 1266 بليون برميل نفط وإن الاحتياطي العالمي القابل للاستخراج من النفط يقع في حدود 1131.6 بليون برميل في عام 2005 م، يمتلك العرب منه نظريًّا 667.4 بليون برميل. كما أنه وفقًا للتقرير فإن احتياطي الغاز الطبيعي يبلغ حوالي 181.8 تريليون متر مكعب، يوجد منها 29.3% في الأراضي العربية.
وإذا وضعنا في اعتبارنا أن معدل إجمالي الإمدادات البترولية العالمية قد بلغ عند نهاية عام 2005م 84.3 مليون برميل يوميًّا، ساهمت دول الأوابك بحوالي 34.1 مليون برميل منها، فإن هناك حاجة ملحة لتأمين مصادر الطاقة العربية، خاصة في ظل المخاطر التي تتهددها كما أشرنا آنفًا.
وفي هذا الإطار لا بد من تنشيط الآليات العربية لتحقيق هذه الحماية وبخاصة (منظمة أوابك) من خلال رسم سياسات مشتركة لتنمية عملية التصنيع العربي للنفط والغاز الطبيعي؛ لتعزيز الموقف التفاوضي العربي في سوق النفط والغاز الدولية، ومواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية لسياسة (التسعير المزدوج) للغاز الطبيعي أو نظم الضرائب المفروضة على واردات النفط والغاز لأوروبا وأمريكا.
كذلك يجب العمل على تعزيز التعاون العربي مع الدول المنتجة في المناطق الأخرى من العالم كبحر قزوين، والسعي لإقامة شراكة عربية روسية في مجال النفط والغاز للعمل على إمداداته بأسعار معقولة.
كما يتعين على الدول العربية والخليجية البحث عن برامج للتطوير والتنمية لتنويع اقتصادياتها، وبالتالي مصادر دخلها وعدم الانتظار إلى نفاد النفط، وذلك من خلال تبني الحكومات العربية سياسة النهوض بالبنية الأساسية التي تمثل ضرورة ملحّة لعملية التنمية. وكذلك العمل على الربط بين مخرجات العملية التعليمية ومتطلبات سوق العمل وتطوير الأبنية التعليمية وإعداد وتدريب المعلمين، والتوسع في التعليم الفني والصناعي والتجاري، بهدف تلبية احتياجات التنمية.
ومع ارتفاع معدلات البطالة العربية، لا بد من العمل على الاهتمام بإصلاح سوق العمل العربي من خلال تنفيذ برامج تدريبية لتأهيل ورفع المهارات البشرية، وتقديم إصلاحات سياسية واقتصادية تعمل على توفير البيئة الملائمة لتشجيع القطاعات غير النفطية، من خلال تعزيز الانفتاح الاقتصادي وتطوير الجاذبية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*