الاحتياطي النفطي الكويتي ولغز المستقبل المجهول

الاحتياطي النفطي الكويتي ولغز المستقبل المجهول
فؤاد علي البحراني (2007)
النهار الكويتية 2-9-2007

عقد مجلس الأمة جلسة سرية لمناقشة الاحتياطي النفطي في يوليو الماضي، وبعد الجلسة أعلن وزير الكهرباء والماء ووزير النفط بالوكالة المهندس محمد العليم لوكالة الأبناء الكويتية (كونا) أن الاحتياطيات النفطية لدولة الكويت تقدر بـ (100) مليار برميل مؤكداً أنها تتوافق مع التقديرات الدولية المعلنة. تأتي هذه التصريحات رداً على الجدل القائم محلياً وعالمياً حول الاحتياطي النفطي الكويتي، فعالمياً يعتبر النفط الكويتي من أهم مصادر هذه الطاقة، وأي خوف من نضوبه قريباً أو عدم القدرة على توفيره بشكل كافٍ للدول المستهلكة قد يتسبب بإرباك شديد في سوق النفط العالمية، أما محلياً فلا يخفى أن وجود الكويت يعتمد بشكل يكاد يكون مطلقاً على ثروتها النفطية، ونضوب هذه الثروة سيمثل منعطفاً تاريخياً ومصيرياً للكويت وأهلها، ولذلك فمن المهم معرفة حجم هذه الثروة والى متى ستستمر، وبالتالي معرفة ما نمتلكه من وقت للاستعداد لمرحلة الكويت من دون نفط وهي مرحلة لن تكون سهلة بل وقد تكون مأساوية إن لم يتم الاستعداد لها بشكل كافٍ ودقيق.
وبمقارنة التقديرات الحكومية المتفائلة مع التقارير العالمية نجد تناقضاً كبيراً، فقد نشرت مجلة ( petroleum interlligence weekly piw) المتخصصة في مجال الدراسات النفطية في العشرين من يناير سنة 2006 تقريراً أوردت فيه أن الاحتياطي النفطي للكويت هو في الحقيقة نصف المعلن رسمياً من قبل الحكومة الكويتية، ومن المعروف وحسب ما هو وارد في تقارير منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) فإن الكويت تملك احتياطياً يقدر بحوالي 99 بليون برميل، وهو ما يعادل حوالي 10% من الاحتياطي النفطي العالمي، وتقول المجلة في تقريرها أنها حصلت على وثائق وبيانات من داخل شركة نفط الكويت KOC (الجهة المسؤولة عن عمليات الإنتاج في الكويت)، تدل على أن الاحتياطي النفطي المؤكد وغير المؤكد (proven, non-proven ) هو حوالي 48 بليون برميل فقط، أي حوالي نصف ما هو معلن رسمياً، وتقول المجلة كذلك أن المسؤولين في الشركة لا يفرقون بين الاحتياطي المؤكد والمحتمل والممكن (proven, probable possible )، كما أشارت المجلة الى ان الاحتياطي المتبقي والذي مقداره 48 بليون برميل، 24 بليون برميل منه فقط هي مؤكدة بالكامل، وإن 15 بليون برميل من هذه المؤكدة موجودة في أكبر حقل في الكويت وهو حقل برقان، وكان رئيس مجلس ادارة شركة نفط الكويت فاروق الزنكي صرح لمؤسسة بلومبيرغ الاستشارية بتاريخ 9 نوفمبر 2005، أن حقل برقان ينتج حالياً 1.7 مليون برميل يومياً، وليس 2مليون كما توقع المهندسون لبقية عمر البئر وهو من 30 الى 40 سنة، وقد حاول المهندسون رفع مستوى انتاج البئر ولكنهم لم ينجحوا في ذلك.
هذه التقارير والمعلومات الخاصة بوضع الاحتياطي النفطي الكويتي، تتوافق مع دراسات عالمية قام بها جيولوجيون وفيزيائيون حول المخزون النفطي العالمي، والتي تؤكد ان المخزون النفطي في العالم قد وصل الى مرحلة الذروة، وأن المرحلة القادمة ستشهد بداية نضوب الآبار الحالية، هذا ما تشرحه نظرية هبيرت hubbert نسبة الى الجيولوجي الأميركي (ماريون كينغ هبيرت)، الذي يزعم في نظريته ان معدل انتاج النفط في اي حقل أو في مجموع حقول بلد معين أو مجموع حقول العالم كله يأخذ شكل المنحنى الهدبي، بداية المنحنى هو تعبير عن بداية انتاج النفط من البئر أو الحقل حيث يرتفع معدل الانتاج بسبب تطوير المعدات وأساليب الانتاج مع الزمن، وفي وقت ما سيصل الانتاج النفطي في هذا البئر الى ذروته، بعدها يبدأ الانتاج بالانخفاض، ويستمر في الانخفاض مع مرور الزمن بسبب استهلاك المخزون النفطي إلى ان يعجز عن الانتاج تماما، مع مرور الزمن بسبب استهلاك المخزون النفطي، فالذروة النفطية العالمية أو (ذروة هبيرت) هي وصف لحدث تاريخي لا يتكرر وهو الوصول الى ذروة الإنتاج النفطي للمخزون النفطي في العالم كله، وحسب هذه النظرية فإن الانتاج النفطي في القارة الأميركية وصل الى مرحلة الذروة ما بين سنتي 1965 و 1970 وهو الآن في مرحلة الانخفاض النهائي، وفي العالم كله سيصل الانتاج النفطي الى مرحلة الذروة بين سنتي 1995و 2000، أي أننا وصلنا الى مرحلة الذروة العالمية ونحن نعيش الآن مرحلة الانخفاض، هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فإن وقت الذروة قد يختلف من منطقة الى اخرى، وقد بين آخر تقرير اصدرته (مؤسسة دراسات الذروة النفطية) ASPO أن الإنتاج النفطي في الشرق الاوسط وصل الى مرحلة الذروة بين عامي 2000 و 2005 . وقد أصبح موضوع الذروة النفطية محور نقاش ومبادرات سياسية على أعلى المستويات، فالرئيس الأسبق بيل كلينتون وجه نداء في شهر يناير 2006 في احدى محاضراته منبها إلا ان العالم ربما يشهد نضوب النفط القابل للاستخراج مابين 35و 50 سنة القادمة، وبدأت عدد من الدول في وضع وتنفيذ الخطط لخلق اقتصاد جديد لا يعتمد على النفط خلال العقود القادمة، ففي السويد عين رئيس الوزراء لجنة عليا للتخلص من الاعتماد على النفط، مهمة هذه اللجنة تنفيذ الدراسات ووضع الخطط التي تمكن السويد من التخلص من الاعتماد على النفط كمصدر للطاقة بحلول سنة 2020 .
إذاً أين هي الحقيقة، هل الحقيقة هي ما تعلنه الحكومة وما تبشر به من عمر مديد للنفط الكويتي قد يصل الى اكثر من 100 سنة، أم التقارير العالمية التي لا تعطي للنفط الكويتي عمراً أكثر من 40 سنة، هذا الفرق الشاسع لا يمكن تجاوزه، وعلى أي حال فإن التقنيات الحديثة يمكنها قياس حجم الاحتياطيات النفطية ولكن يبدو ان هناك رغبة في عدم الاعلان عن حقيقة هذه الاحتياطيات لأسباب مجهولة، وفي اعتقادي ان التخطيط لمستقبل الدول يجب ان يبنى على أسوأ الاحتمالات وليس أفضلها، فحتى لو كان عمر النفط الكويتي كما تعلن عنه الحكومة فمن الذكاء التخطيط لمستقبل البلد على انه نصف هذه التوقعات أو أقل.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*