من بنسلفانيا إلى القطب الشمالي المتجمد

من بنسلفانيا إلى القطب الشمالي المتجمد
صالح الأشقر
جريدة الشرق القطرية 11\8\2007

(الجزء الأول)
تزداد الطاقة البترولية المكونة من النفط والغاز أهمية قصوى في دعم عجلة التطور الحضاري الراهن والمستقبلي، لما لهذه الطاقة من تأثير إيجابي قوي على النمو الاقتصادي المتسارع في مختلف دول العالم.
ومن المتابعة المتلاحقة يتضح بجلاء مدى الاعتماد العالمي الكبير على استخدام الطاقة البترولية في البناء الحضاري المتواصل، وعلى الأخص بعد الابتكارات التكنولوجية الهائلة وتوظيفها والاستفادة القصوى منها في مجال الطاقة البترولية ولمختلف مجالات الصناعات التي تحركها هذه الطاقة.
والسؤال: إلى متى ستظل الطاقة البترولية هي الأساس في التنمية الاقتصادية العالمية ومواصلة الاعتماد عليها في تشييد البناء الحضاري الإنساني الراهن الذي يتطلب المزيد والمزيد من الطاقة البترولية ذات التفوق الكاسح على مختلف الطاقات المتجددة التي تمثل الرياح والشمس والتيارات المائية.
وتعود قصة الطاقة البترولية التي تتربع على قمة الاقتصاد العالمي إلى آلاف السنين عندما كانت أغراضها بدائية وبسيطة لا تتعدى الشعوذة وأغراضا طبية بدائية ومنع تسرب الماء والإنارة ولتثبيت مكونات البناء بواسطة الأسفلت.
وبعد آلاف السنين من تاريخ الطاقة البترولية جاء عام 1859 عندما تم حفر أول بئر تجاري في منطقة بنسلفانيا الأمريكية وتطور الأمر إلى تأسيس شركة صناعة نفطية على مستوى أقل من متواضع.
وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ركزت الصناعة البترولية على استخلاص الكيروسين من النفط الخام لإضاءة المصابيح والمواقد واستعمال المادة النفطية اللزجة للتشحيم. وتطورت استخدامات البترول كوقود للغلايات وأصبح منافسا لأشكال الطاقة الأخرى مثل الفحم الحجري والزيوت الحيوانية والنباتية.
وجاءت القفزة الكبرى لمادة الطاقة البترولية بداية بالنفط الذي دخل في وقود القاطرات والسفن، ولم تأت الحرب العالمية الأولى ألا وقد احتل النفط الصناعة بشكل متطور من خلال معامل التكرير واستخدامه في وقود السيارات والطائرات وحل محل وقود الفحم الحجري في تسيير الأساطيل عبر البحار والمحيطات.
وبدأ الاستهلاك يتزايد من حوالي مليون برميل يوميا عام 1915 إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يوميا في عام 1940 وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية لعب البترول دوره الحاسم في الانتعاش الاقتصادي العالمي مسجلا فوزا ساحقا على مختلف أنواع الطاقة.
ومع بداية الستينيات من القرن العشرين حل البترول محل الفحم الحجري في مجال الطاقة المختلفة وفاق الانتاج العالمي 20 مليون برميل يوميا.
وتواصلت وازدادت مكانة الطاقة البترولية وجاء تأسيس منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» وذلك عام 1960 كأول بداية تمكنت من خلالها الدول الأعضاء للأوبك من السيطرة على مواردها البترولية ومواجهة الضغوط المتزايدة في الطلب على البترول وعندما كان انتاج الدول الاعضاء في المنظمة حوالي 9 ملايين برميل يوميا.
واستجابة للصناعة الحديثة والمختلفة الأغراض والمعتمدة على طاقة البترول بلغ الانتاج العالمي 63 مليون برميل يوميا مع حلول عام 1979 بعد أن توسعت استخدامات الطاقة البترولية كمادة خام مهمة في صناعات البتروكيماويات وانتاج مشتقات متنوعة عديدة مثل البلاستيك والالياف الصناعية والاسمدة ومبيدات الحشرات والأدوية والعقاقير.
واستمر العالم في التوسعات الصناعية البترولية بعد عام 1979 والصناعات المختلفة والمتعددة الأغراض المعتمدة على الطاقة البترولية من النفط والغاز والبتروكيماويات بمختلف انواعها وتبعا لذلك ارتفع الانتاج العالمي من 63 مليون برميل يوميا عام 1979إلى حوالي 75 مليون برميل يوميا خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات.
وازدادت حدة ارتفاع الطلب على البترول مع بداية القرن الجديد الى ما يتراوح بين 84 مليون برميل يوميا و85 مليون برميل يوميا من النفط الخام حتى نهاية عام 2006.
في نهاية عام 2006 شهدت تجارة الطاقة البترولية من النفط والغاز أعلى معدل لها على الاطلاق من حيث كميات الانتاج والاسعار حيث قفزت هذه التجارة من بضعة دولارات لاول بئر تجاري في بنسلفانيا عام 1859 الى حوالي عشرة مليارات دولار يوميا بما في ذلك تجارة الغاز وسوائل البترول والصناعات البتروكيماوية.
هذه الطاقة البترولية العجيبة عندما بلغت اهميتها القصوى بعد منتصف القرن العشرين ازدهرت في العديد من مناطق العالم خاصة في الخليج عندما اكتشفت حقول انتاجية بكميات ضخمة وبتكاليف رخيصة جدا لدرجة ان تكلفة البرميل كانت اقل من دولار في بعض الحقول.
ومع زيادة الطلب العالمي الراهن ازدادت عمليات التنقيب والاستكشافات في مختلف مناطق العالم برا وبحرا لتصل تكلفة البرميل في انجولا وبعض المناطق البحرية إلى ما بين عشرة وخمسة عشر دولارا للبرميل حاليا ويتوقع أن تزيد هذه التكاليف خلال المستقبل القريب.
وعلى سبيل المثال في أنجولاً توجد مكامن البترول تحت قاع مياه المحيط الأطلسي لمسافات من سطح البحر إلى قاعه، تصل إلى ما بين ألف وألف وثلاثمائة متر، إضافة إلى أعماق من قاع البحر إلى مكامن البترول لا تقل عن خمسة آلاف قدم.
وفي ظل هذه التطورات المتعلقة بزيادة الطلب على البترول تخوض الدول الكبرى المتقدمة تنافساً محموماً على امتيازات لمناطق بترولية وعلى ملكية المناطق النائية المتوقع أنها تحتوي على الطاقة البترولية من النفط والغاز.
وفي حدة الطلب العالمي على الطاقة البترولية، وما لهذه الطاقة من مكاسب المال والقوة اندفعت روسيا الاتحادية مؤخراً إلى رفع علمها في أقصى منطقة نائية من القطب الشمالي المتجمد، وسط احتجاجات أمريكية وكندية ضد الإجراء الروسي.
وحول مستقبل الطاقة البترولية تختلف التحليلات حول الكميات المتبقية في باطن الأرض براً وبحراً.. فهناك من يقول إن إنتاج البترول بلغ ذروته وبدأ انخفاضه.
وفي المقابل ترى تحليلات أخرى أن ما تم إنتاجه من البترول حتى الآن يبلغ تريليون برميل من الاحتياطي العالمي والبالغ 3.2 تريليون برميل بمعنى أنه ما يزال لدى العالم من الاحتياطي 3.1 تريليون برميل تمثل الاحتياطات القابلة للإنتاج.
ويستند الاتجاه المتفائل إلى التقنيات الجديدة التي شهدتها عمليات التنقيب والاستكشاف والإنتاج خلال السنوات الأخيرة التي أسهمت بصورة كبيرة في زيادة موارد النفط والغاز في العالم.
ويستشهد المتفائلون كذلك ببعض المعلومات أبرزها أن الاحتياطي النفطي العالمي كان عام 1975 يبلغ 630 مليار برميل، ثم زادت هذه الاحتياطيات في عام 2005 إلى حوالي 750 مليار برميل وزادت احتياطيات الغاز الطبيعي لنفس الفترة من 80 تريليون متر مكعب إلى 180 تريليون متر مكعب.
والملاحظ أن الاتجاه المتشائم حول مستقبل الطاقة البترولية في الدول الكبرى الفاعلة بدأت تشعر بالقلق، وتميل كل دولة منها إلى نزعة السيطرة على الطاقة البترولية متأثرة بمخاوف شح هذه الطاقة في المستقبل، مما يشير إلى بداية مخاوف ربما تؤدي إلى صراعات على مستوى الدول الكبرى.
وليست مثل هذه المؤشرات ببعيدة عنا وخاصة في العراق حيث بدأ الذين يسمون أنفسهم بالحلفاء لإنقاذ العراق يتصارعون فيما بينهم سراً وعلناً على ثروة العراق البترولية، وامتداد هذا الصراع بين أمريكا وكندا من جهة وروسيا الاتحادية من الجهة الأخرى بعد أن رفعت روسيا علمها على أبعد منطقة في القطب الشمالي المتجمد. هذه هي قصة الطاقة البترولية أو ما يطلق عليها بالذهب الأسود التي بدأ الصراع حول السيطرة علىها منذ عام 1859م في بنسلفانيا، وظل يواصل امتداده عبر التاريخ والجغرافيا إلى أبعد منطقة نائية مهجورة ومجهولة في القطب الشمالي المتجمد مؤخراً.


من بنسلفانيا إلى القطب الشمالي المتجمد (2-2)
الشرق القطرية 13\8\2007

تم خلال المقالة السابقة استعراض مختصر لتطورات الطاقة البترولية منذ حفر أول بئر نفطي تجاري في العالم 1859 وحتى نهاية عام 2006 وما تم خلال هذا التاريخ من الزيادة الهائلة في الانتاج لتبلغ تجارة الطاقة البترولية من بضعة دولارات عام 1859 لتصل في نهاية عام 2006 إلى حوالي عشرة مليارات دولار يوميا.
ومع زيادة الطلب العالمي الراهن ازدادت عمليات التنقيب والاستكشافات في مختلف مناطق العالم برا وبحرا لتصل تكلفة البرميل في انجولا وبعض المناطق البحرية الى ما بين عشرة وخمسة عشر دولارا للبرميل حاليا ويتوقع أن تزيد هذه التكاليف خلال المستقبل القريب.
وعلى سبيل المثال في انجولا توجد مكامن البترول تحت قاع مياه المحيط الاطلسي لمسافات من سطح البحر إلى قاعه تصل إلى ما بين ألف وألف وثلاثمائة متر إضافة الى أعماق من قاع البحر الى مكامن البترول لا تقل عن خمسة آلاف قدم.
وفي ظل هذه التطورات المتعلقة بزيادة الطلب على البترول تخوض الدول الكبرى المتقدمة تنافساً محموماً على امتيازات لمناطق بترولية وملكية المناطق النائية المتوقع انها تحتوي على الطاقة البترولية من النفط والغاز.
وفي حدة الطلب العالمي على الطاقة البترولية وما لهذه الطاقة من مكاسب المال والقوة اندفعت روسيا الاتحادية مؤخراً إلى رفع علمها في اقصى منطقة نائية من القطب الشمالي المتجمد وسط احتجاجات امريكية وكندية ضد الاجراء الروسي.
وحول متسقبل الطاقة البترولية تختلف التحليلات حول الكميات المتبقية في باطن الارض برا وبحرا.. فهناك من يقول إن انتاج البترول بلغ ذروته وبدأ انخفاضه.
وفي المقابل ترى تحليلات اخرى ان ما تم انتاجه من البترول حتى الآن يبلغ تريليون برميل من الاحتياطي العالمي والبالغ 3،2 تريليون برميل بمعنى انه مايزال لدى العالم من الاحتياطي 3،1 تريليون برميل تمثل الاحتياطيات القابلة للانتاج.
ويستند الاتجاه المتفائل الى التقنيات الجديدة التي شهدتها عمليات التنقيب والاستكشاف والانتاج خلال السنوات الاخيرة والتي اسهمت بصورة كبيرة في زيادة موارد النفط والغاز في العالم.
ويستشهد المتفائلون كذلك ببعض المعلومات أبرزها ان الاحتياطي النفطي العالمي كان عام 1975 يبلغ «630» مليار برميل ثم زادت هذه الاحتياطيات في عام 2005 إلى حوالي 750 مليار برميل وزادت احتياطيات الغاز الطبيعي لنفس الفترة من 80 تريليون متر مكعب إلى 180 تريليون متر مكعب.
والملاحظ أن الاتجاه المتشائم حول مستقبل الطاقة البترولية في الدول الكبرى الفاعلة بدأت تشعر بالقلق وتميل كل دولة منها إلى نزعة السيطرة على توقعات حول وجود الطاقة البترولية متأثرة بمخاوف شح هذه الطاقة في المستقبل مما يشير إلى بداية مخاوف ربما تؤدي إلى صراعات عسكرية على مستوى الدول الكبرى.
وليست مثل هذه المؤشرات ببعيدة عنا خاصة في العراق حيث بدأ الذين يسمون أنفسهم بالحلفاء لإنقاذ العراق يتصارعون فيما بينهم سرا وعلنا على ثروة العراق البترولية وامتد هذا الصراع بين أمريكا وكندا من جهة وروسيا الاتحادية من الجهة الأخرى بعد أن رفعت روسيا علمها على أبعد منطقة نائية في القطب الشمالي المتجمد.
هذه هي قصة الطاقة البترولية أو ما يطلق عليها بالذهب الأسود التي بدأ الصراع للسيطرة عليها منذ عام 1859 في بنسلفانيا وظل هذا الصراع يواصل امتداده عبر التاريخ والجغرافيا إلى العراق الجريح وأبعد منطقة نائية مهجورة ومجهولة في القطب الشمالي المتجمد مؤخرا.
الدول الكبرى لا تعرف شيئا اسمه التعايش السلمي ولا تعترف بشيء اسمه الأخلاق السياسية ألا إذا كانت تحصل علي كل أطماعها الاقتصادية أينما كانت هذه الأطماع.
وها هي قصة رفع العلم الروسي على منطقة نائية في القطب الشمالي مؤخرا قيل إن هذه المنطقة تحتوي على كميات ضخمة من الطاقة البترولية تحرك القاذفات الروسية للتحليق فوق قواعد أمريكية في المحيط الهادي مما يؤكد أن الدول الكبرى لا تعترف بالمهادنة على حساب المصالح خاصة إذا كانت هذه المصالح اقتصادية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*