الاحتياطي النفطي العالمي ـ الحقائق والمخاوف

الاحتياطي النفطي العالمي ـ الحقائق والمخاوف
رمزي سلمان
المصدر: الشرق القطرية 20\6\2007

نقرأ ونسمع الكثير عن الاحتياطي النفطي العالمي والاقليمي وما لدى الدول الاعضاء في منظمة الاوبك من احتياطي وتأثير على مستقبل الامدادات النفطية.
غالباً ما تتفاوت الارقام وتختلف التسميات الامر الذي يسبب ارباكاً واستنتاجات مختلفة لا سيما وان ما يعلن او ينشر أو يصرح به هو لغرض سياسي او اقتصادي.
الشركات النفطية العالمية غالباً ما تغالي في كميات الاحتياطي الذي تملكه او لها مصلحة فيه لغرض رفع قيمة اسهمها في البورصات او رفع مكانتها في الصناعة النفطية.
بعض الحكومات تعتبر حجم احتياطياتها من أسرار الدولة، ونادراً ما تنشر الارقام الدقيقة بسبب اجتهادات مختلفة منها الاحتياطيات الكبيرة قد تجعلها هدفاً للإحتلال أو السيطرة لأسباب مفتعلة والاحتياطيات الضئيلة قد تسبب اهمالها وغير ذلك من الاعتبارات.
وبغية تبسيط الامور للقارئ غير المتخصص أرى من المفيد ان نستعرض بعض الامور ذات العلاقة بالموضوع ليتمكن من قراءة ما بين السطور لما يقرأ أو يسمع عن الاحتياطي النفطي وخفاياه.

ما هو الاحتياطي
يوجد النفط الخام كسائل يحوي غازاً مذاباً في فراغات او ما يسمى مسامات حجر المكمن النفطي ويستخرج عن طريق انابيب الابار النفطية التي تحفر لتخترق حجر المكمن.
يتدفق النفط والغاز المصاحب له ذاتياً إلى سطح الارض من المكامن ذات الضغط العالي وقد يتطلب الامر في الحقول قليلة الغاز المذاب وضعيفة الضغط إلى استعمال مضخات لإستخراج النفط أو رفع الضغط والدفع الذاتي بضخ الماء او الغاز في المكمن.
مجمل كمية النفط الموجودة في الحقل او المكمن النفطي تسمى بكمية النفط الكلية وما يمكن استخراجه من مجمل الموجود او الكمية الكلية يسمى معامل الاستخراج.
ومعامل الاستخراج يعتمد على عدة عوامل منها ضغط الحقل وكمية الغاز المذاب وسيولة النفط وكثافته.
فمعامل الاستخراج الاولى للنفوط الثقيلة منخفض وقد لا يتجاوز 20% من الموجود ويزداد مع زيادة خفة النفط وقلة لزوجته لتصل إلى حوالي 35% من الموجود وهذه الارقام هي للاستخراج الاولى اعتماداً على الطاقات الذاتية للمكامن دون اي دعم خارجي.
وباستعمال تكنولوجيا متطورة لدعم العملية الانتاجية لضخ الماء والغاز والمذيبات وغيرها بما يسمى بالاستخراج الثانوي والثلاثي أصبح من الممكن اليوم اعتماداً على التكنولوجي المستخدم وكلفته واسعار النفط السائدة وطبيعة الحقل زيادة معامل الاستخراج إلى 75% وحتى اكثر في بعض الحالات.

الأرقام المعلنة
عند اكتشاف حقل نفطي غالباً ما يعلن اولاً هو كمية النفط الموجودة او المخمن وجودها في المكمن النفطي وبعد اكمال عمليات حفر الابار وفحوصها الانتاجية يعلن الاحتياطي النفطي المثبت للحقل وهو ما يتوقع استخراجه باستخدام التكنولوجيا المتوافرة.
معظم الارقام المنشورة اليوم للاحتياطيات النفطية المثبتة في العالم مستمدة مما نشر سابقاً وفي الغالب دون تحديثها لتعكس ما تم انتاجه منها او الزيادات الممكنة باستخدام التكنولوجيا الحديثة.
وعلى سبيل المثال اذكر ما يتكرر نشره عن الاحتياطي المثبت للعراق بين 100و 120 مليار برميل وهو نفس ما كان وتم نشره نتيجة دراسة أجريت سنة 1965 دون اي تحديث نتيجة الاكتشافات العديدة والتطورات التكنولوجية الهائلة خلال اكثر من 40 سنة.
بالاضافة إلى الاحتياطي النفطي المثبت يذكر احياناً “الاحتياطي الممكن” وكذلك “الاحتياطي المحتمل” واللذان يمثلان تخميناً لما من الممكن انتاجه من حقول مكتشفة وغير مقيمة وكذلك المحتمل اكتشافه في ضوء المعلومات الاولية المتوافرة في مناطق ذات احتمالات جيدة ولكنها غير مستكشفة.

ما الذي نصدقه
حسب دراسات أجرتها مؤسسة المسح الجيولوجي الامريكية سنة 1916 خمن الاحتياطي النفطي العالمي المثبت في حينه بحولي 42 مليار برميل نصفها في قارتي امريكا الشمالية والجنوبية والنصف الاخر في بقية انحاء العالم وعندئذٍ كان الاستهلاك العالمي حوالي 2 مليون برميل في اليوم اي ان الاحتياطي المثبت كان سينفذ خلال حوالي 57 سنة بذلك المعدل للاستهلاك واقل من ذلك بكثير وقد يصل إلى اقل من 20 سنة اذا ما ازداد الاستهلاك العالمي بسبب الثورة الصناعية في الغرب كما كان متوقعاً وحصل فعلاً.
وبالرغم من الاستهلاك العالمي المتزايد منذ سنة 1916 ليتجاوز اليوم 80 مليون برميل في اليوم نجد ان الاحتياطي المثبت وكما هو منشور يزيد على 1200 مليار برميل او ما يكفي لأكثر من 40 سنة بمعدلات الاستهلاك الحالية.
وقد اكدت احصائيات شركة بي بي التي نشرت يوم 13 يونيو 2007 ان الاحتياطي المثبت سينفذ خلال 40 سنة بمعدلات الاستهلاك الحالية وان ثلثي الاحتياطي المثبت موجود في الشرق الاوسط وان زيادة الطلب العالمي المتوقعة ستتطلب تجهيزات متزايدة من احتياطيات المنطقة.
ان زيادة الاستهلاك العالمي بمقدار 2-3 ملايين برميل يومياً سيعني توفير زيادة توازي الانتاج الكلي للمملكة العربية السعودية كل 3-4 سنوات وهو أمر قد يصعب تحقيقه ولعدة اعتبارات.
من المفيد ان نذكر انه بالرغم من استمرار الزيادة في الاستهلاك العالمي لاكثر من قرن من الزمن فإن ارقام الاحتياطي المثبت استمرت بالزيادة . فبعد ان كان حوالي 42 مليار برميل سنة 1916 كان 108 لسنة 1951 و 234 لسنة 1956 و 317 لسنة 1962 و 654 لسنة 1977 و1009 لسنة 1993 واليوم هو اكثر من 1200 مليار برميل.
ان ارتفاع الاسعار وتطور التكنولوجيا جعلا الكثير من الشركات النفطية تفضل الرجوع للانتاج من حقول قديمة اوقف الانتاج منها لعدم اقتصاديتها وعلى الاخص في منتصف ثمانينيات القرن الماضي عندما انهارت اسعار النفط مسببة ترك تلك الحقول بالرغم من احتواء بعضها على اكثر من 50% من النفط الذي يوجد فيها اصلا.
واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار بأنه لاتزال هناك مساحات شاسعة من الاراضي والمياه العميقة غير مستكشفة لتاريخه اما لعدم اقتصادية العمل فيها لاسباب مختلفة او لعدم توافر التكنولوجيا اللازمة لتطويرها او لانها مناطق قررت حكوماتها منع استكشافها في الوقت الحاضر وتركها للاجيال القادمة. كل ذلك بسبب الحاجة اولا والتطور الهائل في التكنولوجيا وستبقى الحاجة ام الاختراع وما علينا الا الانتظار.

نظرة إلى المستقبل:
ليس من المتوقع ان ينتهي عصر النفط ولفترة طويلة جدا ولاسباب عديدة منها:
1- استمرار الاضافة إلى الاحتياطي المثبت نتيجة اكتشاف حقول جديدة واستمرار التطور التكنولوجي في كافة الحلقات من الاستكشاف إلى الانتاج.
2- ارتفاع الاسعار سيحد دون شك من انماط النمو الاستثنائي الحالي في زيادة الطلب على النفط وبالتالي اطالة عمر الاحتياطي النفطي.
3- ظاهرة الانحباس الحراري والاهتمام المتزايد بشؤون البيئة سيؤديان إلى التسريع في زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة من الرياح والمياه والطاقة الشمسية وغيرها. كذلك الحال بالنسبة لزيادة الاعتماد على الطاقة النووية لكونها توفر طاقة دون انبعاثات لغاز ثاني اوكسيد الكربون ومعظم ذلك سيكون على حساب النفط.
4- الزيادة الهائلة في استخدام الغاز الطبيعي بفضل طفرات تكنولوجية في انتاجه وتسييله ونقله ولكونه اكثر رأفه بالبيئة من النفط وهذا ايضا على حساب النفط.
5- احتياطيات الفحم الحجري في العالم هائلة وتفوق تلك للنفط والغاز الطبيعي ولكن الفحم الحجري يعتبر وبقدر تعلق الامر بالبيئة من اسوء مصادر الطاقة بسبب الغازات المنبعثة من احتراقه . وعليه فالدول مالكة احتياطيات الفحم الحجري ومعظمها دول مستوردة للنفط تجري بحوثاً وتجارب مكثفة لتطوير مايسمى استخدامات نظيفة للفحم الحجري بما في ذلك تحويل الفحم إلى سوائل نفطية وهي تكنولوجيا طورها واستعملها الالمان قبل وخلال الحرب العالمية الثانية واستخدمتها جنوب افريقيا في فترة الحصار النفطي عليها بسبب سياسة الفصل العنصري وهي اساس التكنولوجيا المستخدمة اليوم لتحويل الغاز الطبيعي إلى سوائل نفطية.
ان هذا الاهتمام بالفحم الحجري هو بالدرجة الاولى لاهداف استراتيجية كجزء من الامن الطاقوي كبديل للاعتماد على النفط المستورد من مصادر لاتعتبر مضمونة. نفس الاعتبارات تنصرف على الحملة المركزة في الدول الصناعية لتطوير البدائل الطاقوية الاخرى مثل الكحول من قصب السكر والحبوب النشوية والاخشاب وكذلك الغاز من تفسخ الفضلات النباتية والحيوانية وغيرها.

العبرة لمن اعتبر
كما ذكرنا آنفا ان ثلثي الاحتياطي العالمي المثبت توجد في الشرق الاوسط وهذا دون شك امر يقلق الكثيرين في العالم وبالذات الغربي منه وعليه ليس من الغريب ان يكون الهدف ضمان الامدادات او السيطرة عليها بطريقة او بأخرى وفي الوقت ذاته العمل على ايجاد بدائل كخطوة احتياطية.
وعليه فالكل يعمل على تقليل الاعتماد على النفط الخام بتطوير بدائل له ولكن تطوير البدائل واستخدامها يعني كلفة اكثر، الامر الذي يجعل من الضروري ان تبقى اسعار النفط مرتفعة لجعل البدائل اقتصادية.
اسعار النفط اليوم هي اضعاف ماكانت عليه في تسعينيات القرن الماضي او حتى مطلع القرن الحالي وستبقى مرتفعة لتكون كلف البدائل على الاقل موازية لتلك التي يتحملها المستهلك الغربي عند استعماله النفط.
واخشى ان يكون التاريخ وحسب عادته المعهودة يعيد نفسه. فما حدث خلال السنوات الاخيرة لاسعار النفط، ليدعم ويبرر تطوير البدائل الطاقوية غير النفطية، أجده كثير الشبه بما حصل في سبعينيات القرن الماضي عندما ارتفعت اسعار النفط من 1.5 دولار للبرميل إلى اكثر من 30 دولاراً للبرميل الامر الذي جعل دول الاوبك تزيد انتاجها بوتائر غير مسبوقة وفي الوقت ذاته قامت الدول الصناعية بتكديس خزين استراتيجي ضخم يكفي لاستهلاكها لثلاثة اشهر كما تم تطوير طاقات انتاجية كبيرة خارج دول الاوبك في بحر الشمال والاسكا والمياه العميقة والرمال النفطية في كندا وغيرها والتي لم تكن اقتصادية بالاسعار التي سادت اوائل السبعينيات . عندئذٍ كان الهدف الاساسي تطوير بدائل نفطية لنفوط دول الاوبك وما ان تحقق ذلك اضطرت الاوبك لخفض انتاجها من اكثر من 30 إلى اقل من 15 مليون برميل في اليوم وانهارت الاسعار إلى دون العشرة دولارات للبرميل وحتى بيع بعضها بثلاثة دولارات للبرميل فقط في سنة 1985 .
في سبعينيات القرن الماضي رفعوا الاسعار لتطوير بدائل نفطية لنفوط الاوبك واليوم يعملون لتطوير بدائل لانفطية لنفوط الاوبك والشرق الاوسط وتبقى الغلبة لمن اعتبر.

** الكاتب عمل رئيساً لمؤسسة النفط العراقية (سومو) 1972-1991، وأميناً عاماً مساعداً لمنظمة الاوبك في فيينا 1991-1997، ومنذ 1997 مستشاراً لمعالي نائب رئيس الوزراء وزير الطاقة والصناعة ـ دولة قطر، وما جاء في المقال اعلاه يعبر عن اراء شخصية للكاتب.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*