الطلب على الطاقة مهيأ للارتفاع بمعدل 50 % بحلول عام 2030

الطلب على الطاقة مهيأ للارتفاع بمعدل 50 % بحلول عام 2030
تقرير في جريدة فايننشال تايمز
صحيفة الاقتصادية الإلكترونية 22\5\2007

لأن الاكتشافات النفطية الرئيسية باتت أكثر ندرة ولأن سائقي السيارات أصبحوا يواجهون أعلى فواتير وقود منذ جيل كامل، فإن الجدل بشأن ما إذا كانت مشكلة استنفاد العالم لمصادر نفطه بدأت تطل برأسها من جديد.
ففي الكتب، الأحاديث والمحاضرات والمقالات وخصوصا على الإنترنت، بات رسل الشؤم- المعروفون بمنظري “ذروة النفط”- يحذرون من أن إنتاج حقول النفط في العالم في تراجع مستمر وستصبح قريبا عاجزة عن تلبية الشهية المفتوحة للبشرية للطاقة.
إن الأرقام مخيفة بالفعل. إذ إن من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الطاقة بمعدل 50 في المائة بحلول 2030 – بما يعادل 335 برميلا من النفط يوميا- في ظل السعي الحثيث للدول النامية، ولا سيما الصين والهند إلى تحقيق الثراء، والدول الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة، تسعى إلى المحافظة على أسلوب حياة يعتمد على الاستخدام الكثيف للطاقة. إن أكثر من ثلثي زيادة الطلب على الطاقة من المتوقع أن يأتي من الدول النامية.
وتدفع هذه النظرة القاتمة الخبراء ذوي العقل الرزين إلى التلفظ بكلمات تحذيرية، حيث قال كلود مانديل، المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة IEA ، جهاز مراقبة الطاقة في الغرب، محذرا في بداية الشهر الجاري: “اقتصاد الطاقة في العالم يمضي بوضوح في طريق غير مستدام” وهذا التصريح ليس جديدا ولكنه مع ذلك مريع. وفي بعض الجوانب فإن التوقعات أسوأ حتى مما كنا نعتقد سابقا.
إن العالم لا يعتمد بشكل مطلق على النفط، الذي يمثل أكثر من الثلث قليلا من استخدام الطاقة في العالم. أما المصادر الرئيسية الأخرى فهي الفحم، يمثل نحو ربع استخدام الطاقة، والغاز، يمثل نحو الخمس والطاقة النووية تمثل نحو 1.15 من الاستهلاك العالمي.
وكان ينظر إلى الطاقة النووية لفترة طويلة كصناعة في حالة احتضار، عادت بقوة إلى الأجندة، وذلك في ظل مواجهة الحكومات لمشكلتي أمن الطاقة والتسخين الكوني. وتعتزم كل من الصين والهند بناء أكثر من 20 مفاعلا جديدا بحلول عام 2020. كما تدرس الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية حاليا بكل جدية ما إذا كان من الأفضل الاستثمار في مرافق جديدة لإنتاج الطاقة النووية.
غير أن الطاقة النووية مازالت محاطة بجدل سياسي وحتى مناصريها الأعلى صوتا يقرون بأن الاستثمار في مجال الطاقة النووية مسألة معقدة ومليئة بالتحديات. إذ إن قضايا مثل التخلص من النفايات والحصول على تراخيص لإنشاء محطات جديدة لتوليد الطاقة النووية مازالت بحاجة إلى حل نهائي.
كما أن هناك أيضا اندفاعا غير مسبوق نحو تحقيق الريادة في مجال مصادر الطاقة البديلة: كل شيء من الطاقة الشمسية، الرياح إلى الأمواج والنفايات، ويوجد هنا قدر هائل من التفاؤل والاستثمار الضخم.
لكن حتى مع النمو المتوقع المكون من خانتين عشريتين ، فمن الضروري أن ترتفع الطاقة المتجددة من مثل هذه القاعدة المتدنية، وهي عدم التوقع بأن تشكل أكثر من 2 في المائة من إجمالي مزيج الطاقة بحلول 2030.
وبالتالي وبسبب جميع الأغراض العملية، سيظل النفط على مدى الأعوام المقبلة أهم مصدر للطاقة في العالم، وبالتالي سيكون لذلك أثر فعّال في الدول المنتجة للنفط وشركات البترول.
وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أنه بحلول عام 2030، ستحتاج منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” التي تمتلك معظم إمدادات النفط المتبقية في العالم لمضاعفة إنتاجها تقريبا وضخ 57 مليون برميل يوميا. ومن هذه الكمية المذكورة من المتوقع أن تسهم السعودية بنحو الثلث، وشرعت بالفعل في اتخاذ الخطوات اللازمة لتوفير هذه الكمية.
وفي العام الجاري سيكون لدى السعودية، التي تقول إنها تمتلك احتياطيا من النفط يبلغ 260 مليار برميل مع إمكانية إضافة 200 مليار برميل أخرى لهذه الكمية المذكورة، 90 منصة حفر عاملة. وهي تعادل ضعف ما كان موجودا في عام 2004 وثلاثة أضعاف عددها في العقد الماضي.
المملكة بمواردها النفطية الهائلة وشركة النفط الوطنية المتطورة ربما تكون في وضع جيد لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه الوكالة الدولية للطاقة ، إذا حافظت على استقرارها السياسي، ولكن المشكلة الأكبر تعود إلى بقية أعضاء منظمة “الأوبك”.
إن شركات النفط الرئيسية، مدعومة بأسعار الطاقة القياسية، تطرح رؤية أقل قتامة بشأن الأزمة التي تنتظر البشرية من الرؤية التي يشيعها منظرو “ذروة النفط”. وأشارت شركة إكسون موبيل، عملاق النفط الأمريكية، في العام الماضي إلى كميات هائلة من الاحتياطيات التي تعتقد أنها مازالت متوافرة في أنحاء العالم.
وتقدر بأن موارد النفط التقليدية تبلغ 3,200 مليار برميل. وإضافة إلى ذلك فإن الشركة تقدر وجود أربعة آلاف مليار برميل إضافية من النفط في شكل احتياطيات يصعب الوصول إليها – مثل الرمال النفطية، والصخور الصلصالية الموجودة في كندا، فنزويلا، روسيا، والولايات المتحدة.
ويبلغ في جملته 7,200 مليار برميل – نحو سبعة أضعاف الكمية التي تم استهلاكها على مدى المائة عام الماضية.
إضافة إلى ما سبق، فإن الشركات تستثمر مبالغ ضخمة من مجموعة واسعة ومتنوعة من التقنيات الجديدة وعلى سبيل المثال، حفزت “إكسون موبيل” مهندسيها على إيجاد وسائل أفضل لقياس صلابة الصخور التي يقومون بالتنقيب بداخلها. وبهذه الطريقة من المؤمل أن تتخذ الشركة قرارات أفضل بشأن أي موقع وبأي نوع من المعدات يمكن أن تنقب عن النفط، وبذلك ستعزز فرص الاكتشاف.
وبالمثل تستخدم شركة شيفرون سفينة الحفر الأكثر تطورا من الناحية التقنية في العالم من أجل حفر بئر بعمق 4,300 قدم تحت سطح البحر، وعلى مسافة 140 ميلا في عمق خليج المكسيك. ولدى جميع شركات النفط الدولية الرئيسية قصص تتعلق بكيف أنها تحاول حاليا دفع الحدود التكنولوجية إلى الوراء بحثا عن الاحتياطيات.
ويبدو أن كل هذه الجهود باتت تؤثر في الإمداد العالمي من النفط.
ووفقا لمحللين لدى “سانفورد بيرنستين”، مجموعة الخدمات المالية، فإن هناك مشاريع جديدة من المتوقع أن تضيف 5.8 مليون برميل يوميا خلال العام الجاري، 3.4 مليون برميل يوميا في عام 2007، و4.4 مليون برميل يوميا عام 2008.
وفي هذه الأثناء هناك دلائل بأن الأسعار العالية، وعلى الأقل على الهوامش، تؤثر في سلوك المستهلك، وحتى على المستهلكين في الولايات المتحدة، الذين يعتمدون بشكل كبير على سياراتهم أكثر من المستهلكين الأوروبيين.
وقدمت “كيه مارت” Kmart ، سلسلة متاجر التجزئة الأمريكية بيانات توضح بأن عملاءها باتوا يوحدون رحلاتهم إلى المتاجر إذ إنهم يرتادون متاجر “كيه مارت” في مرات أقل مع شراء كميات أكثر من التموينات.
ومع الزيادة المضطرة لإنتاج النفط ومنذ الكمية القياسية لشهر تموز (يوليو) البالغة 78.40 مليون برميل، ربما لن يكون من المستغرب تراجع أسعار النفط العالمية بمعدل 25 في المائة.
وفي وقت مبكر من الشهر الجاري، اجتمعت مجموعة من الرؤساء التنفيذيين من شركات الطاقة الكبرى في العالم في مدينة البندقية في إيطاليا خلف الأبواب المغلقة لمناقشة مستقبل شركات النفط.
ويدركون بأن هناك بعض الأوقات العصيبة التي تنتظرهم في المستقبل. ربما تتمكن السعودية من توفير الزيادات المأمولة في إنتاج النفط على مدى الـ 25 عاما المقبلة، غير أن تحقيق أهداف الوكالة الدولية للطاقة يتطلب زيادات تأتي من بلدان كإيران، العراق، ثاني وثالث أكبر احتياطيات في العالم على التوالي, واللتين ليستا في وضع سياسي مستقر بدرجة كافية لجذب استثمارات أجنبية مهمة لقطاعاتها النفطية التي تعاني من حالة الشيخوخة.
وبالتالي ما إن بدأ العالم يتنفس الصعداء، عقب أربعة أعوام متواصلة من ارتفاع سعر النفط ثلاثة أضعاف، فإن التواكل الناجم عن ذلك يهدد ببداية الدورة من جديد. ومع أننا لن نواجه بنضوب النفط كما يظن منظرو ذروة النفط – إلا أننا نجازف بنفاد القدرة على ضخه من باطن الأرض.
وكلما استهلكنا المواد الهايدروكربونية بوتيرة أسرع بدون إيجاد بدائل، مهمة، سرعان ما سنصطدم بالحوافز السياسية التي تحول دون تطوير بعض أكبر حقول النفط والغاز في العالم.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*