خواطر في شؤون الطاقة

خواطر في شؤون الطاقة
د. رمزي سلمان
الشرق القطرية 18\4\2007

مقدمة:
كانت ولا تزال وستبقى الطاقة ذات اهمية قصوى للحياة في جوانبها المختلفة. فكل الكائنات الحية بحاجة إلى مصادر للطاقة وتحصل عليها من مصادرها المنظورة كالشمس وهي اهم مصدر للطاقة وقد مكن الخالق سبحانه وتعالى النباتات من تخزين الطاقة في تركيبات غذائية ليوفر للحيوانات مصادر للطاقة التي تحتاجها لحياتها. وتجمع معظم النظريات ان النفط الخام والغاز الطبيعي والفحم الحجري هي ذات اصول نباتية وحيوانية من عصور مندثرة أي انها اساساً من الطاقة الشمسية وبوساطة النبات والحيوان.
واليوم الطاقة من مصادرها المختلفة هي اهم متطلبات ديمومة الحياة سواء للغذاء أو الصناعة والتنقل وغيرها مما نشاهده أو نراه في حياتنا اليومية.
ونظراً ما للطاقة من اهمية فغالباً ما يعامل كل ما يتعلق بها كامر استراتيجي وعليه فإن معظم الخطط المتعلقة بالطاقة تعتبر من اسرار الدول حتى في عصر ما يسمى بالعولمة وشفافية المعلومات.

خطط الغير
غالباً يكون ما يكشف أو يعلن عن شؤون الطاقة هو لغرض وهدف، واذكر على سبيل المثال ما روجته الدول الصناعية اواخر ستينيات القرن الماضي من توقع شحة في الامدادات النفطية إلى درجة انهم تنبأوا في حينه ان الاتحاد السوفييتي (وهو ذو احتياطيات نفطية وغازية هائلة) سيصبح مستورداً في تسعينيات القرن الماضي. كل ذلك كان بهدف الترويع ورفع الأسعار والتي كانت انذاك حوالي 1.5 دولار للبرميل إلى مستويات تجعل الاستثمار في تطوير احتياطيات في مناطق تحت سيطرتها خارج الاتحاد السوفييتي ودول منظمة الاوبك وبالذات منطقة الشرق الاوسط اقتصادياً.
ولولا الطفرات السعرية في سبعينيات القرن الماضي لما تم تطوير حقول بحر الشمال والاسكا وحتى استخراج النفط من حقول السجيل والرمال النفطية في كندا وهو مما ادى إلى انهيار أسعار النفط عالمياً، منتصف ثمانينيات القرن الماضي

الاحتياطي
وقد يكون من المفيد ان نذكر ان الاحتياطي النفطي العالمي المثبت والذي كان سنة 1916 حوالي 40 مليار برميل فقط وبالرغم من الانتاج العالمي المتزايد سنوياً لأكثر من تسعين سنة استمر بالزيادة سنة بعد أخرى ليسجل اليوم حوالي 1000 مليار برميل وذلك بفضل تطور التكنولوجيا سواء في مجال الاستكشاف لحقول جديدة أو الإنتاج من الحقول المنتجة وحتى تلك التي سبق وان تركت لعدم اقتصاديتها وتمت العودة اليها الآن بعد ارتفاع الأسعار مطلع القرن الحالي.
ان ما يسمى الاحتياطي النفطي المثبت لأي حقل نفطي هو ما يخمن امكانية انتاجه مما هو موجود في الحقل تحت الارض باستخدام التكنولوجيا المتوافرة في حينه وليس كل ما موجود تحت سطح الارض. في اواسط القرن الماضي غالباً ما كان يفترض هو انتاج حوالي 20-30% فقط من النفط الموجود في الحقل اما اليوم فقد يصل الرقم إلى 70% أو اكثر بفضل التكنولوجيا وكذلك الأسعار المرتفعة نسبياً والتي تساعد على استعمال تكنولوجيا اكثر كلفة.
اذن ليس هناك ما يدعو للتخوف والقلق بشأن الاحتياطيات الطاقوية الاكثر وجوداً كالنفط الخام والغاز الطبيعي والفحم الحجري ولكن موضوع الانحباس الحراري الذي قفز على الشاشة مهدداً بانقراض ثلث الاحياء والنباتات المعروفة وذوبان الثلوج القطبية وغيرها وارتفاع مستوى البحار غامراً مساحات شاسعة من المناطق الساحلية واختفاء العديد من الجزر بالاضافة إلى انتشار الامراض والاوئبة وشحة الغذاء هدد بكارثة بيئية شاملة دون ذكر ان تاريخ الكرة الارضية حافل بدورات حرارية وانجمادية عديدة.
في قفص الاتهام اليوم النفط الخام والغاز الطبيعي والفحم الحجري وكل ما ينتج غازات مسببة للاحتباس الحراري وعليه فالحلول المقترحة تتركز على زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة كالشمس والرياح والمياه والمفاعلات النووية وكذلك الوقود المستخرج من اصول نباتية كالكحول وغيره.

الأسعار
وهنا لابد ان نذكر ان خطة الطاقة للاتحاد الأوروبي مطلع العقد الحالي ركزت على البدائل نفسها ولكن بهدف تقليل الاعتماد على النفط بصورة عامة والخليجي منه بصورة خاصة ولتحقيق تلك الخطة لابد من السعر ألا يقل عن 35 يورو للبرميل وهو ما يعادل اليوم 45 ـ 50 دولارا للبرميل.
لهذا نقرأ ونسمع تصريحات لمسؤولين اوروبيين يؤكدون فيها ان سعر بحدود 50 دولارا للبرميل مقبول وسوف لا يكون له تأثير سلبي على الاقتصاد الأوروبي. وعليه فليس من المتوقع هبوط أسعار النفط في الامد المنظور دون هذه المستويات بسبب ضرورتها لدعم وتحقيق خطط الطاقة الغربية.

البدائل
دون الخوض في تفاصيل البدائل وكلفها أو مدى امكانية نجاحها في الحد من الاعتماد على النفط والغاز، لا سيما ان مشكلة توفير وقود وسائط النقل المختلفة ستبقى الاصعب حلاً وان المنتجات النفطية لوسائط النقل تمثل الجزء الاعظم مما ينتج من برميل النفط الخام نتيجة تكريره وان نمو الطلب عليها هو الاكبر بين المنتجات النفطية.
فلنتحول إلى آخر ما اخذ الصدارة في وسائل الاعلام العالمية وعلى الاخص عند زيارة الرئيس الأمريكي الاخيرة إلى البرازيل اكبر منتج للكحول الوقودي في العالم، نعم الكحول المنتج من تخمير المواد النباتية كوقود للسيارات دون ترنحها.

الكحول واقتصادياته
عندما ارتفعت أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي لجأت البرازيل والتي كانت تستورد حوالي مليون برميل يومياً من النفط الخام إلى انتاج الكحول من تخمير قصب السكر في وقت كانت اسواق السكر تعاني من الفائض وانخفاض الأسعار وفي الوقت ذاته قامت بتصنيع سيارات تستخدم الكحول كوقود بدلاً من أو ممزوجاً مع البنزين البترولي.
كانت تجربة البرازيل ناجحة واقتصادية واستمرت كذلك لحين انهيار أسعار النفط اواسط الثمانينيات وفي الوقت ذاته ظهور مشاكل بيئية كبيرة لصعوبة التخلص من فضلات تخمير قصب السكر واتلافها للاراضي التي دفنت فيها عندئذ انكمش انتاج الكحول والاعتماد عليه كوقود بديل للسيارات.
بعد زيادة أسعار النفط مطلع القرن الحالي عادت البرازيل لتصبح اكبر منتج ومستغل للكحول في وسائط النقل، وكما اسلفنا فالمخطط له هو تعاون البرازيل والولايات المتحدة في مجال الكحول النباتي وتشجيع دول أخرى بنفس الاتجاه لزيادة انتاج الكحول ليحل محل البنزين البترولي مدعين ان ذلك يخدم حماية البيئة ويقلل من التلوث.
من المعروف ان لكل عملية مهما كانت طبيعتها موازنة بين الكلفة والمردود، وتشير معظم الدراسات الواقعية بان انتاج الكحول من المصادر النباتية في بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية عملية غير مجدية اقتصادياً وعليه فان هدفها استراتيجي بالدرجة الاولى.
تعتمد صناعة الكحول المخططة للولايات المتحددة الأمريكية على الذرة كمادة أولية ويأتي معظم الاسناد لها من مزارعي الذرة بالدرجة الاولى والذين سيتوجهون إلى زراعة الذرة بدل القمح ومن مروجي فكرة الاكتفاء الذاتي الطاقوي بالدرجة الثانية وهم يستهدفون احلال الكحول كوقود بديل للبنزين البترولي وهو المنتج الاكثر مسؤولية عن زيادة استيراد النفط الخام للولايات المتحدة اكبر مستهلك للبنزين في العالم.
اذا ما اخذنا كمية الطاقة والمواد البترولية المطلوبة لإنتاج الاسمدة وتهيئة البذور وزراعتها وخزنها ونقلها وتخميرها والتقطير وخزن ونقل الكحول واستصلاح الارضي وغيرها من العمليات المطلوبة نجد ان الطاقة المصروفة قد تفوق الطاقة التي يوفرها الكحول المنتج. ولما كانت الطاقة في لتر من الكحول هي 80% مما في لتر من البنزين البترولي فعليه لابد من انتاج كحول بحجم مرة وربع حجم البنزين المراد تعويضه.
من الاحصائيات الرسمية المتوافرة ان 80% من مجمل مصاريف مزارعي الذرة في ولاية ايوا الأمريكية هي الكلف المباشرة وغير مباشرة للوقود دون تحديد كلف اعادة تأهيل الطبقات السطحية من التربة وكميات الاسمدة المطلوبة وتأثيراتها على المياه الجوفية والحياة السمكية في الانهار والخلجان القريبة من المزارع المستخدمة.

نفط السجيل
نفس الاعتبارات تنطبق على عملية استخراج النفط من السجيل والرمال النفطية في كندا وهي عمليات تستهلك كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والمياه والوقود لمعدات النقل العملاقة المستخدمة وتنتج نفطاً ثقيلاً يسبب تلوثاً يفوق بـ25% ما يسببه أي نفط خليجي ولتاريخه لم تنشر أي موازنة بين الطاقة المستهلكة في العمليات والطاقة التي يوفرها النفط المنتج، علماً ان الاستفادة من الميزات الضريبية وأسعار النفط العالمية المرتفعة قد يكون المبرر الوحيد لا ستمرار العمليات.

خاتمة
كل ما نريد ان نعرفه هو: ماذا يريدون؟
فمن جهة يطالبون الدول المنتجة للنفط والغاز الطبيعي زيادة استثماراتها لتوفير المزيد من الامدادات النفطية والغازية حتى وان كان ذلك على حساب خططنا التنموية في مجالات أخرى والاستنزاف المعجل لثروات ناضبة لاجيالنا القادمة حصة فيها.
ومن الجهة الثانية نراهم يخططون ويستثمرون مبالغ هائلة في تطوير بدائل تحد من احتياجاتهم المستقبلية لنفطنا وغازنا حتى وان كان ذلك على حساب توافر الغذاء واتلاف مساحات شاسعة من الاراضي والغابات والعديد من الامور الاخرى التي لا نعرفها اليوم.
وعليه لابد لنا من المتابعة المستمرة وحتى محاولة قراءة الممحي وعدم نسيان المقولة “في العجلة الندامة وفي التأني السلامة” ودون ان يفوتنا قطار التقدم، والله سبحانه وتعالى وحده يعلم مافي القلوب.

** الكاتب عمل رئيساً لمؤسسة النفط العراقية (سومو) 1972-1991، وأمين عام مساعد لمنظمة الاوبك في فينا 1991-1997، ومنذ 1997 مستشاراً لمعالي وزير الطاقة والصناعة ـ دولة قطر، وما جاء في اعلاه يعبر عن اراء شخصية للكاتب.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*