العبور الآمن إلى ما بعد النفط

العبور الآمن إلى ما بعد النفط
محمد محمود عثمان (2007)

الدول النفطية الناجحة هي التي تستخدم ثرواتها وفوائدها كجسر آمن تنتقل من خلاله إلى مرحلة ما بعد النفط وهي آمنة مطمئنة على يومها أو غدها ومستقبل أجيالها حتى لا يتأثرون من الصدمة النفطية.
(وجعلنا من الماء كل شيء حي) هذه حقيقة الخلق والحياة كما أقرها القرآن الكريم في محكم آياته.. فكانت المياه مصدراً للحضارات القديمة التي نشأت وترعرعت على ضفاف الأنهار.. حيث تم اكتشاف النفط فكان مصدر الاستمرار وتطور هذه الحياة.. وتقدم الإنسانية جميعا.
والآن هل لنا أن نتصور الحياة بدون الماء أو النفط؟ فكلاهما مصدر للتقدم والنماء وارتبطت صراعات البشر في الماضي والحاضر والمستقبل بمنابع المياه وموارد النفط.. وكانت وستكون حروبهم في عصر النفط وما بعده. وإذا كان الخالق العظيم قد يسّر للخلق الحصول على المياه بدون عناء شديد فإن الأمر مختلف بالنسبة إلى الذهب الأسود الذي حوّل الدنيا إلى ضياء ونور وتقدم بعد أن تشعبت في العصر الحاضر استخدامات النفط باعتباره عصب الحياة ومحركها، لذلك تتسابق دول العالم شرقه وغربه على مصادر هذه الطاقة الناضبة وغير القابلة للتعويض لأنه بقدر زيادة الاستخدام يزداد أيضاً النقص من المخزون العالمي.. ومن ثم تسيطر على العالم وخاصة المتقدم هواجس نضوب النفط وكيف يكون المستقبل في حقبة ما بعد النفط؟
فالبعض يستعد منذ زمن بعيد لهذا اليوم، ومن ثم يقوم بتخزين كميات ضخمة من النفط وضخه في باطن الأرض، وهناك دول تعتمد اقتصادياتها اعتماداً كلياً على النفط، تتأثر قطاعاتها الإنتاجية مع هبوط الإنتاج العالمي ولا سيما التي أصبح اقتصادها تابعاً كلياً للإنتاج النفطي وتخشى على بنيتها الاجتماعية من الانهيار بعد أن أحدثت الثروة النفطية تغييرات جذرية في هياكلها الاقتصادية وبنيتها الاجتماعية ونمط حياتها ومعيشتها في ظل الزيادة المطردة في عدد السكان وتنوع أساليب الاستهلاك والترفيه الذي يصاحبه تراجع في إنتاج النفط ومخزونه حيث تقول الدراسات العلمية الحديثة إن العالم يستخدم نحو 27 مليار برميل من النفط سنوياً وان الاكتشافات النفطية الجديدة لا تتعدى 6 مليارات برميل سنوياً، وهذا يعني أن أكثر من 20 مليار برميل من النفط تستهلك سنوياً من المخزون العالمي المتراكم مما يترك آثاراً سلبية على صناعة النفط عالمياً ويولد أزمات شديدة خاصة إذا كان المخزون النفطي غير قابل للتعويض في مقابل الاستهلاك المتزايد منذ القرن الماضي للنفط الذي أصبح جزءاً أساسياً في الصناعة والزراعة وهندسة الحياة الإنسانية بشكل واسع وأصبح من الصعب بل ومن المستحيل الاستغناء عنه قبل التوصل إلى بدائل أخرى من الطاقة حتى يمكن للدول التي تعتمد على النفط كمصدر وحيد للدخل أن تستكمل برامجها في تطوير المجتمع والتي تضمن استمرار الحياة الكريمة لشعوبها.
ولذلك لا بد من التفكير العلمي والعملي لمواجهة حقبة ما بعد النفط التي تتوقعها وكالة الطاقة العالمية بعد أن يبلغ الإنتاج النفطي العالمي ذروته ما بين أعوام 2010 و2020 والتي يبدأ بعدها العد التنازلي والهبوط غير القابل للتراجع أو التعديل والذي سوف يصاحبه تقلص واختصار أو توقف لكل البرامج والمشروعات الصناعية والاقتصادية والخدمات الاجتماعية، الأمر الذي يؤثر على مستوى الحياة وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه المسؤولين عن الشعوب في المحافظة على الثروات وتوظيفها في اصلاح وتحديث مجتمعاتهم من خلال تنويع مصادر الدخل القومي وتوفير فرص العمل الحقيقية في القطاعات الإنتاجية التي تمثل قيمة مضافة للدخل وللإنتاج، لأن ذلك يمهد الشعوب للاستعداد للتعامل مع مرحلة ما بعد النفط باستخدام عوائده والفوائض المتراكمة نتيجة ارتفاع الأسعار في أسواق النفط.
حيث ان المأزق الخطير الذي يواجه دول العالم انها أمام نزعات متعارضة مثل الزيادة المطردة في عدد السكان الذي يتزايد بمعدل ربع مليون نسمة يومياً وهي تعتمد أساساً على النفط والغاز الطبيعي من أجل إنتاج المواد الاستهلاكية والغذائية والاحتياجات اليومية والذي يقابله شح في الإمدادات من الطاقة وهذه معادلة صعبة لأن مكامن النفط والغاز التي تشكلت وتكونت خلال أكثر من 500 مليون عام داخل الأرض يستهلكها العالم بسرعة فائقة في أقل من 200 عام ودون أن يجد البدائل المناسبة مثل الطاقة النووية والهيدروليكية والطاقة الشمسية والكهربائية وطاقة الرياح على الرغم من أنها لا تمثل بديلاً كاملاً للنفط واستخداماته المتنوعة على الأقل في المستقبل المنظور لأن العالم يتقدم ويضيف يومياً مئات المعارف والاختراعات ولذلك فإننا لا يمكن أن نتصور بسهولة مستقبل ما بعد النفط والغاز الطبيعي بدقة لأن مخترعات العصر الحديث قد تكون أفضل مما نتوقع أو مما نتخوف.
وقد كان اكتشاف الذهب الأسود نقطة تحول في الحضارة البشرية بعد عصر البخار، وليس من المستبعد أن تكون هناك اكتشافات حديثة تمثل نقطة حضارية أخرى أكثر تطوراً لما نحن فيه الآن خاصة أن هناك وقتاً كافياً للبحث والدراسة إذا رفضنا التسليم بقدر نضوب الطاقة النفطية ان آجلاً أم عاجلاً والا نترك أنفسنا والأجيال اللاحقة فريسة لليأس والاحباط، خاصة إذا كانت الاحتياطيات النفطية العالمية كافية لمدة قد تصل إلى أربعين عاماً وقد عبرت خلال هذه الفترة تحولات غير متوقعة في استخدامات النفط أو الاستغناء عنه إذ أن التخوف من نضوب النفط لا يجب أن يكون هو التخوف الوحيد الذي يقلق العالم خاصة في الدول المنتجة لأنه مع كل أزمة سياسية عالمية أو في ظل التوترات الإقليمية نجد هناك تهديدات أو تلميحات بإمكانية الاستغناء عن النفط العربي ويجب ألا نغفل ذلك لأن دول الغرب تسعى إلى ذلك وقد قال د. هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في احد كتبه أو مقالاته: إن الدول العربية المنتجة للنفط سوف تعود إلى عصر البداوة واستخدام الجمال كما كانت قبل اكتشاف النفط وعلينا أن نفكر فيما يقوله هذا المنظر الأمريكي الداهية الذي يقول إن العالم لا يجب أن يخضع لتحكم الدول العربية في إمدادات النفط مرة أخرى كما حدث أثناء حرب اكتوبر 1973 بما يهدد الحضارة الغربية ويؤثر على رفاهية شعوبها ولا بد من ابطال قوة هذا السلاح أو سحبه من أيديهم، والغرب جاد فيما يقول فقد حذر أحد الكتاب البريطانيين وهو «باتريك سيل» الدول العربية المنتجة للنفط بأن هناك جهوداً في أمريكا واليابان والصين والاتحاد الأوروبي لإنتاج طاقة بديلة باستخدام تقنيات وقود خلايا الهيدروجين وذلك في مقال بعنوان «الهيدروجين يتحدى النفط العربي» محذراً من أن منجم الذهب الأسود لن يدوم طويلاً وعلى عرب النفط أن يستعدوا لذلك وألا يبددوا ثرواتهم على المظاهر والبذخ وفي شراء العقارات الفخمة أو توظيف أموالهم في استثمارات خارجية غير مضمونة، وأن يخصصوا كل دولار إضافي لإعداد مجتمعاتهم لعصر ما بعد النفط، لأن أكثرية سكان العالم العربي اليوم دون الثلاثين من العمر وقد يطرأ تغيير جذري على حياتهم ويترك أثراً أليماً ومن ثم لا بد من اتخاذ تدابير عاجلة لمواجهة هذا اليوم.. لأن الاستثمار في العقارات والأسهم قد لا يعد استثماراً تنموياً في بعض الأحيان وان كان يساعد في عمليات التنمية.
لأن القرار السديد هو الاستثمار في العائدات النفطية في مشروعات تنموية مستدامة غير مرتبطة بوجود النفط. وقد كان العراق من أول الدول العربية التي اهتم بذلك خلال العهد الملكي وأسس مجلس الإعمار وسن قانوناً وتخصيص 70٪ من العائدات النفطية للتنمية، وكذلك ليبيا في الستينات بالإضافة إلى عدد من الدول العربية الأخرى ولكن وجود التقلبات السياسية والانقلابات والخلافات العربية – العربية والحرب العراقية – الإيرانية التي التهمت اليابس قبل الأخضر وحولت العراق ودول النفط في الخليج من دول الفائض النفطي إلى دول العجز والميديونية وكذلك انهيار أسعار النفط، ثم غزو العراق للكويت مما أضعف قدرة العرب إقليمياً ودولياً وقومياً على الاستفادة من ثرواتهم النفطية بالقدر المطلوب.. نظراً لانعدام السياسة التنموية السليمة والاهتمام بشراء وتكديس الأسلحة التقليدية التي لا تؤثر في ميزان القوى الإقليمي وتستنزف الكثير من الميزانيات العربية وتدعم ميزانيات واقتصاديات الدول المصدرة للسلاح وقد يكون ذلك واحد من السياسات الغربية الأمريكية التي تخدم المشروع الصهيوني لحرمان دول المنطقة من عوائد النفط وتفريغ اقتصادها من عناصر القوة التي يمكن أن تعوض أو تخفف من الصعوبات المحتملة في مرحلة ما بعد النفط حتى تظل إسرائيل هي القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر في المنطقة.
وربما ان ما يحدث من تدمير في العراق هو المشهد الأول من سلسلة مشاهد معدة سلفاً حيث كان النفط هو المحور الرئيسي وراء الحرب عليها لتحقيق السيطرة العالمية من خلال الهيمنة على أهم مصادر احتياطيات الطاقة في العالم وحمايتها حتى من أصحابها كما فعلت أمريكا التي وضعت حراسات مشددة على وزارة النفط العراقية في أول يوم من احتلالها واستولت على الخرائط والوثائق ومستندات الاتفاقيات الخاصة بالتنقيب والاكتشافات والصادرات ثم تركت كل شيء مستباحاً في العراق حتى وقتنا هذا وإلى أجل غير معلوم وهي بذلك تتحسب إلى فترة ما بعد النفط في معظم مناطق الإنتاج في العالم حتى تنفرد بهذا الاحتياطي لدفع واستمرار عجلة التنمية المستدامة لديها.
وهذا ما يجب أن نفطن له ونحن نملك تلك الثروة الناضبة قبل أن تتحول من نعمة إلى نقمة ونسرع إلى تنمية المهارات البشرية التي لا تنضب مع الزمن بل تزداد صقلاً ونضجاً وكذلك الاتجاه نحو الأبحاث العلمية وتطوير التقنية والإدارة العلمية الرشيدة التي تساعد على الإبداع والابتكار للاستفادة المثلى من كافة الموارد البشرية والطبيعية لتعويض النفط عندما نفتقده وتظل مشروعاتنا التنموية مستمرة ومتواصلة، لأن الدول النفطية الناجحة هي التي تستخدم ثرواتها وفوائدها كجسر آمن تنتقل من خلاله إلى مرحلة ما بعد النفط وهي آمنة مطمئنة على يومها أو غدها ومستقبل أجيالها حتى لا يتأثرون من الصدمة النفطية.

1 Comment

  1. بيوار مراد حسن

    اذا خلصت النفط انتهت الحياة يعني لا حياة بعد النفط

    Reply

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*