تقديرات احتياطيات دول أوبك.. مبالغ فيها

تقديرات احتياطيات دول أوبك.. مبالغ فيها
جريدة القبس الكويتية 26 ديسمبر 2006

تساءلت صحيفة صنداي تايمز في تقرير نفطي متخصص عن الحجم الحقيقي للاحتياطيات النفطية القائمة في ضوء الجدل الواسع الذي يدور حول هذا الموضوع الدقيق وتضارب الارقام في هذا الشأن.
وقالت الصحيفة ان الارقام الرسمية التي تعلنها دول اوبك ليست حقيقية ولا يعلم احد مدى دقتها، حيث تعتبرها الكثير من الدول المنتجة من اسرار الدولة، مشيرة في هذا الصدد الى ان دول اوبك تضخم في تقديرات احتياطياتها ليسمح لها بإنتاج المزيد من النفط.
كما تساءلت الصحيفة في الوقت ذاته عن كميات النفط القابلة للاستخراج من بين تقديرات الاحتياطيات القائمة، مشيرة في هذا الصدد الى ان انتاج البلدان خارج منظمة الاوبك على وشك الاقتراب من مرحلة الذروة، متوقعة ان يزداد الضغط على ‘اوبك’ لترفع الانتاج بأكثر من مليون برميل يوميا بعد 2010.
واشار التقرير الى ان انتاج النفط لن يحافظ على مستويات الانتاج الحالية الى اكثر من 17 عاما، وانه بحلول عام 2040 ستنعدم الاكتشافات الجديدة تماما، وفيما يلي الحلقة الثانية والاخيرة من التقرير:
يتركز الجدال عن النفط الآن حول ثلاثة اسئلة رئيسية: ما حجم الاحتياطيات القائمة؟ ما مقدار ما نستطيع استخراجه من الاحتياطيات القائمة؟ وما حجم الاحتياطي الذي نستطيع ان نجده مستقبلا؟ ان الجدل عنيف وليس احادي الجانب، كما تجعلك التغطية الحالية لوسائل الاعلام ان تعتقد. ان هؤلاء الذين يعتقدون ان الطلب ينبغي ان يتجاوز العرض عند الدرجة التي يوشك الاخير ان يبلغها، ليسوا مقيدين الى حد بعيد بالحواشي البيئية والجيولوجية.
ببساطة.. لا احد يدري! وفي افتتاحية العام الحالي اقر بيتر دايفز رئيس تحرير مجلة بريتش بتروليوم الاحصائية السنوية حول الطاقة في العالم، بأن ‘بريتش بتروليوم’ لم تحاول مراجعة البيانات المنشورة على المستوى الوطني، ولا اخضعت ارقام الحكومة لفحص ثان.. ‘ولذا علي ان اقول ان الاحتياطيات الثابتة لا تنطبق بالضرورة مع المستويات النموذجية الموضوعة في تقارير الشركة’.
وكما اعترف دايفز، تعتمد ‘بريتش بتروليوم’ على ارقام الاحتياطي التي تنشرها الحكومات، ولم تحاول بشكل مستقل ان تؤكد صحتها، ولا حتى لتطمين نفسها، وتتضمن هذه الارقام تلك التي تعطيها ‘منظمة الدول المصدرة للبترول’ (اوبك)، الكارتيل الذي يتحكم بنحو 40% من انتاج النفط عالميا، وبينما تزعم بعض دول ‘اوبك’ ان احتياطياتها تواصل الارتفاع، أو انها تقدرها بحوالي 900 مليار برميل من النفط المستخرج. يعترف عدد من الدول الأخرى خارج ‘أوبك’ ان حقوله تتقلص بعد عقود من الإنتاج.
وبصرف النظر عن اهمية هذه الأرقام، لا يعلم احد مدى دقتها لأن بلدان الأوبك تعتبرها من أسرار الدولة، بل ثمة أسباب للاعتقاد في انها ليست حقيقية. ففي أواخر الثمانينات من القرن العشرين، سجلت بلدان الأوبك زيادة ضخمة في احتياطياتها من النفط، من دون ظهور اكتشافات مهمة حينها، وبين عشية وضحاها، ضاعفت الإمارات العربية المتحدة الاجمالي الرسمي لاحتياطياتها بمقدار ثلاثة أضعاف، فقفز من 32 مليار برميل الى 89 مليارا، وأعلنت أيضا كل من الكويت وإيران والعراق زيادات متشابهة.
ما حدث حينها لم يكن عملية اكتشاف آبار جديدة، بل ادخال نظام حصص انتاج جديد عام 1983 في دول الأوبك، ربط بين الكمية المسموح بانتاجها وحجم الاحتياطيات الرسمية، بعبارة أخرى، كلما رفعت الدول من تقديرات احتياطيها، سمح لها بإنتاج المزيد من النفط!
والمشكلة التي مازالت قائمة الى اليوم ان دول الأوبك ترفض اتاحة الفرصة لفحص مستقل لاحتياطياتها. ولذا، فمن المستحيل الجزم بصحة التقارير المتواصلة عن الهبوط في دول الأوبك، وبالنتيجة، فإن احدا لا يعلم فعليا كم يتبقى عالميا من النفط القابل للاستخراج، ولكن وفق ما نعلمه الآن من تاريخ حسابات صناعة النفط، فإنه لن يكون بالوفرة نفسها التي يتحدثون عنها.

النفط القابل للاستخراج
ليس المهم هو حجم احتياطيات النفط وحده، إذ لن يكون أي احتياطي من النفط مفيدا، الا اذا كان استخراجه سهلا وعمليا.
وفي يونيو الماضي، اجتمع أساطين الأعمال البريطانيين في نادي ‘تشاتهام هاوس’ في لندن لحضور الإعلان عن سيناريو توقعات شركة ‘شل’ حتى عام ،2025 وقدمت ‘شل’ تقريرا في أكثر من مائتي صفحة، ضمنته تحليلات لعمالقة النفط البريطاني عن الفرص المتوقعة، والمخاطر المحتملة أمام رجال الأعمال خلال العشرين سنة القادمة.
ويدعم هذا التوقع ما أعلنته شركة ‘اكسون موبيل’، أكبر منتج للنفط عالميا، في تقريرها عن آفاق الطاقة حتى عام ،2030 اذ تتوقع وصول انتاج البلدان خارج الأوبك إلى حده الأقصى خلال السنوات الخمس المقبلة.
ولذا، تضغط شركة ‘اكسون’، وكذلك حكومة الولايات المتحدة، على بلدان الأوبك لكي ترفع انتاجها، فتعوض هذا النقص. يقول تقرير إكسون: ‘بعد عام 2010 ، سيزداد الضغط على ‘اوبك’ لترفع الانتاج بأكثر من مليون برميل في اليوم’.

قدرات السعودية
وفي مايو، اعلن علي النعيمي، وزير النفط السعودي، ان المملكة قادرة وحدها ان تحقق هذا الهدف بسهولة. وكما يقول النعيمي، تستطيع بلاده زيادة انتاجها من مستواه الحالي (حوالي 10 ملايين برميل في اليوم) الى 12 مليون برميل، بل وحتى 15 مليون برميل في اليوم، وبالنظر الى الارقام عن الاحتياطيات المعروفة في السعودية، فقد يكون هذا التأكيد مجرد حديث اجوف. ويعتقد محللون آخرون بأن مجموع بلدان الاوبك يمكنها زيادة الانتاج بمقدار مليون برميل يوميا كحد اقصى. وستأتي معظم تلك الزيادة من الخام الثقيل الذي لا يرغب اغلب المشترين في قبوله، او لا يستطيعون تكريره، ومع ذلك، تعتبر المملكة السعودية البيانات الدقيقة عن انتاجها من اسرار الدولة.
والمعروف انه من الضروري اليوم، ضخ سبعة ملايين برميل من مياه البحر يوميا في ابار حقل ‘غوار’ الضخم، الذي ينتج حوالي 06% من النفط السعودي، للمحافظة على الضغط الذي يدفع النفط للخروج من آباره. وبالنسبة لخبراء النفط، يوحي هذا الامر بأن السعودية تبذل جهدا كبيرا لمجرد المحافظة على مستويات الانتاج الحالية، ناهيك عن القدرة على زيادة الانتاج عند الحاجة الى ذلك. وقد علق سداد الحسيني، الرئيس السابق لاقسام الاستكشاف السعودية، على مطالبة الاميركان لبلاده بزيادة انتاجها، بالقول: ‘ان تقديرات الحكومة الاميركية لمستقبل انتاج النفط، مبالغ فيها بشكل خطر’.
ويرى خبراء صناعة النفط، ان بعض الوسائل مثل اعادة ضغط الماء في الآبار، تستطيع ان تؤخر الوصول الى مرحلة ‘هضبة الانتاج’. وتسود بين هؤلاء نظرية تقول انه مع ارتفاع سعر النفط، يصير من المجدي اقتصاديا للشركات ان تعود الى الاحتياطيات التي سبق ان اهملتها عندما صارت تكاليف استخراجها غير مجدية اقتصاديا. وكما اوضح لي البرت بريساند نائب رئيس شركة ‘شل’، وواضع تقرير السيناريوهات المشار اليه اعلاه: ‘ان توفر الطاقة لا يرتبط بوجود كميات بعينها من النفط تحت الارض، خصوصا اننا لا نستطيع في العادة، اكثر من 30% من النفط في اي حقل بعينه، رغم التقدم الهائل في التقنيات المستخدمة، ويمكن القول، انه من المستطاع المحافظة على المستويات الحالية للاستهلاك لمدة 17 عاما اخرى، اذا امكن رفع نسبة مايستخرج بمقدار 10 او 15 في المائة’.

مأخذان واضحان
ولكن هناك مأخذين واضحين على هذه المقولة. ففي مأخذ اول، تعتمد تلك المقولة على الثقة بان تكنولوجيا الغد ستكون قادرة على حل مشاكل اليوم، وهو امر لا تؤكده الشواهد. وكما يعترف بريساند، فبعد عقود من الخبرة، لا تستطيع اقوى الشركات العالمية ان تتجاوز نسبة 30% لمعدل الاستخراج، فمن اين اذن، ستأتي نسبة ال 10 او 15% اضافية؟
ويظهر المأخذ الثاني، عند ملاحظة انه، وحتى اذا اكتشفت ‘شل’ هذه التكنولوجيا الجديدة، فان تقديرات بريساند الاكثر تفاؤلا، تفيد أنها ستحافظ على مستويات الانتاج الحالي لمدة سبعة عشر عاما. وفي المقابل، فان ما يحدث في الصين وغيرها من مناطق العالم، يشير الى ان مستويات الاستهلاك عالميا لن تتوقف عند مستواها الحالي لمدة 17 عاما. فحتى ‘وكالة الطاقة العالمية’ تتوقع ان يزيد الاستهلاك بمقدار الربع خلال تلك المدة، لذا فلن تكفي الزيادة التي يتوقعها بريساند لتغطية الزيادة المتوقعة في الاستهلاك.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*