انتهت مرحلة النفط الرخيص.. وانتظروا الأصعب

انتهت مرحلة النفط الرخيص.. وانتظروا الأصعب
جريدة القبس الكويتية 25 ديسمبر 2006

أكد تقرير اعدته صحيفة صنداي تايمز ان مرحلة النفط الرخيص السهل الاستخراج قد ولت الى غير رجعة.. ومن الثابت ان العثور عليه واستخراجه وانتاجه بات اشد صعوبة.
واوضح التقرير الذي حرره مراسل الصحيفة دان بوكس، وتنشره ‘القبس’ بترتيب مع مجلة ‘بدائل’ الفصلية التي تعنى بشؤون العولمة والبيئة وترأس تحريرها الدكتورة ليلى غانم، ان اكثر التقارير تفاؤلا تفيد بأن النفط لن يحافظ على مستويات الانتاج الحالية لأكثر من سبعة عشر عاما، مما يلقى الضوء على سبب اساسي في الصراع المحموم على منطقة الشرق الأوسط.
وارجع التقرير تزايد الطلب بشكل كبير على النفط خلال السنوات الأخيرة الى زيادة استهلاك الصين والتي يستخدم اقتصادها في المتوسط نحو 1.5 برميل من النفط لكل 1000 دولار من الناتج الاقتصادي بما يعادل ضعف المعدل العالمي.
وشكك التقرير في الارقام التي تعلنها غالبية دول أوبك حول حجم احتياطياتها من النفط ويعتبرها غير حقيقية في ظل تضاؤل الاكتشافات الجديدة، مشيرة الى ان هذه الدول ‘ترفع تقديرات احتياطياتها ليسمح لها بانتاج المزيد من النفط’.
واشار التقرير الى تضارب الاراء والدراسات حول المرحلة التي سيصل عندها انتاج النفط الى الذروة، حيث قدرت بعض هذه الدراسات ان يصل انتاج النفط إلى ذروته خلال عام 2020 وبعضها توقعه في عام ،2037 بل ان البعض كان اكثر تشاؤما وتوقع الوصول إلى هذه المرحلة في 2008 .. وهنا تفاصيل التقرير:
في كل مرة يناقش فيها موضوع ندرة النفط، تعود الى الأذهان واقعة متصلة بشركة ‘ريجال بتروليوم’ حين اعلن رئيس مجلس ادارتها فرانك تيميز، المشهور بتبجحه وحبه للقمار، عثور شركته على النفط على شاطئ اليونان، قائلا: ‘هناك مليارات من البراميل، وكلها من النفط الخام، وكلها تحت الماء، ولكنها سهلة المنال’!
وسرعان ما تحدثت الصحف عن اسهل الاكتشافات الكبرى في تاريخ اوروبا، فصار يتميز حديث المدينة. وبعد الدعاية العامة حول الاكتشاف، اشترت مؤسات مالية كبيرة مثل ‘ميريل لينش و’كوميرزبانك’ اصولا في شركته، ما اطلق سعر السهم الى عنان السماء. وقبل الاعلان، قدرت قيمة اجمالي اسهم الشركة بنحو 355 مليون جنيه استرليني، وبعد ‘الاكتشاف’ النفطي، قفز المبلغ عينه الى 500 مليون جنيه استرليني.
ولم تدم الخديعة طويلا. وانفجرت الفقاعة. واضطرت ‘ريجال بتروليوم’ إلى توضيح ان ‘معدلات التدفق في حقل كاليراشي اليوناني، لم تصل بعد الى مستويات تجارية… ثمة احتياطي يقدر بمليارات البراميل من النفط، ولكن لا سبيل الى استخراجه من الارض في سرعة تكفي لتغطية كلفة تشغيل تلك البئر’. وتسببت الانباء في انهيار قيمة اسهم الشركة. وفقد تيميز وظيفته.
وفي كل الاحوال، فان ما ترتب على انهيار شركة ‘ريجال بتروليوم’ رفع النقاب عن قصة حقيقية في عالم البترول. صحيح انه يوجد نفط بعيد عن متناول الايدي، سواء في الاحتياطيات التي نعلم عنها، او المصادر التي لم نصل اليها بعد. لكن الحصول على الكثير منه ربما كان متعذرا.
ويعزز ذلك حقيقة ان حقبة النفط الرخيص، التي دامت قرنا من الزمان، تشارف على نهايتها، وربما انتهت معها كل مقومات انماط حياتنا، التي اتخذت من سهولة الحصول على الطاقة كمسلمة بديهية.

ظمأ لا يرتوي للنفط
توضح ارقام ‘وكالة الطاقة الدولية’ International Energy Association ان العالم استهلك في العام 2004 قرابة 82.5 مليون برميل من النفط يوميا، ما يساوي 30 مليار برميل في العام. ويعتبر هذا الرقم مذهلا بالمعايير المطلقة. والاكثر اثارة للذهول انه مثل زيادة مقدارها 20 في المائة في استهلاك النفط، بالمقارنة مع معدل الاستهلاك قبل 10 سنوات!
واضطرت ‘وكالة الطاقة الدولية’، في الاشهر التي تلت الاعلان، ان ترفع توقعاتها حول نمو الطلب على النفط في العام ،2005 بمقدار اربعة اضعاف ما توقعته قبلا. وتعين عليها ايضا ان تعيد النظر في تنبؤها بأن الطلب العالمي سوف يزداد بنسبة 10 في المائة في العام 2010 وباتت تتوقع حدوث نصف هذه الزيادة في نهاية السنة الحالية.
من يقود هذا الطلب وما الذي يدفعه؟ لن نحتاج الى ان ننظر ابعد من الصين. فقد واصل الطلب العالمي على النفط نموه خلال 25 عاما، ولكن بمعدل ثابت تماما مقداره 1 في المائة سنويا. وخلال السنوات الخمس الماضية، بدأ كل ذلك في التغير خصوصا مع الفورة الاقتصادية في عدد من البلدان النامية. فلقد تضاعف طلب الصين على النفط، ما يجعلها اليوم ثاني اكبر مستهلك للنفط بعد الولايات المتحدة. وتتصف كبرى دول العالم في الكثافة السكانية بأنها ايضا اقل اكتفاء بالنسبة للطاقة، بالمقارنة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. يستخدم اقتصاد الصين في المتوسط 105 براميل من النفط لكل 1000 دولار من الناتج الاقتصادي، وهذا ضعف المعدل العالمي. وبدءا من العام ،2001 صار نصف الطلب الجديد عالميا على النفط، يأتي من الصين.
لقد غير التحاق الصين بالعولمة المعطيات في سوق النفط. ولإدراك الى اين تؤدي هذه الامور كلها، طار مجلس مديري الشركة البريطانية العملاقة بريتش بتروليوم بكامله لمقابلة رجال الصف الاول من السسياسيين في الصين. وقد اذهلهم ما تعرفوا عليه هناك، كما تركهم نهبا لقلق عمق. اذ بين الساسة الصينيون انهم يتوقعون هجرة 300 مليون مزارع صيني من الريف الى المدن، خلال السنوات القليلة المقبلة. ولذا وسوف تحتاج الصين الى عدد هائل من الطرق الجديدة والسكك الحديدية والمصانع والمنازل، وبالتالي للمزيد من النفط، وحاليا، يسود توقع بأن يتضاعف الاستهلاك الصيني من النفط مرة ثانية خلال الخمسة عشر عاما المقبلة. وقد ارتفع في العام الماضي بنسبة 17 في المائة!
ويعتقد بيتر دايفز، كبير الخبراء الاقتصاديين في ‘بريتش بترولويم’، ان تأثير الطلب الصيني على النفط سوف يطيح بإحدى القواعد المؤسسة للاقتصاد العالمي. ففي الماضي، وبصرف النظر عن صدمات النفط في سبعينات القرن العشرين، تماشى الطلب العالمي على البترول مع العرض، وظل سعره منخفضا. وفي المقابل في تلك الفترة عينها، عاشت نسبة ضخمة من سكان العالم حياة زراعية بسيطة اقل اعتمادا على استهلاك الوقود المستخرج من باطن الارض.

هل يمكننا الوفاء بهذا الطلب؟
ينظر الى حقل نفط كانتاريل في المياه الضحلة لخليج كامبيشي Campeghe Bay على انه درة تاج المكسيك في صناعة النفط. انه ثاني أكبر حقول النفط انتاجا، ويضخ حوالي 2.2 مليون برميل من النفط، اي ما يفوق حقول النفط في الكويت، بل اعلى منها مجتمعة. ولهذا السبب، اثارت المعلومات عن بداية خفض انتاج شركة النفط ‘بيتروليوس مكسيكانو’ (التابعة للدولة) لهذا العام، فزعا عميقا. فخفض الانتاج من حقل ما يتساوى تماما مع الانخفاض في الضغط الذي يخرج به البترول من باطن الارض، ما يوجب ضخ سوائل اخرى او غازات في البئر، للمحافظة على معدل خروج النفط من الارض، ويؤدي ذلك الى صعوبة في العمل، كما يزيد من كلفة استخراجه. ويصل الخفض في نهاية المشوار الى النقطة التي تقرر فيها شركة النفط الانصراف عن الحقل، على رغم الكمية الكبيرة من النفط المتبقية في البئر، لأن استخراجه يصبح باهظ الثمن.
وحقل ‘كانتاريل’ ليس فريدا في هذا الشأن. اذ تعاني دول كثيرة انخفاض مستوى انتاجها من النفط، ما يضيق من العرض العالمي ويساعد في دفع السعر لأعلى. وكانت المملكة المتحدة بين الدول التي تأثرت بهذا الامر، فلم تنتج إلا قرابة مليوني برميل نفط يوميا في العام الماضي، ما شكل انخفاضا تزيد نسبته على 10 في المائة بالمقارنة مع العام ،2003 كما انه يقل كثيرا عن الذروة التي بلغها في العام 1999 حين ضخ حوالي 3 ملايين برميل يوميا. ويمكن متابعة شواهد مماثلة في بلدان اخرى منتجة للنفط مثل الولايات المتحدة، وإندونيسيا والنرويج وفنزويلا وعمان وسوريا، التي دأب الانتاج فيها على الارتفاع عاما بعد عام حتى بلغ ذروة بدأ بعدها يهبط بنسبة ثابتة.

نظرة كئيبة
وأيدت شركة شيفرون هذه النظرة العامة الكئيبة في شهر يوليو الفائت. وهي ثاني اكبر شركة بترول في الولايات المتحدة، وتفرد لإعلاناتها صفحات مزدوجة في مجموعة من ابرز صحف العالم مثل فايننشال تايمز وإيكونومست. حيث أقرت ‘شيفرون’ في بيان وقعه ديف أورايلي رئيس مجلس ادارة الشركة بأن: ‘الطاقة ستصبح قضية مركزية تتحدد مواقف الدول بناء عليها’،… و’ان الثابت الوحيد بهذا الشأن هو ان زمن النفط السهل قد ولى… وان عددا من حقول النفط والغاز في العالم ينضب’… وان اكتشاف آبار جديدة يتم اساسا في اماكن يصعب الاستخراج فيها لاعتبارات طبيعية وتقنية واقتصادية وسياسية.
وفي ذلك صراحة لم يسبق لها مثيل. فغالبا ما ترد شركات البترول الكبرى على السؤال حول بلوغ النفط لذروته، بأن لديها النفط الكافي لملاقاة المستوى الحالي من الاستهلاك لمدة 40 سنة. وفي حوار جرى في العام الماضي، صرح محمد عبد الباقي، نائب رئيس الاستكشافات في شركة ‘ارامكو’ السعودية، بأن: ‘نحن لدينا وفرة من النفط الاول في العالم’ و’لدينا القدرة على اضافة كميات من النفط اكثر من اي جهة اخرى. ونستطيع ان نفعل ذلك بنجاح مطلق وبكلفة معقولة. وتوضح تقاريرمواقعنا اننا عملنا لمدة سبعين عاما، واننا سوف نواصل العمل لمدةسبعين عاما اخرى على الاقل’.

متى سيصل إنتاج النفط إلى الذروة؟
تختلف التقديرات عن الزمن الذي يصل فيه انتاج النفط الى ذروته. اذ لا تتوقع ‘إدارة المساحة الجيولوجية’ في الولايات المتحدة، حدوث ذلك قبل 30 عاما، فيما تتوقع ‘الهيئة الدولية للطاقة’ حدوثه بين عامي 2013 و2037 ويتوقع ‘معهد الطاقة’ في لندن حدوث الامر عينه في عام 2008!
ويرد في تقرير ل ‘وزارة الطاقة الأميركية’ عن الاثار العسكرية للاحتياطيات الاميركية من النفط: ‘ان الاختلاف بين الانتاج المتزايد والاكتشافات المتناقصة ليس لها الا نتيجة مفردة، وهي الوصول عمليا الى حد اقصى للعرض، والتوقف عن الوفاء بالطلب في المستقبل’.
ويضيف التقرير: ‘وهذا امر لا يمكن تجنبه اليوم، ويتوقع الكثير من الخبراء ان تأتي قمة الانتاج بين عامي 2003 و2020. والامر المهم، ان لا احد يتوقع تأخر ذلك عن عام ،2020 بما يعني توقع حدوث النقص العالمي بأسرع مما نتصور’.
ولعل أدق الدراسات التي جرت لحد اليوم، هي دراسة ‘معهد الطاقة’ في لندن، الذي يستند الى ارقام زيادة الانتاج من جميع المشروعات الجديدة حتى عام 2012، والانخفاض الطبيعي للانتاج من المصادر الحالية، والارتفاع المتوقع في الطلب العالمي على النفط.
ويقول كريس سكريبوفسكي الذي حرر التقرير: ‘في كل عام من الاعوام القليلة الماضية، وصل الانتاج في احد البلدان الى الحد الاقصى وبدأ في الهبوط. وصلت المكسيك راهنا الى هذا الحد، وربما الصين كذلك، اما الدانمرك فقد تعدت هذه النقطة بالتأكيد في هذا العام. واذا كانت السبعينات من القرن العشرين قد شهدت ازمتي النفط الاولى والثانية، فما نتحدث عنه اليوم هو الازمة الثالثة والنهائية. وعليه، يجب ان نشعر بالقلق. فالوقت قصير ، ونحن نرفض الاعتراف بوجود مشكلة. يتوقع التقرير ان يتجاوز الطلب العالمي على النفط، العرض في شتاء عام 2005.

الحل في زيادة عمق الآبار
مع انخفاض الاحتياطيات، ومع ازدياد صعوبة وكلفة حفر الآبار، تحاول شركات النفط ايهامنا بانها تخبئ ورقة رابحة جديدة، وهي الاحتياطيات ‘غير التقليدية’، وتجادل شركتا ‘اكسون’ و’شل’ النفطيتان بان هذه الاحتياطيات ‘غير التقليدية’ التي تمثلها الرمال النفطية، والطفلة النفطية، والاحتياطيات البحرية العميقة، ستوفر مصدرا ضخما جديدا للنفط في المستقبل القريب.
اما بريتش بتروليوم فترى انه من الاجدى زيادة عمق الابار، ولكن خبراء شركة اكسون، لا يتوقعون اي نتائج من الطفلة النفطية قبل عام 2030، كما لا يراهنون على استخراج اكثر من 4 ملايين برميل في اليوم من الرمال النفطية الكندية بحلول ذلك التاريخ، وهو مجرد جزء من الطلب العالمي الاجمالي. فما هو اذن، تفسير الاختلاف بين الاحتياطيات الضخمة والكمية الصغيرة المستخلصة منه؟
وفي يونيو الماضي، تحدث الدكتور ممدوح سلامة، مستشار البنك الدولي، في مؤتمر استضافته مدرسة كاس للأعمال Cass Business School في لندن، مؤكدا ان رمال القطران لن تحل محل النقص في النفط التقليدي المتوقع في المستقبل.
ويبقى اسلوب حفر الابار العميقة تحت الماء، اي في مناطق قد يصل عمق البحر فيها الى سبعة آلاف متر، ولكن حتى وقت قريب، كان انخفاض سعر النفط، يجعل من استخراجه من الاعماق الكبيرة تحت الماء، امرا غير مجد اقتصاديا، وتشير تقديرات ‘الوكالة الدولية للطاقة’ الى ان محاولة ملاقاة تزايد الطلب على النفط والغاز، تفرض على الشركات استثمار اكثر من 6 تريليونات دولار على الاستكشاف والانتاج، حتى عام 2030، ومن الممكن ان هذه الاحتياطيات غير التقليدية ستساعد على المحافظة على مستوى العرض المطلوب عالميا من النفط، ولكن الأمر المؤكد هو ان هذا النفط لن يكون رخيصا.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*