ما بعد البترول

ما بعد البترول
ابراهيم غرابية (2006)
مجلة العصر 7\5\2006

هل أصبحت حالة ما بعد البترول قريبة؟ وهل ثمة استعداد حقيقي لدى الدول والمجتمعات للتعامل مع هذه المرحلة؟ وهل تكون الحروب الأميركية في العالم والأزمات القائمة في الدول النفطية مثل نيجيريا وتشاد والسودان وأميركا اللاتينية وإندونيسيا(إقليم أتشيه) وأفريقيا والعراق والجزائر من قبل، لها علاقة بالمرحلة الحرجة التي تمر بها صناعة النفط وأسعاره؟ وهل ثمة خيارات عملية متاحة وبديلة للنفط؟
يناقش ريتشارد هايبرغ في كتابه “غروب الطاقة” هذه المسألة ويقدم صورة متشائمة ومخيفة، فقد عود الناس أنفسهم في البلدان الصناعية على مدى القرنين الماضيين على نظام يتوافر فيه المزيد من طاقة الوقود الأحفوري، وتزايد عدد سكان العالم بسرعة كبيرة لاستغلال هذا الرزق الذي أتاهم من حيث لم يحتسبوا، ووجدت الأمم الصناعية نفسها معتمدة على نظام اقتصادي مبني على افتراض أن النمو أمر طبيعي ولازم، وأنه يمكن أن يستمر إلى الأبد، ولكن هذا الافتراض يوشك أن يتهاوى الآن، فالدلائل تتراكم بسرعة على أن الوفرة النفطية قد انتهت.
فقد بلغ النفط في الولايات المتحدة أوجه عام 1970، وبدأت منذ ذلك التاريخ تستورد كميات متزايدة من النفط سنة بعد سنة، وبلغ اكتشاف النفط أوجه في العالم في حقبة الستينيات من القرن العشرين، وسيبدأ العالم ابتداء من العام 2010 تقريبا مواجهة حالة أن النفط المتبقي في جوف الأرض هو أقل جودة وأصعب استخراجا، وسيبدأ ضخ النفط بالتناقص، وسيبلغ الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي أوجه بحدود العام ، وأما الفحم فقد بدأ بالفعل يدخل في مرحلة التناقص وتراجع الجودة. وأما الطاقة المتجددة المستمدة من الرياح والشمس، فهي لا تشكل سوى جزء يسير لا يذكر من الطاقة التي يحصل العالم عليها.
وهناك مصادر أخرى كثيرة للطاقة، مثل الطاقة النووية والنفط الثقيل والرمال النفطية، ولكنها مكلفة استخراجا ومعالجة. وفي حالة التحول إلى مصادر بديلة للطاقة، فإن المجتمعات الصناعية بحاجة إلى إعادة صياغة وتصميم، وسيحتاج ذلك إلى استثمارات هائلة.
وفي مقالة له بعنوان “لنخطط الآن لعالم بلا نفط”، يقول وزير البيئة البريطاني الأسبق مايكل ميكر: “يواجه العالم خيارا صعبا، إذ لا يمكنه مواصلة السير على درب الاستهلاك المتصاعد للنفط الذي يسير عليه الآن، محاولا الاستيلاء على ما هو متاح من إمدادات نفطية متبقية، بالقوة العسكرية إن لزم الأمر دون تجنب الاستنزاف المضطرد للقوة العالمية على الإنتاج، أو أن يتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ومعايير أكثر صرامة فأكثر لكفاءة استغلال الطاقة، وخفض مضطرد لاستعمال النفط، وقد يشتمل المسار الأخير هذا على استثمار جديد ضخم في تكنولوجيات توليد نقل الطاقة”.
وفي كتابه “أزمة الطاقة الأخيرة” يقول اقتصادي النفط أندرو ماك كيلوب: “تخيل أننا صرنا في العام 2035، وذلك لنفهم على نحو أفضل المأزق الذي نحن فيه، ففي تلك السنة سيكون إنتاج النفط قد هبط بنسبة 75%، وسيكون إنتاج الغاز قد هبط بنسبة 60%، وتكون قد اختفت مقاطعات نفطية كبحر الشمال، ولم يبق منها أثر لمناطق إنتاج، وسيكون إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز قد انعدم عمليا، وسيكون سقف إنتاج البترول قد تدنى حتى في بلدان هي من كبار البلدان المنتجة للنفط كالعربية السعودية وروسيا.
ويبدو أنّ العالم متجه إلى خيارات تحول جذريا من نمط معيشته واستهلاكه على النحو الذي يقلل كثيرا وبنسبة عالية جدا من اعتماده على النفط، الذي قد يصل ثمن البرميل منه إلى مائتي دولار، وهو في ذلك يراجع كل الأنظمة الاقتصادية والتقنية بدءا بالصناعات والنقل والأجهزة المستخدمة والتدفئة والتغذية، وكما غيرت الآلة البخارية وجه الحضارة والحياة والمجتمعات، فإن العالم ربما يقدم على صياغة نفسه من جديد.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*