سراً وإلى الأبد بعض الدول العربية تبيع حقول الغاز حتى ينضب!!

سراً وإلى الأبد بعض الدول العربية تبيع حقول الغاز حتى ينضب!!
غسان عبد الهادي (2006)
الحوار المتمدن 6\5\2006

يعتبر بيع الغاز بعقود سرية وطويلة الامد من اخطر الكوارث التى يواجهها العالم العربي، ليس لان ذلك سيؤدى الى هدر الغاز ببيعه بارخص الاسعار ولحساب مصالح قصيرة الأجل، بل سيكون له اثر سلبى على اسعار النفط فى السوق الدولية أيضا. فعندما يبيع منتجو الغاز هذه السلعة الحيوية بأسعار رخيصة، فانهم يدمرون من الناحية العملية القيمة الاقتصادية للنفط.
والحقيقة، فان بيع الغاز بعقود سرية وطويلة الأجل سيقود الى بيعه بسعر رخيص جدا ويؤدى الى تخفيض الطلب عن النفط والاتجاه نحو الاعتماد على الغاز كونه مصدر رخيص للطاقة ومنافس للنفط، وبالتالي، طالما يقدم العرب الغاز بارخص الاسعار فلماذا يشترى العالم النفط العربى الذى بدأ بالارتفاع؟ أى ببساطة، ان بيع الغاز العربى بعقود سرية سينقلب حتى على اسعار النفط وستكون الكارثة مضاعفة ببيع النفط بأسعار ستعود لتكون رخيصة نتيجة هدر وبيع الغاز بأسعار أرخص منها!
كما ان اقدام الدول العربية على تقديم الغاز الى العالم الصناعى بعقود طويلة الاجل وباسعار منخفضة، سيخلق نوعا من تضارب المصالح الداخلى فى تلبية الطلب على مصادر الطاقة، اذ يوفر الغاز للعالم الصناعى شعورا بان الغاز سيكون متاحاً تحت الطلب وفق العقود الطويلة الاجل التى تنص على تأمين الغاز للدول الصناعية فى المستقبل، مما لا يبرر -نظريا على الأقل- تشكيل احتياطات للنفط لتأمين الطاقة، ولكن فى حين يحل الغاز كمصدر رئيسى للطاقة محل النفط، فان الاحتياطات النفطية ستلعب دورا فى توفير مادة حيوية -بيتروكيميائيات- لصناعات أخري، وذلك بينما سيكون النفط -فى حقوله الأصلية- قد اوشك فيه على النضوب. أى ان الاستقرار الذى ستؤمنه تلك العقود للعالم الصناعى سيحول دون ارتفاع اسعار النفط الى سعرها الحقيقى العادل، وسيجعل تخزينه فى الخارج أسهل، وبالتالى ستكون خسارة الغاز مضاعفة ببيعه بالرخيص واضاعة الفرصة لبيع النفط بسعر الحقيقي.
ان بيع الغاز العربى من خلال عقود طويلة الأجل التى قد تمتد حتى نهاية ونضوب الغاز ايضا يشكل خسارة متعمدة لهذا المورد من الاحتياطات، على نفس طريقة الخسارة التى تكبدها العالم العربى نتيجة بيع نفطه باسعار زهيدة.
لابد، إذن، من تفكير استراتيجى يتناسب مع اهمية الاحتياطات الاستراتيجية التى يملكها العالم العربي. فالاحتياطات من الغاز العربى لها اهمية مضاعفة تتمثل فى ان اغلب الدول العربية التى تملك الغاز الطبيعى لها مراتب متقدمة على المستوى العالم كاحتياطات، بينما مراتبها على مستوى الانتاج اقل تقدماً. بمعنى اخر، ان الدول التى تأتى فى مراتب متقدمة فى الانتاج ستستهلك غازها قريبا وسيصبح العالم العربى فى المرتبة الاولى بالانتاج وبالاحتياطات.
وبلغة الارقام، تحتل قطر الترتيب الثالث عالمياً فى الاحتياطات بعد روسيا وايران بينما تحتل المركز 22 فى الانتاج. وفى المستقبل القريب سينضب غاز الدول الاولى مثل روسيا وايران نظرا لتقدم هذه الدول على قطر فى الانتاج، بينما ستصبح قطر الاولى فى الانتاج والاحتياطي، فى وقت سيكون الغاز هو المصدر الاول للطاقة مع نضوب النفط.
وتسعى الدول العربية التى تحقق عائدات ضخمة من مبيعات النفط الى تطوير صادراتها من الغاز الطبيعى الذى يشكل مصدر ثروة فى وقت بلغ فيه الانتاج الذروة فى بعض بلدان العالم.
ويقول فرانسيس بيران مدير التحرير فى مجلة -النفط والغاز العربي- ان “الدول العربية تلاحظ ان الطلب على الغاز يشتد وان اسعاره لا تتوانى عن الارتفاع ايضا. لذا تبدى هذه الدول عزمها على استخدام الاحتياطى الضخم المتوافر لديها من اجل زيادة العائدات الناجمة عن مبيعات الغاز”.
وحتى الان كانت الدول العربية تعتبر الغاز اقل اهمية من النفط على الصعيد الاستراتيجى وما يزال استخدامه مقتصرا على الاستهلاك المنزلى وفى مشاريع الصناعة الوطنية -البتروكيميائيات والالمنيوم- فى حين يبقى النفط مخصصا بشكل شبه كلى للتصدير. الا ان المعطيات تغيرت. ففى حين سيبلغ الانتاج العالمى للنفط الذروة عام 2020، فقد بلغت عدة دول عربية قمة الانتاج وفقا لمدير المركز العربى للدراسات النفطية نقولا سركيس، وبالتالى اضاعوا ثروة النفط وهم فى طريقهم للاجهاز على ثروة الغاز.
فقد تحولت مصر واليمن وسلطنة عمان وابو ظبى فى الاونة الاخيرة الى جهات مصدرة للغاز الطبيعى المسال الذى يتم شحنه بواسطة السفن وليس عبر انابيب الغاز.
فى الوقت نفسه اعلنت مصر إنها تسعى إلى مضاعفة احتياطياتها من الغاز الطبيعى إلى ثلاثة أمثال المستويات الحالية، مما قد يمهد الطريق لزيادة صادرات الغاز الطبيعى المسال المتعثرة بسبب القيود الحالية على حقولها.
وذكر وكيل أول وزارة البترول المصرية شامل حمدى أن الخبراء يتوقعون أن بإمكان مصر إضافة نحو 120 تريليون قدم مكعبة من الغاز معظمها من مناطق المياه العميقة لتضاف إلى احتياطياتها المؤكدة البالغة 67 تريليون قدم مكعبة. ومن شأن ذلك أن يقفز بمصر لتقترب من الدول الست الأولى فى العالم من حيث احتياطيات الغاز.
وقد تحذو السعودية حذو هذه الدول فى تصدير الغاز اذا كانت الاكتشافات الجديدة التى تتولاها الشركات العالمية تضم كميات كافية.
وفى حين تتردد الدول العربية فى توقيع اتفاقيات حول مشاريع نفطية تتولاها شركات عالمية، الا انها ترحب بالاستثمارات الاجنية فى حقول الغاز.
وقال فرانسيس بيران ان قطر هى المستفيد الاول بحيث انها ستحتل المرتبة الاولى عالميا فى تصدير الغاز الطبيعى المسال. واضاف ان صادرات الدول العربية من الغاز ستتضاعف بحلول العام 2010 ليبلغ حجمها 220 مليار متر مكعب سنويا.
وتتوقع نيقولا بوتشيتينو من الوكالة الدولية للطاقة ان تتضاعف الصادرات العربية من النفط والغاز بين عامى 2004 و2030 لتصل قيمتها الى 635 مليار دولار على ان ترتفع حصة الغاز ثلاثة اضعاف.
ويثير تقييم الاحتياطى النفطى جدلا فى بعض الدول. ففى الكويت، تشير التقديرات الرسمية الى ان حجم الاحتياطى يبلغ 99 مليار برميل اى حوالى 10% من احتياطى العالم، لكنه فى الواقع اقل من ذلك.
وفى نفس الوقت، تستمر تبعية الولايات المتحدة واوروبا واحتياجها للغاز والنفط فى الارتفاع، حيث تعتمد اوروبا حاليا على الخارج بنسبة 40% ومن المتوقع ان تصل هذه النسبة الى 60% عام 2020، بحسب جان مارى دوجيه المدير العام المنتدب لشركة “غاز دو فرنس”.
وبالتالى ففى الفترة التى سيزداد اعتماد اوروبا واومريكا على غاز الخارج، لن تتمكن روسيا التى تضخ الغاز باعلى امكانياتها عن تلبية الطلب لان الانتاج الروسى للنفط سيكون فى طريقه نحو النضوب بينما الغاز العربى فى ذروته وسيكون المرشح الاول والاخير لتلبية هذه الاحتياجات. فاذا ادركت الدول العربية هذه الحقيقة ستتمهل فى توقيع اى عقود مستقبلية لانها ستملك وضع يمكنها من فرض شروط وطلب اسعار اعلى واكثر منطقية من الاسعار الهزيلة التى تعتمد فى الاتفاقات السرية الحالية.
ان المستقبل المشرق الذى بدا يرتسم للدول لمنتجة للغاز فى زمن الـ-لا نفط- سيتبخر قبل ان يحلموا به، نظرا لما فعلته ايديهم بتوقيع عقود مستقبلية تضمنت بيع هذه النعمة بأسعار رخيصة ولمدد ربما تغطى كامل فترة الانتاج، أى حتى نضوب الغاز!
اذا ادركت الدول المنتجة للغاز اهمية هذه الثروة لا يسعها بعد كل هذا الا ان تتعاون لتشكيل منظمة دولية على غرار منظمة الدول المصدرة للنفط -اوبك- ولكن على ان تكون منظمة فعالة. وتعمل الدول المصدرة للغاز من خلال هذه المنظمة على تشكيل سوق دولية مهمتها تحديد سعر عادل للغاز يتم اعتماده فى الاتفاقات والعقود لا كما يحدث اليوم فى اغلب العقود السرية العربية.
القضية ليست قضية سياسات دولة واحدة، بل هى قضية تؤثر على مجموع الدول المصدرة للغاز. فاذا وقعت دولة من الدول على اتفاق يضمن بيع الغاز بسعر رخيص سينعكس ذلك على اسعار السوق بشكل عام، وستكون الخسارة ليست لها وحدها بل ستعم الجميع، لذا لابد من التنسيق بين الدول المصدرة للغاز او على الاقل التنسيق عربياً اذ لم تتاح الفرصة على مستوى دولى من خلال تشكيل نادى عربى للدول المصدرة للغاز لتتناقش وتتباحث قضايا ضمان بيع هذه الثروة بسعر يستحق التضحية بهذه النعمة والعمل على توعية اصحاب القرار فى بيع الغاز والحيلولة دون التسرع بالتوقيع على العقود قبل ضمان سعر عادل ومتحرك يضاهى التزايد المنتظر فى قيمته.
ان ادراك الدول المنتجة الاهمية الاستراتيجية للغاز سيحثها فرض شروطها فى المفاوضات على العقود وعلى التسويق، حيث سيمكن لها ان تضع شروطا على الدول المستهلكة -الصناعية- تتمثل فى المساهمة فى دفع تكاليف مد هذه الانابيب وتكاليف البحث والتنقيب والاستخراج لا العكس كما يحدث الآن. حيث تدفع الدول المنتجة مبالغ هائلة للشركات الاجنبية القادمة من الدول الصناعية لتقوم بمهام تخدم مصالح بلادها، بالاضافة الى انها تجنى ارباحا تدفعها الدول المنتجة.
وهنا، تظهر اهمية تشكيل كارتل -نادي- عربى للدول المصدرة للغاز من خلال دوره فى التركيز على اهمية هذه الثروة ومواجهة ادعاءات الدول المستوردة للغاز التى تنكر اهمية الغاز وتؤكد انه مورد ثانوى ولا يمكن ان يحل محل النفط ولا داعى لاقامة سوق او أى منظمة دولية تعنى بشؤونه. كل هذا لحرف انظار العالم المنتج للغاز عن اهميته. والحال، فطالما ان الدول المستوردة تفكر كيف تحصل على الغاز باقل الاسعار، فان من حق الدول المصدرة ان تفكر كيف تبيع الغاز باعلى الاسعار. يجب ترك “قوانين السوق” تلعب لعبتها لتحقيق سعر عادل.
هذا الكلام قد لا يحلو للدول الصناعية التى ستدفع ثمن النفط والغاز اضعافاً مضاعفة مما تدفع اليوم، وستلقى باللوم على الدول المصدرة وستحملهم مسؤولية تهديد استقرار الاقتصاد العالمي، وكأن القضية تتطلب التضحية بموارد الدول المصدرة للغاز والنفط -التى هى غالبا من الدول الفقيرة- لجعل الدول الصناعية المستوردة -التى هى غالبا من الدول الغنية- تنعم برخاء استقرار الاقتصاد العالمي. أى اصبحت مسؤولية الحفاظ على الاقتصاد العالمى مسؤولية الدول الفقيرة واى خطر قد يهدد استقرار العالم لابد ان تضحى الدول الفقيرة من اجله.
لماذا يتناسى العالم الصناعى ان اغلب ايرادات النفط والغاز تعود لخزائنه ولشركاته التى تنقب وتستخرج وتسوق وتنقل هذه الموارد الهامة من العالم الفقير الى العالم الصناعى بالاضافة الى الضرائب التى تفرضها على موارد الطاقة مشتقات النفط والتى تحقق منها ايرادات تعادل اضعاف ما تحققه الدول المنتجة للغاز والنفط، بينما لا تفرض بعض الدول المنتجة للنفط والغاز ضرائب على ارباح الشركات الاجنبية المستخرجة للغاز والنفط والعاملة فى بلادها، وهو ما يعنى فى بعض الأحيان ان ارباح هذه الشركات تتجاوز ارباح الدول المصدرة ذاتها.
ولكن، كيف لا تسأل شعوب الدول المنتجة لهذه الموارد الاستراتيجية اصحاب القرار الاقتصادى الذين يهدرون ثروات البلاد السؤال الذى يلخص القضية: لماذا يربح الجميع من مواردنا بينما نلم الفتات فقط؟
ان ما يحدث الآن هو كارثة بجميع المقاييس.
ما يحدث هو هدر لثروة يمكنها ان تساهم فى بناء إقتصاد مستقبلى أفضل. ولكن تفرد اصحاب القرار الاقتصادى فى اغلب الدول العربية ببيع وعقد الاتفاقات والصفقات دون مراعاة لمصالح الوطن يعادل ارتكاب جريمة كبرى بحق الوطن ومستقبل أجياله.
أتراهم يفعلون ذلك لخدمة مصالحهم الفردية فى الحصول على عمولة او رشوة او اموال سرية تحول لحساباتهم فى الخارج؟
لقد هدرنا النفط، فهل نهدر الغاز أيضا؟ هل يكون الفتات أو “فتات الفتات” فقط هو نصيبنا منها فى آخر المطاف؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*