بددنا النفط…فهل سنحرق الغاز ايضاً؟

بددنا النفط…فهل سنحرق الغاز ايضاً؟
غسان عبد الهادي
الحوار المتمدن (2006)

ينعم العالم العربى بكثير من الثروات الطبيعية التى يتم هدرها بطرق متنوعة ودون وعى وادراك لاهميتها.
ويمتلك العالم العربى احتياطيا نفطيا مؤكدا بحدود 60% من الاحتياطى العالمى وينتج بحدود 30% من الانتاج العالمي، كما يمتلك احتياطياً من الغاز الطبيعى يقدر بأكثر من 50% من الاحتياطى العالمى وينتج بحدود 15% من الانتاج العالمي.
ويركز الباحثون على المخاطر التى تهدد هذه الثروة، بعد ان شارف الكثير من الدول النفطية على الانتهاء من تبذير جزء رئيسى من النفط، اما لتمويل حروب ومشاريع تسلح، او لتمويل “اقتصاد الفساد” الحكومى الذى سمح بتهريب مئات المليارات من الدولارات الى الخارج.
ويشير الباحثون الى الهدر وعدم الاكتراث للموارد الطبيعية التى تباع بثمن بخس او تستخدم دون عقلانية، كما يحصل مع النفط، وذلك بينما يجرى إعداد العدة لدخول الغاز الى حلبة الهدر فى الوقت الذى بدأ العالم يسعى الى احلاله محل النفط فى طريقه للبحث عن مصادر بديلة للنفط.
ويبدو ان هناك اهمالا متعمدا فى تناول الأهمية الاستراتيجية للغاز يُفسح المجال لاصحاب القرار الاقتصادى لهدر وسلب هذه الثروة بعقود سرية لا يتم الافصاح عن تفاصيلها ومدتها وأى وحدة قياس تم تبنيها فى صفقات البيع، -بالطن ام المتر المكعب او..- لاخفاء السعر المتفق عليه، وعلى اى اساس تم تسعيره، وكيف سيتم نقله ومن هى الشركات المستفيدة من استخراجه ونقله وما هو المردود المادى الذى سيعود للشركات الاجنبية والسماسرة واصحاب القرار وما هو المتبقى لخزينة الدولة؟…
فعلى سبيل المثال، يجدر التساؤل: ما هى بنود الاتفاق المصرى الامريكى الذى يقضى بتصدير الغاز المصرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد إسالته؟ وهل مدة الاتفاق ستطول حتى ينفد كل احتياطيات مصر من الغاز؟ وهل سيسمح الشعب المصرى بهدر احتياطاته من الغاز التى قفزت من نصف تريلون متر مكعب، إلى نحو يزيد عن 1.26 تريليون متر مكعب؟ ومن وضع بنود الاتفاق، ولخدمة من؟
ببساطة أكثر: من سيمكنه الاجابة عن هذه التساؤلات؟
الموضوع لا يقتصر على مصر، فهناك العديد من الدول العربية يطالها نفس الكلام، فقطر والإمارات العربية والسعودية والجزائر والعراق والكويت والبحرين هى أكبر الدول العربية امتلاكًا لاحتياطيات الغاز الطبيعى فى الوطن العربي، فكيف تتعامل بهذه النعمة الطبيعية؟
غالباً ما تلجأ اى دولة من الدول العربية المنتجة للغاز الى توقيع اتفاقات ثنائية بينها وبين الولايات المتحدة الامريكية او احدى الدول الاوروبية بشكل سرى او شبه سري، لا احد يعلم عنها شيئا. حتى الموازنات الحكومية لبعض الدول العربية لا تتضمن باباً او تصنيفاً يبين ايرادات هذه الاتفاقات.
المطلوب لحل هذه الازمة قبل ان نُضيّع هذه الثروة، كما جرى بالنفط، هو تبنى استراتيجية وطنية لكل دولة منتجة للغاز تتضمن مجموعة نقاط:
– اقامة مراكز ابحاث ودراسات مستقبلية للطاقة -بمختلف مصادرها- تقوم بوضع دراسات تتنبأ بكميات الطلب العالمى عليها والعرض والاحتياطات المتاحة وبالتالى اسعار الطاقة، وبالتالى تكون مصدر للمعلومات لاصحاب القرار الاقتصادى توضح لهم انسب الاسعار التى يجب ان تباع به مواردنا وما هى مدد المنطقية للاتفاقات بشكل يتناسب مع احتياجاتنا المستقبلية قبل اى شيء.
– تشكيل لجنة برلمانية مهمتها مراجعة مسودات اتفاقات تصدير الغاز قبل توقيعها لضمان مصلحة الوطن من هذه الاتفاقات لا مصلحة اصحاب القرار وحلفائهم فى الدول الغربية التى تسعى لاحكام السيطرة على موارد الغاز فى العالم لضمان مصادر الطاقة بعد نضوب النفط واستقرار اسعارها وذلك بالحصول عليها باتفاقات طويلة الامد تحول دون ارتفاع اسعارها فتكون مكاسب استراتيجية للدول المستوردة على حساب المصدرة نظراً لغياب البعد الاستراتيجى فى التفكير لدى اصحاب القرار الذين يسعون لملء الجيوب ولو على حساب الشعب وحساب الاجيال القادمة.
ان تشكيل مثل هذه اللجان يتطلب الاستعانة بخبراء واساتذة جامعات لمساعدتهم فى الاطلاع على تلك التفاصيل وليقوى مواقفهم فى الضغط على حكوماتهم بعدم توقيع اى اتفاق قبل ان تقره هذه اللجان ويصوت عليه فى البرلمان.
-توظيف بعض الايرادات المالية لتصدير الغاز فى الابحاث والتجارب لتطوير طاقات بديلة وتوظيفها فى الحياة اليومية، مثل الطاقة الشمسية التى تعتبر ذات اهمية بالنسبة للدول العربى ذات المناخ المشمس بالاضافة الى استخدام طاقة الريح وحركة التيارات المائية فى الخلجان والمحيطات وغيرها.
– السماح لاساتذة الجامعات وطلاب الدراسات العليا بالاطلاع على احصائيات واتفاقات تصدير الغاز وبرامج العمل المستقبلية للحكومة فى نطاق الطاقة ومصادرها. لتكون هذه الاحصائيات متاحة للباحثين على مختلف المستويات الذى غالباً ما تكون دراساتهم ومشاريع تخرجهم مصدراً علمياً وموضوعياً فى حل ازمات ومشاكل تواجهها حكوماتهم فى هذا المجال، كما هو الحال فى الدول المتقدمة التى تربط حكوماتها بمراكز الابحاث والجامعات وتستفيد مما يعده طلابها وباحثوها.
– اعطاء كامل الحرية لوسائل الاعلام المحلية والعربية فى الاطلاع على تلك الاتفاقات والبيانات والاحصاءات ليتم نشرها وتعميمها، لانه من حق كل مواطن عربى ان يعلم ما يملك وطنه من موارد طبيعية وكيف يتم استخدامها.
– العمل على استخدام وتوظيف الغاز فى الحياة الاقتصادية فى مختلف القطاعات واحلاله محل النفط نظراً لاثاره البيئية الاكثر سلامة على البيئة والانسان، لان الغاز يتخلص من شوائبه فلا يحتوى على السولفير -الكبريت- ولا ينجم عن حرقه ثانى اكسيد السولفير الضار جدا بالصحة وفى البيئة. وبالتالى قادر على ان يحل تدريجيا محل مشتقات النفط. ومن جهة ثانية، لابد من تبنى استراتيجة قومية لمجموع الدول العربية المنتجة للغاز، تراعى كيفية توافق مصالحها لتكون تكاملية لا تنافسية وتحول دون خلق نزاعات بينها وتعمل على خلق قوة تفاوضية فى السوق الدولية للطاقة. فالعالم العربى يمتلك حوالى 90 تريليون متر مكعب اى نصف احيتاطات العالم من الغاز، فدولة قطر تحتل المركز الثالث عالمياً والمركز الأول فى احتياطيات الغاز بين دول مجلس التعاون، حيث بلغ حجم هذه الاحتياطيات نحو 25.7 تريليون متر مكعب، أى ما يعادل 30 بالمئة من احتياطيات دول مجلس التعاون. بينما احتلت السعودية المركز الرابع عالمياً والمركز الثانى خليجياً بنحو 6.6 تريليون متر مكعب، أى ما يمثل 16.3 بالمئة من إجمالى الاحتياطيات الخليجية. واحتلت الامارات العربية المركز الخامس عالمياً والمركز الثالث خليجياً بنحو 5.1 تريليون متر مكعب، أى ما يمثل 11.4 بالمئة من إجمالى الاحتياطيات الخليجية.
بالرغم من اهمية العالم العربى على استقرار مصادر الغاز فى العالم، لا توجد استراتيجة عربية للاهتمام بهذه الموارد حتى ان آخر دراسة اعدتها منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول -أوابك- اكتفت بتقديم تقرير احصائى محض تناول الاحتياطيات المؤكدة من الغاز الطبيعى فى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التى بلغت احتياطاتها نحو 41 تريليون متر مكعب.
كما ان الدراسة لم تعرج بشكل مفصل على مشكلة اتفاقات الغاز التى ظهرت بين قطر والسعودية والكويت وكيف تمكنت ايران من اكتساح سوق الخليج والدخول اليه كدولة مصدرة للغاز. فقد استطاعت ايران ان توقع اتفاقاً مع الكويت بمبلغ سبع مليارات دولار لتصدر مليار قدم مكعب من الغاز ولفترة 25 سنة، كما كانت قد وقعت قبل ذلك اتفاقا، بما يوفر نحو 40 بالمئة من احتياجات الكويت. بينما لم توفق قطر فى توقيع مثل هذا الاتفاق مع اقرب جيرانها لان السعودية لم توافق بعد على مد خط الغاز القطرى إلى الكويت، الذى يمتد فى مياه الخليج بطول 590 كيلومترا عبر مياهها الإقليمية.
وفى هذا الاطار، يعتقد العديد من الخبراء انه من الطبيعى أن يتم تسويق الغاز فى الدول المستهلكة الأكثر قربا من الدول المنتجة، وهكذا نجد أن هناك تنافسا غير منظور، بين قطر وإيران على بعض الأسواق، خاصة الأسواق الآسيوية الضخمة، التى عادة ما تتجه إلى الشرق الأوسط لمواجهة الطلب المتزايد فيها على الطاقة والغاز. غير أن منافسة إيران لقطر، لم تقف عند حدود التصدير للدول الآسيوية، بل تعدتها إلى الدول الخليجية، ونجحت فى توقيع صفقات لتصدير الغاز إلى سلطنة عمان ايضاً لترفع قيمة اجمالى العقود مع دول الخليج الى ثمانية مليارات دولار.
فما هى نقاط الخلاف بين قطر والسعودية والكويت التى أسفرت عن فتح الابواب لايران فى الخليج؟
لقد فشلت مساعى الكويت الجارية منذ 2004 لإقناع السعودية بتسهيل تنفيذ مشروع أنبوب لتصدير الغاز القطرى إلى الكويت عبر المياه الإقليمية السعودية، ثم لجأت الدوحة لعرض بديل يقضى بنقل الغاز إلى الكويت عبر الناقلات، إلا أن الكويت رفضت هذا العرض بسبب الكلفة العالية التى سيتكلفها المشروع خصوصا عند مقارنته مع مشروع نقل الغاز عبر خطوط الأنابيب، مما بدد آخر الفرص أمام قطر لتأمين احتياجات الكويت من الغاز للمرحلة المقبلة، حيث أعلنت قطر رسميا وقف محادثاتها لإمداد الكويت بالغاز الطبيعي، مما يعنى عمليا نهاية لمشروع أنبوب الغاز القطري- الكويتي، الذى ظل الانتظار بشأنه أكثر من ثلاث سنوات، املا أن تتراجع الرياض عن موقفها. وفى ظل تصلب الموقف السعودى وارتفاع تكلفة البدائل، فتحت الكويت باب التفاوض مع الجانب الإيرانى لجلب الغاز من هناك، وكان ذلك ما تحقق. لقد فشلت قطر فى التغلغل الى سوق الهند وباكستان بينما نجحت ايران حيث ستبدأ بمد انبوب الغاز الايرانى الى الهند عبر باكستان فى عام 2007، بعد محادثات مفتوحة تناولت آلية الاسعار وبنود الاتفاق بما يخدم مصالح الجميع. بينما فشلت قطر حتى بالاتفاق مع اقرب جيرانها. ولكن الموضوع هو اكبر من مصالح دولة واحدة، فالعالم العربى يمكن ان يكون صاحب قرار على الساحة العالمية اذا ادرك اهمية موارده وعمل على الحفاظ عليها قومياً ووطنياً. المطلوب تفكير اكثر بعداً عن مصالح الدول بشكل فردى بل إقامة تكتلات لتحافظ على مكانتها ولتحتل مكانا مرموقا بين القوى الاقتصادية العالمية. اما على مستوى كل دولة بحد ذاتها، لابد من التفكير فى مصالح الاجيال القادمة، لا الجيل الحالى فحسب. فالاجيال القادمة لن تجد من هذه الموارد الطبيعية التى هدرناها وبعناها باقل الاسعار الا مخلفات وفضلات لا تصلح للاستخدام بل مجرد عبء بيئى من تلوث وامراض ناتجة عن سوء استخدام الطاقة. دعونا نعيد النظر فى آلية التفكير، فبدلاً من التفكير بالمكاسب الآنية، لابد ان ننظر الى المستقبل ومصالح الاجيال القادمة، ولنتعلم من الدول الغربية التى تفكر بمصالحها من خلال تلك العقود التى توقعها لتأمين مصادر استراتيجية للطاقة لاجيالها القادمة لا لصالح اشخاص او جيل على حساب آخر. ان تقصير وسائل الاعلام فى أداء دورها من ناحية، وتجاهل هذا الموضوع من مراكز البحث العلمية من ناحية ثانية، وخضوع الحكومات العربية لضغوط واعمال الابتزاز التى تمارسها الولايات المتحدة، فتح الباب على مصراعيه لاستباحة هذا المورد الذى بات اكثر اهمية واخطر من اى سلاح استراتيجى يمكن للدول العربية ان تتسلح به لتفرض احترام مصالحها فى الـ 100 عام المقبلة -على الاقل- ولاسيما مع قرب نفاذ نفطها.
ولعل الاسئلة الكثيرة التى طرحت حتى الآن، يمكن ان تتلخص فى سؤال رئيسى واحد: هل سنحرق الغاز.. ايضاً كما حرقنا النفط؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*