النفط .. نقمة في نعمة

النفط .. نقمة في نعمة
غسان عبد الهادي (2006)
الحوار المتمدن 29\4\2006

عزا التقرير الاقتصادى العربى الموحد لعام 2005 الذى صدر خلال الشهر الحالى فبراير -شباط- التطورات والنمو الاقتصادى العربى وازدياد معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى فى اغلب الدول العربية للعام الثانى على التوالى الى ارتفاع أسعار النفط والطاقة.
فبفضل ارتفاع اسعار النفط -تحديداً- استطاعت الدول العربية رفع الناتج المحلى الإجمالى لكل الدول العربية مجتمعة من 751 مليار دولار عام 2003 إلى 870 ملياراً عام 2004، محققاً بذلك معدلاً مرتفعاً للنمو بالأسعار الجارية بلغ 15.8% مقابل 11.3% فى العام الذى سبقه. وقدر معدل النمو بالأسعار الثابتة بنحو 6.7% خلال العام 2004، مقابل 6.1% فى العام الذى سبقه، بينما بلغ متوسط نصيب الفرد اقل من 2500 “الفين وخمس مئة” دولار سنوياً وبقيت معدلات التضخم عند مستويات معتدلة فى ضوء ما شهدته اقتصادات الدول العربية من توسع فى النشاط الاقتصادي.
فقد اعتبر التقرير ان نجاح الدول العربية مجتمعة فى تحقيق هذه المؤشرات الايجابية هو انجاز كبير والفضل الاول للنفط، فبدون النفط ستتحول هذه المؤشرات الى كارثة تحدق بنا، فكما يعلم الجميع ان النفط وموارد الطاقة المتاحة لدولنا هى موارد محدودة ستزول عاجلاً اما آجلاً، فالكارثة مقبلة والقضية موضوع وقت لا اكثر.
وبكل الاحوال، فان ما حققه النفط وباقى الموارد الاستخراجية لكل الدول العربية مجتمعة هو اقل مما حققته اسبانيا لوحدها بل حتى كوريا الجنوبية لوحدها او اندونيسيا لوحدها.
فقد تحول الاقتصاد الإسبانى من اقتصاد يعتمد بالدرجة الأولى على الزراعة إلى اقتصاد متنوع ذى أهمية فى أوروبا خلال العقود الأخيرة. ودخل الفرد هناك مقارنة مع الناتج الاجمالى للدولة هو رابع أعلى دخل فى أوروبا. فتحولت اسبانيا -45 مليون نسمة- الى دولة تصدر المنسوجات والمواد الغذائية والمعدنية والكيميائية والسيارات والسياحة. وكانت مؤشراتها الاقتصادية -بدون نفط- جبارة مقارنة بكل دول العالم العربى مجتمعة فقد بلغ الناتج المحلى الإجمالى 1014 مليار دولار لعام 2005 وكان متوسط نصيب الفرد اكثر من 25000 -خمسة وعشرين الف- دولار سنوياً. وقدر معدل النمو بالأسعار الثابتة بنحو 3.3%.
واذا نظرنا الى كوريا الجنوبية -49 مليون نسمة- التى لا تنتج حتى برميل نفط واحد وتستورد حوالى مليونى برميل يومياً، فقد بلغ الناتج المحلى الإجمالى 983.3 مليار دولار لعام 2005 وكان متوسط نصيب الفرد اكثر من 20300 دولار سنوياً. وقدر معدل النمو بالأسعار الثابتة بنحو 3.7%.
اما اندونيسيا -242 مليون نسمة- الأكبر فى العالم الإسلامى والخامس عشر على مستوى العالم والتى تستهلك اغلب نفطها من خلال تشغيل قطاعاتها الانتاجية الاخرى بدلاً من تصديره نفطاً خاماً، فقد حققت ناتجاً محلياً إجمالياً 899 مليار دولار لعام 2005 وكان متوسط نصيب الفرد اكثر من 3700 دولار سنوياً. وقدر معدل النمو بالأسعار الثابتة بنحو 5.3%.
لقد تحولت كل المؤشرات الايجابية لاقتصادياتنا العربية مع نفطها الى لا شيء يذكر بهذه المقارنة البسيطة، فقد تحول النفط الى نقمة بوجوده قبل نضوبه وحول معه الكثير من الدول العربية الى دول متكاسلة تعتمد على تصدير مواردها الخامة لتغطية احتياجاتها الاستهلاكية والترفيهية دون مراعاة للحاضر والمستقبل.
فكيف نستدرك الامور لصالحنا ونحول النقمة التى بين يدينا الى نعمة حقيقية؟
النفط غالباً ما يدار ويُملك من قبل الحكومات العربية وبالتالى يعتبر المورد الاساسى للميزانيات العربية التى تعيد انفاق هذا المورد بشكل استهلاكى على جهازها البيروقراطى دون امكانية لتوظيف الجزء الرئيسى من هذه الموارد فى مشاريع استثمارية متنوعة، بدلا من انفاقها فى برامج توظيف وانفاق فاشلة تحت ضغط الحاجة لتأمين الحد الادنى للمعيشة لمواطنيها، وهو الامر الذى يجعل المجتمع “موظفا” لدى الحكومة بدلا من ان تكون الحكومة موظفا لدى المجتمع.
هذا ما يضع الآلية الاقتصادية الطبيعية -آلية السوق- بشكل مقلوب ويحول دون تطور وانتعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية فى الكثير من دولنا.
الموضوع يتطلب تحقيق آلية السوق -والمتمثلة بتحول الحكومة الى حارس ومُشرِع وناظم للاقتصاد باقل تدخل ممكن فى السوق- من خلال بيع القطاعات الاقتصادية الحكومية بما فيها الموارد الاستخراجية الى قطاع خاص وطني. وتفرغ الحكومة الى دورها المشرف والناظم من خلال وضع التشريعات والقوانيين وجنى الضرائب والرسوم ورفع يدها عن المشاريع الاقتصادية والاكتفاء ببناء بنية تحية تؤمن كل متطلبات واحتياجات المستثمرين بالاضافة الى الخدمات التى يتطلبها المواطن.
وهذا ما سيخلق الدافع لدى القطاع الخاص الى توظيف عوائده فى قطاعات تكاملية مع القطاع النفط والموارد الطبيعية الاخرى بانشاء صناعات بتروكيماوية تليها صناعات الكترونية توظف المنتجات البتروكيماوية وتليها صناعات اخرى توظف المنتجات الالكترنية..وهكذا يتحول النفط من مادة خام للتصدير الى سلعة ذات قيمة مضافة عالية تباع فى السوق المحلية والعالمية. هذه الآلية ستسهم فى خلق دورة اقتصادية تنشط باقى القطاعات ذات الجدوى الاقتصادية وفق مفهوم السوق تحديداً، على نفس الطريقة التى تبنتها اندونيسيا فى اصلاح اقتصادها. فى حين ستحقق الحكومة ايرادات من بيع قطاعاتها -الرابحة والخاسرة- من جهة، وستفرض الضرائب على القطاعات المخصخصة فتحقق ايرادت اضافية من جهة ثانية.
هذا التوجه الذى تبنته كل الدول المتقدمة واغلب الدول النامية التى حققت نتائج ايجابية فى برامجها الاصلاحية، قد لا يروق لمزاج كثير من الحكومات وحتى معارضيها، خوفاً من الجانب الاجتماعى والآثار السلبية المرافقة لعملية الخصخصة. اذ تتعالى اصوات الاحتجاج وتقول: هل ننقل مواردنا الوطنية من يد الحكومة الى حفنة صغيرة لتسرق خيرات الوطن؟
لقد عانت الدول العربية منذ استقلالها من سوء استخدام الحكومات لمواردها الاقتصادية عدم قدرة توظيفها وهدرها بشكل غير عقلاني، فلماذا يجب ان تستمر فى هذا التوجه؟ ولماذا لا تكتفى بقيادة الاقتصاد من خلال الاشراف وارساء القواعد والقوانين، وتجنى ايراداتها من ارباح القطاع الخاص الذى اثبت قدرته على توظيف موارد الوطن وفق آليات السوق ومبدأ تعظيم المصالح. فالقطاع الخاص هو افضل من يبحث عن تحقيق المصالح وتحديداً مصالحه، فما هو الخطأ فى ذلك؟ الخطأ، فى المقابل، هو ان القطاع العام الذى لا تهمه المصالح هو أسوأ من يحقق مصالح الشعب. والمطلوب قوانين وتشريعات تحمى حقوق القطاع الخاص اولاً، وتضمن حقوق الحكومة “الشعب” فى جنى الضرائب وفق نظام شفاف.
ان فشل الحكومة كرجل اعمال يوجب عليها الاعتراف بذلك وترك الساحة لرجال الاعمال -القطاع الخاص- وعدم التحجج بالجانب الاجتماعى والمتمثل فى زيادة البطالة وارتفاع نسب الفقر اثناء عملية الخصخصة. فهذه الجوانب يمكن تجاوزها اذا تبنت الحكومة برامج اجتماعية مرافقة لعملية الخصخصة -من خلال توظيف الايرادات المترتبة عن بيع قطاعاتها وشركاتها من جهة وقطع خسائرها عن المشاريع الخاسرة- كبرامج الضمان الاجتماعى المتمثلة فى معاشات العاطلين عن العمل وتقديم تسهيلات وقروض اعفاءات للداخلين فى سوق العمل من الخريجين والمشاريع الصغيرة بشكل عقلانى ومدروس وبدون تقديم دعم لقطاعات فاشلة وبدون جدوى اقتصادية.
القطاع الخاص هو جزء من الوطن اذا عمل فى جو اقتصادى منظم وشفاف.. وهو اذ يعمل لمصلحته، فانه وفقا لضوابط وتشريعات وطنية، سيجد نفسه يعمل لمصلحة الجميع اذا اجادت الحكومة حماية مواردها ونظمت الحياة الاقتصادية، بحيث تضمن عدم تحويل القطاع الخاص الى حفنة من اللصوص تسرق وتنهب خيراته عن طريق تهريب الأموال الى الخارج بوجه خاص. فالمال الوطنى يجب ان يظل وطنيا، حتى ولو بلغ مئات المليارات، وحتى ولو آلت الى ملكية لطبقة مستثمرين أثرياء. فثراؤهم هو ثراء للمجتمع، اذا استثمر فى موطنه.
المشكلة اولا وآخراً تكمن فى القطاع الحكومى الذى فشل فى ادارة وتشغيل موارد الوطن. والتحدى الرئيسى الذى يواجه فرص التنمية هو ما اذا كان سيفشل فى توجيه وتنظيم عمل القطاع الخاص أيضا.
المصادر:
-التقرير الاقتصادى العربى الموحد لعام 2005 الصادر عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والصندوق العربى للإنماء الاقتصادى والاجتماعى وصندوق النقد العربي.
– The World Fact Book: WWW.CIA.GOV

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*