إذا نضب النفط

إذا نضب النفط
غسان عبد الهادي (2006)
الحوار المتمدن 27\4\2006

ظلت فكرة الاعتماد على النفط والغاز كمصدر للطاقة فكرة مطلقة وليست موضع نقاش فترة طويلة من الزمن. فالإدمان على البترول لا علاج له على حسب آراء أتباع احد المدارس التقليدية للطاقة، التي ترى أن البترول هو المصدر الرئيسي والاقتصادي للطاقة ولا يوجد بديل اقتصادي له ويمكن استثماره حالياً أو في المستقبل المنظور. وبالتالي سيبقى البترول سلعة مطلوبة حتى ينضب من الوجود ويجبر العالم على استخدام البدائل التي ستكون غالية الثمن بطبيعة الحال. فالثمن الباهظ لبدائل الطاقة هو العنصر الرئيسي في إبقاء الطلب على النفط مستمراً ومسيطراً على تلبية احتياجات السوق للطاقة. وبالتالي سيتابع سعر البترول ارتفاعه بشكل مستمر ومتوافق مع احتياجات العالم للطاقة.
وتؤكد نظريات هذه المدرسة أن اهتمام الدول الاستعمارية بالمنطقة العربية يرجع إلى حقيقة أن النفط والغاز هو المصدر الرئيسي للطاقة ونظراً لغنى العالم العربي بهذه الموارد فلا بد أن تعمل الدول الغربية على فرض هيمنتها عليه لضمان سهولة انسياب هذه الموارد إلى العالم الصناعي.
ويعتبر أتباع هذه المدرسة أن الدول الغربية ستفرض وجودها في مناطق الطاقة في مختلف بقاع العالم ومهما كان الثمن وبأعذار متعددة وطرق وأساليب متنوعة تبرر فيها وجودها.
فشعارات محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية هي مجرد أعذار تبرر الوجود الغربي في منابع الطاقة.
ترسم هذه المدرسة صورة وردية تشعر الدول المنتجة للنفط بالارتياح بان نفطها لا يمكن الاستغناء عنه وان العالم بأسره يعتمد عليها كعصب لاستقرار النمو الاقتصادي العالمي. وبالتالي فإنه ما على بعض القادة العرب سوى أن يرضخوا لمطالب العالم المتقدم ويفتحوا أبوابهم لهم ليتعاونوا معهم بما يخدم مصالح الطرفين، فالمطلوب منهم أن يمدوا أنابيبهم إليهم ليزودوهم بهذا الذهب الأسود، بينما يضمن لهم العالم الغربي استمرارية وجودهم على الكراسي.
ولكن هناك مدرسة أخرى أو تيار اقتصادي آخر متخصص في قضايا الطاقة وتحديداً الطاقة البديلة أو ما يمكن تسميته بـ”طاقة المستقبل”، يرى أن الموضوع مختلف من ناحية النظر إلى مستقبل النفط والغاز ومدى الاعتماد عليهما كمصدر أساسي للطاقة من جهة، ومدى أثره على ارتفاع أسعار النفط والغاز، من ناحية أخري.
ببساطة يرى أتباع هذه المدرسة أنه من الصحيح أن يكون النفط والغاز هما المصدر الرئيسي للطاقة في أيامنا هذه، ولكن المغالطة تكمن في اعتبار أن ذلك سيستمر حتى نضوب النفط. فالتكنولوجيا والأبحاث تتطور باستمرار، لدرجة أن الطاقات البديلة بدأت تتجه نحو زيادة فاعليتها وانخفاض سعرها، وان كان ذلك يبدو غير مجد اقتصادياً هذه الأيام.
وترجح نظريات من هذه المدرسة أن أسعار الطاقات البديلة ستتجه نحو الانخفاض تدريجياً بينما يتجه النفط والغاز إلى الارتفاع تدريجياً تحت ضغط الطلب المتزايد والعرض المحدود للنفط والغاز في السوق. وباستمرار هذه الآلية سيصبح سعر النفط مطابقاً لأسعار الطاقات البديلة -قبل نضوبه- مما سيجعل الطاقات البديلة مجدية اقتصادياً. ليس هذا فحسب بل مطلوبة أخلاقياً نظراً لنظافتها على الإنسان والبيئة.
وبناء على هذه النظرية، يبدو أن الاعتماد على النفط يمكن تقليصه. وهذا الاتجاه يدعم، نوعاً ما، تصريحات جورج بوش في خفض واردات الولايات المتحدة النفطية من الشرق الأوسط بأكثر من 75% بحلول عام 2025، بإيجاد مصادر بديلة لجعل الاعتماد على نفط الشرق “شيئا من الماضي”.
وكان بوش قال مؤخرا إنه يجب على الولايات المتحدة أن تقلل اعتمادها على النفط الأجنبي باستخدام التكنولوجيا لتطوير مصادر بديلة للطاقة، مثل البنزين المخلوط بالإيثانول، وخلايا وقود الهيدروجين لتسيير مركبات غير ملوثة للبيئة.
وقالت مجلة “بزنس ويك” الأمريكية أن “خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون لم يعد أمراً بيئيا فحسب، لكنه صار من احد العناصر التي تبين عقلانية وصحة أي سياسة خارجية أو اقتصادية”.
وقد بدأت شركة جنرال الكتريك العملاقة برنامج “ايكوماجينيشن” الهادف إلى اعتماد سياسة تندرج في إطار مكافحة الاحتباس الحراري.
وأطلقت شركات أخرى مثل دوبون والكوا -عملاق صناعة الألمنيوم- وستاربكس بادرات في مجال توفير الطاقة.
ووصف بوش أمريكا بالمدمنة للنفط الذي غالبا ما يستورد من أجزاء غير مستقرة من العالم، واعتبر بوش انه بتطبيق ما لدى أمريكا من مواهب وتكنولوجيا فإن هذا البلد يمكنه أن يحسن بشكل هائل البيئة، وأن يتجاوز اقتصادا معتمدا على المنتجات البترولية، ويجعل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط أمراً منسياً.
والنشاط الأكبر في مجال توفير الطاقة البديلة واعتماد سياسية بيئية يظهر بوضوح في مدن أمريكية كبري. حيث تطلب نحو 20 ولاية أمريكية أن يتم توليد نسبة معينة من الكهرباء بواسطة الطاقة المتجددة، وبين هذه الولايات ولاية تكساس التي اكتشف النفط فيها عام 1925. ومنذ ذلك الحين، يتم ضخه واستخدامه، ولكن السياسة المتبعة منذ زمن تقضى بخفض ضخ النفط سنة بعد أخرى.
وحين ينفد النفط من تكساس، وهو أمر محتم، ستسعى الولاية إلى الاستمرار في العمل في مجال الطاقة من خلال سبل أخرى.
وفى مدينة -ماك كامي- النفطية الأمريكية التي ازدهرت مع ضخ النفط من أرضها وعانت عندما نفد، تم استبدال الاعتماد على النفط بإنتاج طاقة متجددة.
وفى الأماكن التي شهدت تشويها لطبيعة -ماك كامي- بسبب ما ينتج عن آلية استخراج النفط ومعالجته، تظهر اليوم صورة صناعية جديدة ونظيفة مع اعتماد أنظمة الطاقة المتجددة.
وفى محيط -ماك كامي- نرى الآن حوالي 800 دولاب هواء يولدون الطاقة، وسيزداد العدد شهراً بعد شهر.
ومنذ اعتمادها نظام الطاقة المتجددة تسمى -ماك كامي- نفسها -عاصمة تكساس للطاقة الهوائية-، وقد اعتمدت المدينة هذا الاسم في سجلات الدولة ما يمنع أي مدينة أخرى في تكساس من اعتماده.
ومنذ شح النفط في المدينة خلال التسعينات، فقدت ماك كيمى نصف عدد سكانها وكادت تتحول إلى مدينة أشباح لولا اعتماد سياسيات طاقة جديدة أعطت فرصة للمدينة بالعيش مجددا. وفى الوقت الحاضر، تبدو الطاقة المتجددة بواسطة الهواء من أهم سبل إنتاج الطاقة بطريقة نظيفة وفعالة في المستقبل.
وحسب مكتب دراسات الطاقة الأمريكي فان ثلاث ولايات فقط هي تكساس وشمال داكوتا و كانساس، يمكنها أن تؤمن الطاقة الكهربائية لكامل الولايات المتحدة.
وفى هذا السياق، زاد بوش الأموال المخصصة لأبحاث الطاقة النظيفة بنسبة 22% في ميزانيته للسنة المالية 2007، بالإضافة إلى دعم انتقال الاستثمارات الأمريكية إلى الصين والهند لتقيم الصناعات التي تعتمد على البترول هناك بدلاً من أمريكا.
وبعد هذا الانتقال ستتمكن أمريكا من توقيع اتفاقية-كيوتو- للحفاظ على البيئة بتخفيض انبعاثات الغازات السامة في الجو، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الابتزاز الأمريكي، وذلك باستخدام اتفاقية -كيوتو- كوسيلة للضغط على دول أخرى مثل الصين والهند اللتين سيصبح من الصعب عليهما تطبيق اتفاقية -كيوتو- نظراً لاعتماد صناعاتهما على النفط ومشتقاته.
بناء على العرض السابق لكلا المدرستين، تتبين صعوبة تبنى أي من هذين الاتجاهين. فالاعتماد على البترول كمصدر للطاقة حتى نضوبه أمر مشكوك فيه بل مستبعد نظراً للتطور الكبير في ميادين استخدام التكنولوجيا لتطوير طاقات بديلة من جهة. والتخلي عن البترول في المستقبل القريب بالاعتماد على البدائل هو أمر مشكوك به أيضاً. فلابد من موقف وسط من هذين الاتجاهين يبين أهمية النفط ومشتقاته في الفترة الحالية وحتى المستقبل القريب.
فأمريكا وحلفاؤها لن يتركوا المنطقة العربية ويتخلوا عن نفطها كما يدعى بوش بتقليص الاعتماد على النفط، فالأمر مستحيل من الناحية العملية، وهذا ما تؤكده توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي تشير إلى أن برميلا من بين كل أربعة براميل من النفط تنتج في العالم في 2025 سيأتي من الشرق الأوسط وهو ما سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة أن تتجنب العالم العربي.
وهذا ما يدعو بعض الخبراء في منطقة الشرق الأوسط إلى التأكيد أن الكثير من النزاعات المفتعلة هناك لن تحل وربما ستستمر عشرات السنين بعد عام 2025 الذي حدده بوش للتخلي عن نفط المنطقة، نظراً لعدم إمكانية التخلي عن نفط المنطقة في المستقبل القريب، وطالما لا يمكن التخلي عن النفط لن تحل النزاعات لأنها المبرر لتدخل أمريكا بالمنطقة.
وشكك الدكتور منشهير تاكين، الخبير والمحلل في شؤون النفط من مركز دراسات الطاقة العالمية، بإمكانية تخلى العالم عن نفط المنطقة العربية التي تتمتع بأكبر احتياطي. وقال في محاضرة -فرص إنتاج النفط في الشرق الأوسط بين الخرافة والحقيقة- “إن تصريحات بوش غير مشجعة وتعارض كل المؤشرات الاقتصادية”.
بالإضافة إلى ما سبق، فان الكثير من الصناعات ستظل تحتاج النفط ومشتقاته إذ لا يمكنها الاعتماد على البدائل المتاحة حتى في المستقبل، وبالتالي يبدو التخلي عن النفط بشكل عام والعربي منه بشكل خاص أمراً غير معقول في المستقبل القريب. ولكن هل يعنى ذلك أن تتراخى الدول المنتجة للنفط وتشعر بالاطمئنان بان العالم لن يتخلى عن نفطها؟
لا شيء يبرر الشعور بالأمان. فسواء عثر العالم الصناعي على بديل للنفط أم لم يعثر، فالحقيقة التي لا جدال فيها هي انه سينضب في غضون 25-50 عاما المقبلة، الأمر الذي يعنى أن الجيل الناشئ سيعيش في أواسط عمره من دون ثروة.
المشكلة بهذا المعنى ليست ما إذا كانت الدول الصناعية ستعثر على بدائل أم لا. المشكلة الحقيقية هي ما إذا كانت الدول النفطية نفسها ستعثر على بدائل لتمويل احتياجاتها الأساسية أم لا بعد نضوب النفط.

1 Comment

  1. خالد ميا

    لنودع النفط قبل أن يودعنا ، ما يحدث اليوم من أزمات بسبب انقطاع التيار الكهربائي (في سوريا) ما هو إلا سيناريو مصغر لما يمكن أن يحدث بعد نضوب النفط في بلادنا.!!

    Reply

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*