النفط، العولمة، الحروب.. انبعاث الأشباح

النفط، العولمة، الحروب.. انبعاث الأشباح
سعد محيو (2006)

هل عاد العالم الى صراعات القرن التاسع عشر وحروبه بين الدول الأمم حول الموارد الطبيعة؟ وهل ستؤدي هذه العودة الى نسف ركائز العولمة المستندة الى حرية السوق وتجاوز مفاهيم الامبريالية وموازين القوى؟.
حرائق عدة اندلعت مؤخراً تشجع بالرد ايجاباً عن السؤالين معاً: حروب الغاز التي اندلعت فجأة بين روسيا وأوكرانيا؛ حروب النفط التي تكاد تندلع بين الصين واليابان في بحر شرق الصين؛ والتنافس المكشوف بين كل من أوروبا وامريكا والصين والهند على موارد آسيا الوسطى وافريقيا والشرق الاوسط.
والى هذه التطورات المهمة، ثمة حقيقتان أخريان لا تقلان أهمية: الأولى، ان الولايات المتحدة تشن منذ العام ۲۰۰۱ حروب موارد حقيقية في كل مناطق أوراسيا- افريقيا، من العراق وأفغانستان الى اندونيسيا مروراً بغرب افريقيا وهي تتلحّف بشعار الحرب العالمية على الارهاب. والثانية، ان الصراع الاستراتيجي في العالم لم يعد في مطلع القرن الحادي العشرين بين منتجي النفط ومستهلكيه، بل بين مستهلكيه ومستهلكيه. لم يعد بين أوبك والجميع، بل بين الجميع والجميع، خاصة بعد ان دخلت الصين والهند بقوة على خط الاستهلاك الكثيف للنفط والغاز. لكن، لماذا هذا الانفجار الكبير في حروب الموارد؟.
لسبب وحيد: ندرة النفط والغاز. وهو سبب كشفت عنه ثلاث دراسات صدرت حديثاً:
الاولى«لديفيد غودشتاين، البروفسور في مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا بعنوان: «نفاذ الغاز». وهي مؤلف علمي تقني، يسند افتراضاته الى نظرية الجيولوجي الأمريكي الشهير م. كينغ هابرت الذي تنبأ العام ۱۹۶۵ بأن معدلات استخراج النفط من الولايات الأمريكية الق۴۸ ستصل الى ذروتها العام ۱۹۷۰ ثم تبدأ انحدارها السريع. وهو عرّف هذه الذروة بأنها تعني الوصول الى استهلاك نصف احتياطي النفط.
نبوءة هابرت صدقت. فاستخراج النفط الأمريكي وصل الى ذروة بلغت ۹ ملايين برميل يومياً العام، ۱۹۷۰ وهو يهبط منذ ذلك الحين حيث بلغ اليوم أقل من ۶ ملايين برميل. وقد طبق غودشتاين معادلات هابرت وحساباته على النفط العالمي، فاستنتج أنه من أصل ال ۲ تريليون برميل المختزنة في جوف الأرض، وصل استهلاك البشر الآن الى النصف، وبالتالي باتت معادلة هابرت حول الذروة- الانحدار على قاب قوسين أو أدنى. الدراسة الثانية «لبول روبرتس بعنوان «نهاية النفط» تركّز على الجوانب الاستراتيجية والدولية لأزمة الطاقة، وترى ان الطلب على النفط يتزايد بوتائر كبرى، خاصة من جانب الصين والهند الصاعدتين، فيما يتقلص الاحتياطي والقدرات الانتاجية. وهذا التطور يعطينا، برأي روبرتس، فكرة واضحة عن أسباب حرب العراق.
الدراسة الأخيرة «لمايكل كلير ويحمل الاسم «الحروب على الموارد»، توضح ان حروب الطاقة مندلعة بالفعل منذ نهاية الحرب الباردة العام ۱۹۸۹ بسبب الزيادة الكبيرة في طلب النفط، في وقت تشير آخر الدراسات الى ان الأرض خسرت نحو ثلث ثرواتها الطبيعية المتاحة «خاصة الماء والنفط» في فترة قصيرة للغاية من ۱۹۷۰ الى ،۱۹۹۵ أي اكثر مما خسرته في أية فترة اخرى في التاريخ.
الندرة، اذًا، هي ما يدفع الآن الدول الكبرى الى احياء أشباح القرن التاسع عشر بكل حروبه وصراعاته ومآسيه، خاصة بالنسبة لمادة هذا الصراع: العالم الثالث، أي نحن. ولن يطول الوقت قبل ان تبدأ نيران حروب الموارد هذه بالوصول الى أطراف وأهداب ثوب العولمة الأنيق الذي ترتديه رأسمالية ليبرالية تدعي ان الطور الجديد من تطورها المتعولم، قد أحال مفاهيم الحرب وموازين القوى الى رفوف التاريخ.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*