هل سينتهي عصر النفط؟

هل سينتهي عصر النفط؟
أمير طاهري
جريدة الشرق الأوسط 28 يوليو 2006

خلال الأسابيع المقبلة من المتوقع ان تكشف الحكومة البريطانية خطة الطاقة الاستراتيجية لربع القرن المقبل. ووفقا لمطلعين على المسودة، تقوم الخطة على شعار واحد هو: أمن الطاقة.
والمملكة المتحدة ليست أول دولة صناعية كبرى تضع أمن الطاقة في قمة اجندتها القومية. ففي الولايات المتحدة جعل الرئيس جورج دبليو بوش من ذلك اولوية ادارته قبل عامين. ومنذئذ بدأت فرنسا وألمانيا واليابان أيضا اعادة التفكير باستراتيجياتها البعيدة المدى في مجال الطاقة. وفي كل حالة فان الاستراتيجية المتبناة تهدف الى تقليص الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي المستورد عبر مصادر بديلة متطورة للطاقة، وخصوصا النووية.
وليس من باب المصادفة ان قمة الثمانية الأخيرة، التي استضافتها روسيا في سانت بطرسبورغ، ارتبطت بمناقشة حول أمن الطاقة، حيث لعب الرئيس فلاديمير بوتين دور المجهز الموثوق في سوق طاقة عالمي قلق.
كما حضر قمة سانت بطرسبورغ الرئيس البرازيلي ايغانسيو لولا داسيلفا باقتراحات تعبر عن كون العملاق الميركي اللاتيني من المصدرين الرئيسيين للطاقة الاحيائية، أي البديل الجيد بيئيا لوقود باطن الأرض.
ولا يقتصر البحث عن مصادر بديلة للطاقة على الحكومات. فكل شركات النفط الكبرى تقريبا اسست وحدات جديدة للبحث عن وقود آخر غير المستخرج من باطن الأرض، بينما يعتزم عدد من شركات تصنيع السيارات الاستثمار في تطوير محركات تستخدم مصادر بديلة للطاقة. (في هذا الشهر أعلنت شركة فورد خططا رصدت لها مليار دولار حول مثل هذا البحث في بريطانيا).
وحتى عامين مضيا كان الخبراء يعتقدون أن النفط سيبقى الشكل الرئيسي للطاقة على الأقل الى منتصف القرن الحالي. غير أن كثيرا من الخبراء يتبنون الان فترة اقل. وابلغني احد الوزراء من بلد منتج عربي رئيسي، مؤخرا، انه يعتقد الآن ان النفط سيفقد موقعه المهيمن الراهن خلال العقود الثلاثة المقبلة في أحسن الأحوال.
فلماذا يسعى أولئك الذين بحثوا عن النفط بشغف في الماضي الى الهرب منه في الوقت الحالي بأسرع ما يمكن ؟
الجواب الواضح قد يكون الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط خلال السنوات الثلاث الماضية.
وتبدو الأموال التي دفعتها الدول المستوردة الى المصدرين خلال العقد الماضي هي أكبر تحويل في الثروة من جزء من العالم الى جزء آخر منذ ان نهب الأسبان ذهب وفضة أميركا الجنوبية. غير ان ذلك الجواب قد يكون مضللا. فحتى عند سعر 75 دولارا للبرميل فان النفط الخام يعتبر اليوم أرخص مما كان عليه أواسط سبعينات القرن الماضي. والحقيقة انه بالمقارنة الزيادات الحالية في أسعار المواد الخام في اللوحة فان الارتفاع في اسعار النفط يهبط دون المعدل المتوسط.
وقد تكون هناك دوافع أخرى وراء محاولة الابتعاد عن النفط. ومن بين الدوافع الرئيسية ادراك أنه مع وصول مئات الملايين من الزبائن الجدد في سوق الطاقة، خصوصا في الصين والهند، لن يكون هناك ببساطة ما يكفي من النفط لتلبية الحاجات. وبحلول منتصف القرن قد يصل عدد سكان الصين والهند الكلي الى ما يقرب من خمسة مليارات. وحتى لو كان لهما ان يستقرا من حيث حصة الفرد من استهلاك النفط عند المستويات الحالية، في بلجيكا على سبيل المثال، لن يكون هناك ما يكفي من احتياطيات النفط المعروفة في العالم لتلبية احتياجاتهما لما يزيد على عقدين من الزمن.
كل ذلك يعني أن فترة الحصول على النفط بطريقة سهلة قد تكون انتهت. وأولئك الذين يريدون أن يحصلوا عليه اليوم عليهم أن يحاربوا من أجله. والشعار الديماغوجي القائل «لا دم من أجل النفط» هو شعبي حاليا في الغرب على الرغم من أنه لم تحدث بعد حروب من أجل النفط.
وهناك اعتبار آخر لطلب الابتعاد عن النفط هو نمو سيناريوهات نهاية العالم على أساس تغير مناخي حقيق أو متخيل. بل حتى إدارة بوش تعترف اليوم بأن الاحتباس الحراري قد لا يكون مجرد خيال علمي. والكثير من المستهلكين خصوصا في الأسواق الغربية الأساسية قلقون حول الأنظمة التي تسيطر على مصادر النفط. فصورة محمود أحمدي نجاد رئيس إيران وهو يهدد بشن حرب على الحضارات قد يبدو مسليا لمعظم الإيرانيين. لكن لمعظم الغربيين هي صورة مثيرة للارتباك. كذلك هو الحال مع كوديلو هوغو تشافيز رئيس جمهورية فنزويلا الذي أصبح يخيف مستوردي النفط في الغرب. فحقيقة أن جزءا مهما من احتياطي النفط في العالم هو في أكثر مناطق العالم غير المستقرة وهذا أمر غير مطمئن.
وأخيرا فإن القناعة الواسعة في بعض البلدان الغربية المستوردة للنفط تقول بأن الأموال التي تنفق على شراء النفط تدعم أنظمة استبدادية غير ديمقراطية في البلدان المصدر للنفط والتي بعضها يقوم برعاية الإرهاب. وليست هناك أمة ترغب في أن تكون رهينة بيد عدد من الأنظمة المستبدة المنتجة للنفط. ويبدو الوضع مرئيا من زاوية أكبر البلدان المستهلكة للنفط: المرء يدفع مبالغ كبيرة على سلعة محدود الاستخدام ليدعم أنظمة سيئة تمول الإرهاب وأخيرا وليس آخرا، تدمير البيئة.
وكان وزراء النفط السعوديون السابقون قد أشاروا إلى أن عصر النفط لن ينتهي بسبب انتهاء احتياطيات النفط. فالعصر الحجري لم ينته بسبب انتهاء الحجر فيها. لكن ما أنهى ذلك العصر هو تغير في الاتجاه العام ثقافيا وسياسيا، حفز على ثورة تكنولوجية طورت بدائل للحجر.
وإذا كنا سنشهد تحولا مماثلا أم لا نشهد في حالة النفط فإنه لأمر صعب البت به. لكن ما يهم هو أن على العالم ألا يقفز من النار إلى المقلاة، مع ذلك فهذه هي الحال مع الكثير من البلدان بما فيها قوى صناعية أساسية حيث يبدو أنها تخطط للتحول إلى الطاقة النووية.
قد تغطي الطاقة النووية بعض المخاوف بما يخص الاعتماد على مزودين للنفط لا يمكن الثقة بهم. لكن العصا السحرية الجديدة تثير الكثير من الأسئلة التي ليس لها حتى الآن جواب. فالعالم عليه أن يتنفس بعمق ثم يفكر بطرق عملية لمواجهة المخاوف الشرعية للمستهلكين والمصدرين للنفط خلال العقود الثلاثة المقبلة وهذا ما ترك من «عصر النفط». وأي استراتيجية توضع على عجل قد تقدم الكثير من الرهائن لثروة محاطة منذ الآن بعدم اليقين.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*