حالة النضوب ومخاوف تراجع العائدات

حالة النضوب ومخاوف تراجع العائدات
سالم بن حمد الجهوري (2006)

بقدر أهمية النفط والنعم التي جاء بها على هذه الدول بقدر ما كان نقمة حيث وضع المنطقة على كف عفريت بدءا من الغزو العراقي على الكويت طمعا في النفط وتدخل القوات الأمريكية لطرد المحتل العربي طمعا في المصالح النفطية والتحالفات التي قامت بعد ذلك أملا في نصيب أكبر لها في المنطقة ثم غزو العراق من قبل قوات التحالف الغربية طمعا في آبار العراق المتدفقة وقربا من الذهب الأسود المؤثر في الحركة العالمية اقتصاديا وسياسيا
أكبر الهواجس التي تقلق صناع القرار والمنظرين في الدول العربية المنتجة للنفط التي تقع على ضفاف الخليج أو التي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا هي مرحلة نضوب آبار النفط التي ظلت تغدق بخيراتها على هذه الدول طيلة نصف القرن الماضي، والتي لولاها لما استطاعت هذه الدول أن توجد بنية اساسية عصرية تضاهي العديد من دول العالم المتقدمة، كما أنه أوجد ثقلا سياسيا لها في المحافل الدولية، وكان في أحد الأيام ورقة ضغط حاسمة أتت أكلها في حرب 73 حيث أربكت العالم، وكادت أن تعيده إلى الوراء لعقود طويلة.
ولو لا النفط لما استطاعت أن تتجمع دول عربية وإسلامية وأخرى صديقة في منظمة الدول المصدرة للنفط المعروفة اختصارا «بأوبك»، وحققت خلال سنوات عمرها وزنا كبيرا على المسرح السياسي الدولي قبل الاقتصادي.
وقد استفادت دول الخليج العربية، ونقصد هنا دول المجلس الست والعراق من تلك العائدات التي تدفقت طوال السنوات الماضية والتي ضخت في بناء المرافق خاصة التعليم وشبكة المواصلات والاتصالات وإقامة المدن الحديثة والمشاريع الصناعية والموانئ والمطارات وتسكين المواطنين وتوفير الطاقة والمياه كل حسب احتياجاته وكما استوعبت هذه المنطقة الملايين من الأيدي العاملة من آسيا وافريقيا للعمل في المشاريع الناهضة الحديثة.
وبقدر أهمية النفط والنعم التي جاء بها على هذه الدول بقدر ما كان نقمة حيث وضع المنطقة على كف عفريت بدءا من الغزو العراقي على الكويت طمعا في النفط وتدخل القوات الأمريكية لطرد المحتل العربي طمعا في المصالح النفطية والتحالفات التي قامت بعد ذلك أملا في نصيب أكبر لها في المنطقة ثم غزو العراق من قبل قوات التحالف الغربية طمعا في آبار العراق المتدفقة وقربا من الذهب الأسود المؤثر في الحركة العالمية اقتصاديا وسياسيا ووضع اليد على منابع النفط التي تتعاظم أهميتها من يوم إلى آخر وارتفاع معدل الطلب على الطاقة واقتراب البرميل من المائة دولار الذي يمكن أن يتخطاه خلال السنتين القادمتين بفضل تنامي الحركة العمرانية والاقتصادية في كل من الصين والهند.
ولكن يبقى السؤال الأهم للدول النفطية ماذا بعد النفط؟ هل استعدت الدول العربية خاصة للمرحلة التي ستتراجع فيها العائدات ويقل المخزون النفطي المنتظر ان يلامس القاع في بضع عقود.
الدراسة المهمة التي نفذتها مجلة «ميد» قبل عدة سنوات تحت مسمى مخزون النفط حول العالم، والتي حددت فيها العمر الافتراضي لبقاء النفط لدى الدول المنتجة له، وتراوحت بين 30 و100 سنة، والرقم الاخير لكل من العراق والسعودية تحديدا.
توضح مدى الحاجة الماسة في التفكير الجدي لوضع استراتيجية شاملة تستطيع أن توفر بدائل عائدات مالية بعد انتهاء عصر الذهب الأسود، ولعل العديد من الدول تنبهت لهذه الحالة إلا أن معظم الدول العربية لم تفكر حتى في إيجاد البديل لذلك عند النضوب.
وهذه الحالة التي تفرض سيطرتها على العديد من المنتجين للنفط في الوطن العربي أسبابها الانشغال الداخلي في إعداد المرافق الاساسية لهذه الدول التي لا زالت في مراحل البناء الذاتي والتي توجه كل العائدات إلى تغطية هذه الاحتياجات المتلاحقة.
الأمر الآخر تفتقر هذه الدول إلى التخطيط البعيد المدى، يعني الذي يصل إلى قرابة 50 سنة، ماذا ستفعل بعد هذه العقود الخمسة، وكأن الأمر بعيد ربما لن يأتي، وكأن الأجيال المقبلة ليس من حقها الاستفادة من عائدات وخيرات بلدانها سواء أكانت نفطية أو إيرادات متنوعة بين زراعية وصناعية.
وضع معظم الدول العربية خلال المرحلة المقبلة سيكون صعبا للغاية خاصة وأن معظمها يفتقد لعنصر الانتاج الصناعي الذي يمكن أن يكون يوما ما أقرب البدائل للعائدات النفطية، فعلى مدى نصف قرن مضى لا يمكن تصنيف العديد من الدول بان لديها مشاريع صناعية قادرة على الوقوف مستقبلا أمام عاديات الزمن وبالأخص مرحلة النضوب القادمة لا محالة.
هذا التراخي في تعزيز البنية الصناعية سيكلف هذه الدول المصدرة للنفط الكثير من الخسائر مستقبلا فكان يمكن أن تخصص جزءا جيدا من عائداتها لتعزيز البنية الصناعية حتى تأخذ طريق الانتاج المتزايد خلال السنوات الحالية لتشكل مع مرور الأيام قلعة صناعية خاصة وأنها تتوفر لديها المقومات من الأيدي العاملة في الدول ذات الكثافة السكانية ورؤوس الأموال وقربها من المواد الخام وتوفر مرافق التصدير والاستيراد وقربها من الدول المستهلكة مثل أوروبا.
تجربتا الصين والهند خير مثال على ذلك إلى درجة صناعة طائرات عسكرية ومعدات فضائية وأنظمة اتصالات متقدمة، وقد بدأت كلها مع الدول العربية التي انغمست في مشاكلها الداخلية دون مراعاة سنوات التنافس التي تعيشها خلال هذه الأيام وهذه النظرة القاصرة تدفع الدول العربية الآن ثمنها غاليا.
هناك أربعة أوجه لحالة ما بعد النفط يجمع عليها الخبراء الاستراتيجيون يتوقع ان تتوزع الدول العربية عليها.
الوجه الأول: أن هناك دولا قليلة جدا تنبهت مبكرا لهذه الحالة والتي سوف تتخطى كليا بعد 30 سنة مقبلة تقريبا من الآن حالة الاحتياج إلى عائدات الذهب الأسود، وهذه المجموعة تعد الأقل بين المجموعات الأربع حيث استعدت لهذه المرحلة، ولعلها في هذه الأيام بدأت تدخل مرحلة النضوب النفطي فقد استطاعت أن توجد بنية اقتصادية وصناعية كملتقى للتجار ومحطة للتصدير والاستيراد إلى مختلف دول العالم، وبذلك تحولت إلى قلعة اقتصادية مهمة في الشرق الأوسط وعززت مشاريعها الصناعية من خلال خطوط انتاج على الأقل في البداية، ونجحت إلى حد كبير في الاستغناء عن حاجة إيرادات النفط، الآن هذه الدول قليلة للغاية مع أنها قدمت تجربة ناجحة من خلال أرقام عائداتها السنوية من هذه الخطوة الاستباقية.
الوجه الثاني: يمثل عددا من الدول العربية حيث لن تتمكن خلال الـ30 سنة المقبلة من التحول الكلي عن النفط إلى الاعتماد على تنويع مصادر الدخل من خلال خطة زمنية لهذه البرامج إلا أن هذه الدول تنقصها قلة الإمكانيات المادية حتى تستطيع أن توفر بنية أساسية قادرة على هذا التحول الذي لن يتحقق خلال المدى المنظور الذي ينتهي عند آخر قطرة نفطها خلال العقود الثلاثة المقبلة. وسوف تعاني من بعض الصعوبات حيث ستقل عائداتها النفطية إلى الربع تقريبا، ولن تتمكن من تغطية هذا النقص بشكل كامل، وستحتاج إلى سنوات أخرى للوصول إلى 80٪ لتحقيق معدل الناتج المحلي، لكنها لن تتعرض لحالة انهيار في تنفيذ خططها بل ستعيد تكيفها من جديد حسب الأولويات كما حدث عند انخفاض سعر البرميل إلى 8 دولارات خلال التسعينيات.
الوجه الثالث: يمثل شريحة أيضا من الدول العربية التي ستجد نفسها فجأة بعد 30 سنة دون قاعدة متنوعة لمصادر الدخل وبالتالي مكشوفة أمام الظروف المحيطة بها، ولن تستطيع الإيفاء حتى بالتزاماتها الداخلية أمام شعوبها، وستعاني من قلة الموارد المالية لأسباب كثيرة، أبرزها غياب استراتيجية البدائل وعدم استقرار أنظمة الحكم فيها، وتفشى الفساد الإداري وشح الموارد المالية بعد تراجع عائدات النفط وعجزها عن توفير برنامج صناعي أو تجاري يسهل التبادل مع الدول وهكذا من الموارد الأخرى.
هذه الفئة من الدول ستعاني الأمرين وسيكلفها ذلك حالة من الاضطرابات المتلاحقة وعدم الاستقرار وستبقى عرضة للتدخلات السياسية الخارجية والإقليمية المجاورة.
وفي المقابل أمام هذه الوجوه الثلاثة المقترحة هناك 3 دول عربية ستكون خارج هذه التشكيلة تمثل الوجه الرابع، وسيظل النفط والغاز يغدق على ميزانياتها حتى مائة عام مقبلة نظرا لاحتياطياتها الكبيرة من الذهب الأسود وأهمية ذلك لدول العالم وستكون برامجها الصناعية وبرامج تنوع مصادرها غير محددة بسقف زمني، وفي حالة إقرارها لقيام صناعات بديلة وبرامج تنمية زراعية واقتصادية فإنها ستكون الأنجح لتوفر العنصر الزمني الكافي لديها لإقامة عشرات المشاريع البديلة التي يمكن أن تحل مكان عائدات النفط.
من خلال هذا الاستعراض لحالة ما بعد النفط هناك أمر مهم للغاية بين هذه الدول التي يجب أن تكون لها نظرة موحدة في إيجاد البديل لهذه العائدات النفطية، ولعله يمكن أن تدفع هذه الحالة إلى التوحد بين الدول العربية في إيجاد قلعة صناعية عربية جماعية بدل البرامج الذاتية لكل دولة، فحتى وإن نجحت هذه الدول أو قل معظمها في إيجاد البديل الصناعي لها فإنها ستواجه مشكلة أخرى وهي المتكررة حاليا وهي التشابه في المشاريع الصناعية كالبتروكيماويات والأسمدة ومصانع النسيج والمياه والحجريات فمشاريعها المقبلة المتشابهة هذه معرضة للفشل وتراجع عائداتها في ظل المنافسة بين الدول العربية ذاتها والتي ستصبح دون جدوى، والعكس في ظل وجود الاستراتيجية الصناعية المشتركة أو قل الموحدة التي يمكن أن تحدد ماذا يمكن أن تصنعه كل دولة حسب قدراتها يعني مشاريع منتقاه.
وعلى الدول العربية المنتجة للصناعات الأخرى كالعربات والمعدات والتقنية وقطع الغيار التي يمكن أن تنوع من الدخول وتعزز تشجيع قيام صناعات كبيرة يمكن الاعتماد عليها تتعاظم مع الوقت وتشكل ركيزة صناعية هامة ليس في دولة بعينها بل كل الدول من خلال رؤية واحدة لهدف واحد مشترك.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*