أميركا ومستقبل النفط

أميركا ومستقبل النفط
ستيف يتيف (2006)

ربما تجد الولايات المتحدة نفسها في المستقبل القريب وجها لوجه مع المعضلات الآتية: عجز صارخ في الميزانية، زيادة كبيرة في معدلات التضخم، هبوط حاد لأسهم السوق، تصادم مع القوى العظمى. تلك التوقعات وغيرها كثير ـ ما لم تتخذ الولايات المتحدة خطوات فاعلة ـ من المؤكد أن كثيرا منها سوف يجد مكانا له على أرض الواقع.
ومع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية للمرة الأولى في تاريخه ومع استمرار الحرب في العراق تطفو إلى السطح دواعي كثيرة تدعو للقلق حول احتمالات وصول النفط إلى نقطة الذروة التي يأخذ بعدها منحنى الهبوط والعد التنازلي.
يتوقع المحللون أن ذروة النفط ستكون في الفترة ما بين 2006 و 2011، حيث ان الاحتياطي العالمي الفعلي من النفط أقل بكثير عن الاعتقاد الشائع، فأكبر الدول المنتجة تبالغ أو لا تعطي صورة واضحة عن الاحتياطي الموجود لديها، وليس ضربا من الخيال أن نقول بأننا مقبلون على أزمة طاحنة في موارد الطاقة.
وعلى الرغم من احتمالات المبالغة، إلا أننا بحاجة إلى وجود خطة مستقبلية أكثر قدرة على المواجهة. وأهمية هذه الخطة تكمن في أنه مع وصول النفط إلى ذروته سوف ينجم عنه آثار ثلاثة لم نستعد لها بعد. أولا في ظل غياب بدائل حقيقية للنفط سوف تقفز أسعاره ربما إلى أكثر من 100 دولار للبرميل مع توقع أن يفوق الطلب للمعروض منه. وربما يتسبب ذلك في انتكاسة عالمية.
وحتى إذا ما أثارت موجة ارتفاع الأسعار البحث عن البدائل الاخرى إلا أن تلك العملية قد تستغرق سنوات عديدة وربما تمتد إلى عقود ريثما يتسنى للاقتصاد العالمي أن يحول دفة اعتماده في اتجاه هذه البدائل، فالنفط يتغلغل في شتى مجالات الحياة وليس بالأمر اليسير أن تأخذ البدائل المتوقعة جميع هذه الادوار بين عشية وضحاها. وحتى لو تأخرت ذروة النفط إلى عام 2020 أو حتى 2025 فلن نستطيع مواكبة السباق.
الامر الثاني أن أهمية منطقة الشرق الأوسط كمصدر للنفط سوف تأخذ في الزيادة ومعها يصبح العالم أكثر احتياجا لها واعتمادا عليها. فالآن تساهم دول الشرق الأوسط بحوالي ثلث الإنتاج العالمي من النفط وتحت أراضيها يقبع ثلثا الاحتياطي منه، وبالتالي فعندما يشهد العالم نضوبا لنفطه لن تكون هناك سوى هذه المنطقة معينا له.
ويأتي توقع نشوب صراعات كبرى بين القوى العظمى حول النفط ليمثل التحدي الثالث. فقد سحبت شركة سي إن أو أو سي الصينية عرضها لشراء شركة النفط الأميركية يونوكال، وهذا الأمر يسلط الضوء على القلق الصيني حول الطاقة وفي الوقت نفسه قلق واشنطن تجاه الصين. وربما كانت هناك مساحة واسعة لتخيل ما يمكن أن يتحول إليه التنافس بين الطرفين مع تضاؤل المنتج من النفط.
مثل تلك الصراعات لن تقتصر على الدول العظمى وحسب، فكثيرا ما كرر ابن لادن أن الأميركيين يسرقون النفط العربي، والمسلمون ينظرون إلى الغزو الاميركي للعراق على أنه محاولة لاغتصاب النفط. وربما أدى تصاعد حدة المخاوف إلى دفع الولايات المتحدة والقوى العظمى إلى تأمين مواردها من النفط بطرق قد تثير صراعات واسعة النطاق مع العالم الإسلامي.
وتشير الدراسات إلى أن هناك ثلاث خطوات ذات أهمية خاصة يجب اتخاذها لتفادي حدوث مثل تلك التوقعات السابقة. أولى تلك الخطوات أننا يجب أن ننظر إلى الخطة الحالية للطاقة على أنها نقطة بداية أكثر من كونها منتجا نهائيا. فالخطة يشوبها عيوب جوهرية: 70% من النفط يستخدم في قطاع المواصلات. وللتعامل مع هذه الحقيقة يجب زيادة الضرائب على استهلاك النفط. وقد جاء في توصيات الدراسة التي قامت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن زيادة هذه الضرائب من شأنه أن يقلل استخدام النفط وانبعاثات الكربون بنسبة تزيد على 10%.
كما يجب وضع معايير أكثر حزما للوقود حيث ان السيارات والشاحنات اليوم في الولايات المتحدة أقل كفاءة من ناحية الوقود عما كانت عليه أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
والخطوة الثانية اننا يجب أن نعلن أمام الرأي العام أن هناك توقعا بألا تكون الولايات المتحدة ومعها الاقتصاد العالمي قد أخذا استعدادهما لوصول النفط إلى نقطة الذروة. وأهمية ذلك أن الأميركيين يستخدمون 25% من الطاقة العالمية في حين أنهم لا يمثلون سوى 5% من نسبة عدد سكان العالم.
أما الخطوة الثالثة فتتمثل في الحاجة إلى صياغة مجموعة من الأسس التي يمكن أن تجنب القوى العظمى والحضارات مغبة التصارع على النفط. وهناك بالفعل مجموعة عمل على مستوى متواضع بين الولايات المتحدة والصين غير أنها تستحق أن تأخذ تركيزا على مستوى عال وأن تتسع لتضم دولا أخرى.
والتقنية الحديثة يمكن ان تقدم لنا حلولا تنقذنا من الاعتماد المفرط على النفط الذي وصل بنا إلى درجة الإدمان، بيد أننا علينا أن نجد سياسة لتأمين الطاقة للأجيال القادمة.

ستيف يتيف
أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة أولد دومينيون
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بالوطن

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*