العمر الزمني المتوقع للحضارة الصناعية

العمر الزمني المتوقع للحضارة الصناعية
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم
موقع الركن الأخضر (2006)

يمر العالم الآن في ظروف طوارئ حقيقية فيما يتعلق بالطاقة والمواد البترولية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت حالة الطوارئ الوطنية من أجل الطاقة منذ شهر آذار عام 1933. وفي العديد من الدراسات العلمية العالمية المتعلقة بموضوع النفط والطاقة من أجل البقاء, نجد حاليا بأن أغلب الباحثون والعلماء الأمريكيون متأكدون بأن الرئيس الأمريكي سوف يكون مرغما على استخدام القوانين والأنظمة الأمريكية المتعلقة بظروف الطوارئ ولو تمثل ذلك بالحروب الدامية, عندما يأتي زمن الانسحاق – كما يصفه الأمريكيون أنفسهم.
وقد كتب عالم الأحياء Wilton Ivie حول علم الكائنات والبيئة البشرية لصحيفة The Technocrat المجلد 16 العدد 12 في شهر كانون أول عام 1948, وأعيد نشره ككتيب في شهر تموز عام 1969 ما يلي: “انه لمن الممكن للإنسان الاحتفاظ بمعظم الأنواع الحية باقية على الحياة في الأرض والتمتع بنفس الوقت بمستو عال من الحياة للعديد من القرون القادمة”. وجاء على واجهة الكتيب التقييد التالي “لا يمكن لشمال أمريكا بعد الآن أن تكون مأهولة بحضارة تتمتع بطاقة عالية وتستمر في الحياة كيفما اتفق وعلى أسس غير مبرمجة. انه يجب علينا البرمجة من أجل البقاء” وكان يعني الطاقة, وتابع يقول “نحن لا نستطيع البرمجة للاستمرار طويلا معتمدين على النفط كمصدر رئيسي لنا من الطاقة. وبدلا من ذلك, فان علينا أن نكيف نظاما خاصا لاستخدام الطاقة, يأتي فيه القسم الأعظم من الطاقة من مصادر قابلة للتجديد ويأتي الحد الأدنى منها من المصادر غير القابلة للتجديد. – إلا أن النظام السعري (الأنظمة المالية العالمية) قد رفض مواجهة المشكلة, ويحاول هذا النظام استنزاف النفط الذي كمياته محدودة في العالم بوتيرة أعظميه تمكنه من الحصول على أرباح عالية.
وقد كتب الدكتور Richard C. Duncan من معهد الطاقة والإنسان في أطروحته Ph.D. في تشرين أول عام 1993 بعنوان: القدرة على التحمل والبقاء أصبحت في منتصف الطريق؟ نظرية نبضات عبور الحضارة الصناعية, فقال “في عام 1962 وضع الجيولوجي البارز M. King Hubbert مخططا لما بدا مشهدا متشائما لا يصدق مع الزمن, فبشكل أو بآخر سوف يواجه الجنس البشري مستقبلا غامضا مع معدل نمو في استخدام الطاقة يقترب من الصفر. وافترض هيوبرت ثلاثة تصورات مرحلية موثوقة, I , II, III. – التصور الأول هو مرحلة الحالة الموثوقة العالية, التصور الثاني الحالة الموثوقة المتوسطة والتصور الثالث الحالة الموثوقة المنخفضة أو النبضة العابرة”, ويعرف التصور الثالث بذروة هيوبرت.
وقد قال Duncan ما يلي: “لقد أظهر هيوبرت في التصور الثاني والثالث بأن العام الذي سوف نصل فيه إلى ذروة الإنتاج النفطي سيكون عام 2140”. إلا أن المعطيات النفطية تظهر بأننا حاليا تجاوزنا الذروة الإنتاجية منذ أكثر من 15 إلى 20 سنة سابقة في أغلب الدول المنتجة للنفط, أي منذ حوالي عام 1980. وثانيا فقد أظهر هيوبرت بأن مدى الذروة يعادل تقريبا 270 مليار جول (وحدة طاقة) للفرد في السنة الواحدة. إلا أن Duncan أثبت اعتمادا على المعطيات الإحصائية التاريخية بأن مدى الذروة يعادل 70 مليار جول فقط للفرد في السنة الواحدة. ولذلك فلربما تكون تصورات هيوبرت تتضمن خطأ يعادل 160 عاما من الزمن و200 مليار جول (أي مايعادل 285 بالمائة) في مدى الطاقة للفرد الواحد في السنة الواحدة. ويعزي دانكان خطأ هيوبرت إلى استخدام الأخير للتقديرات الصناعية للطاقة التي استخدمت المدى الأقصى للإنتاج التراكمي العالمي من الطاقة غير القابلة للتعويض المضخمة بشكل إجمالي بعامل يساوي عشرة أضعاف أو أكثر.
وفي الورقة التي قدمها دانكان عام 1996 The Olduvai Theory (النظرية الأولدوفية المشهورة): الانزلاق نحو العصر الحجري ما بعد العصر الصناعي, استشهد بالعالم الكوني Sir Fred Hoyle “إنها دائما واضحة وبهذا الشكل: إذا فشل الإنسان بخلق الظروف الموضوعية للبقاء على هذه الأرض, فان أنواعا أخرى من المخلوقات سوف تتغلب وتسيطر. ومن الخطأ التفكير بأن تطور العقل البشري سيأتي بالحل. نحن استنزفنا أو أننا قريبا سوف نستنزف المتطلبات الفيزيائية الضرورية للحياة في هذا الكوكب. فمع انتهاء الفحم وانتهاء النفط وانتهاء الخامات المعدنية عالية الجودة لن تكون هناك أنواعا مؤهلة تستطيع صنع التسلق الطويل من الظروف البدائية إلى عصر التكنولوجيا المتطورة. إن هذه مسألة طلقة واحدة. إن أخفقنا فيها فان هذا النظام الكوني سوف يخفق, في الوقت الذي يكون فيه العقل البشري هو المتهم. وبالمثل, فان هذا صحيحا في جميع أنظمة الكواكب الأخرى. ففي كل منها ستكون هناك فرصة واحدة, وواحدة فقط.” (Hoyle, 1964).
وقد وضع دانكان في النظرية الأولدوفية جداول لمختلف التقديرات للعمر الزمني المتوقع للحضارة الصناعية. واستشهد باثني عشر عالما مشهورا مثل Bertrand Russell, J. W. Forrester, Donella Meadows, Richard Leakey وسواهم. وكان الرقم الغالب لعمر الحضارة الصناعية هو 100 عام فقط. وهانحن قد قضيناها!!!
وأكد Howard Scott (الذي اخترع نظرية الحكومات الصناعية) في الكثير من كتاباته على أهمية كمية الطاقة المستخدمة من قبل الفرد الواحد. وفي ورقته عام 1933: “المعرفة مقابل التشوش”, كتب Scott “سوف يتحدد تاريخ الجنس البشري بقدرة الإنسان على التهام واستهلاك الطاقة الخارجية (غير البشرية). وان تحديد واستقرار تلك الدرجة من تزايد الاستهلاك ستكون مشكلة علمية في الزمن القريب القادم.
وفي لقاء شخصي مع البروفيسور Ken Watt أكد للذين التقوه من جديد على أهمية كمية الطاقة المصروفة من قبل الفرد الواحد. وقال أيضا بأنه هو وحوالي 100 من طلابه “نؤمن بأن الطاقة وعدد الولادات سيكونان العاملين المتغيرين الذين سيحددا خواص المستقبل. لقد ملأنا حاليا الكوكب, وتستطيع الإنسانية البقاء كنظام حياتي لزمن طويل إذا ما انخفض عدد السكان العالمي إلى 1/70 إلى 4/70 من العدد الحالي. وأكمل, بأنه لمن الصعب فعل ذلك بدون عنف …” وتشكل نسبة 1/70 إلى 4/ 70 من عدد السكان العالمي اليوم حوالي 90 إلى 360 مليون إنسانا تقريبا وفقط. وهذا كل ما يستطيع تحمله كوكبنا! بينما يبلغ عدد السكان في العالم اليوم ما يقرب من 5500 مليون إنسان, ويساوي هذا السبعين ضعفا التي يتحدث عنها البروفيسور Watt.
لقد قام L.F.Evanhoe المهندس الجيولوجي والجيوفيزيائي وكذلك المساح البحري والصديق للعالم M.King Hubbert بتقدير التاريخ الذي سوف تحدث فيه الصدمة القادمة, في ورقته “كن جاهزا لصدمة أخرى” التي نشرت في صحيفة The Futurist من كانون ثاني – شباط عام 1997 كما يلي:
“سيكون التاريخ الحاسم عندما يصبح الطلب العالمي للنفط أعلى بكثير من إمكانية الإمداد من الدول القليلة الخليجية المسلمة المصدرة للنفط. وسوف يبدأ النقص الدائم في النفط عندما تصبح الحاجة العالمية أعلى من الإنتاج العالمي – أي حوالي عام 2010 إن حصل هبوط طبيعي في الإنتاج الحقلي, أو مبكرا في عام 2000 إذا ما حدثت مشاكل سياسية تؤدي إلى إعاقة عمليات التصدير في السعودية التي تشكل المنتج الرئيس في العالم. وبعد ذلك سوف يستمر الهبوط في الإنتاجية العالمية بمعدل تضاؤلي.
وسوف يتأثر بهذه الأزمة الطاقية – النفطية كل إنسان. وسيكون للحكومات الأفضلية العليا في الحصول على الوقود لآليات النقل خلال مرحلة الطوارئ. ويمكن للنقص المفاجئ في إمداد النفط العالمي بحجم 5 % فقط أن يعيد الطوابير الأمريكية من أجل الحصول على البنزين كما حصل في عام 1970 – وسيحدث هذا رعبا في المجتمع الأمريكي وسيكون مفاجأ لهم. إلا أن النقص في الإمدادات النفطية هذه المرة سيكون دائما ولن يكون بالإمكان تعويضه أو إصلاحه.
ولذلك فإن المسألة ليست مطروحة على أساس فيما إذا, وإنما متى سيحدث الانسحاق النفطي الدائم الذي يمكننا رؤيته الآن. هذا الشلل والصدمة النفطية الدائمة لن يتمكن الإنسان من حلها بأي أسلوب مهما كان من أساليب إعادة التوزيع ولا بأية براعة اقتصادية, لأنها سوف تأتي كنتيجة للمحدودية وكذلك للاستنزاف الذي لا يرحم للنفط الخام الطبيعي الذي يمد العالم بأسره. وان أعدادا قليلة من الاقتصاديين الذين يتمكنون من تفهم أن الإمدادات النفطية العالمية محدودة جيولوجيا.
أما الأسعار العالمية للنفط فإنها سوف تقاد بواسطة القانون الاقتصادي البسيط – العرض والطلب: وسوف يكون هناك ارتفاعا في أسعار النفط الخام وكذلك في أسعار كل أنواع المحروقات الأخرى, وسوف يرافق هذا تضخما ماليا عالميا متزايدا مع تقاسمات غير متزنة الخ. وبعد الانفجار الاقتصادي المرافق فان العديد من الدول المتطورة سوف تبدو بوضع مشابه للوضع في روسيا الآن – من حيث المشاكل الداخلية والتراجع الاقتصادي. – ويتوقع حدوث تغييرات أساسية في أساليب الحياة للطبقات الفقيرة والمتوسطة في كافة المجتمعات العالمية. وماعدا الحكومات (الشرطة والجيوش وما ماثلها) فانه لن يكون ممكنا امتلاك المال الكافي لاستخدام السيارات والطائرات إلا للأثرياء من الطبقة العليا.
وسوف يتم الإطاحة بكل تلك الحكومات الديموقراطية التي تحكم الآن في العالم من قبل منتخبيها مادامت تلك الحكومات غير قادرة على فعل أي شيء لدرء أزمة المحروقات المحتومة. واختتم قوله بأنه لقد تم إنذار الحكومات والشعوب! “
وأما البروفيسور Watt فقد نصح بأن على كل إنسان أن يخطط لحياته وكأن سعر الغالون من البنزين سوف يصبح معادلا 100 دولارا أمريكيا في القريب العاجل, في الوقت الذي يجب التنويه فيه بأن متوسط سعر الغالون الواحد من البنزين في العالم كان يساوي حوالي دولارين فقط. وهذا يعني بأن أسعار المحروقات سوف تتضاعف 50 مرة.
ويعرف البروفيسور Albert Bartlett من جامعة كالورادو الزراعة العصرية بأنها “استخدام الأراضي لتحويل البترول إلى غذاء”. ويقول بأننا بدون البترول سنكون غير قادرين على إطعام المجتمع البشري. ولهذا قال البروفيسور Watt “نحن نملأ الكوكب الآن ويستطيع الإنسان الاستمرار في الوجود كنظام حياتي لزمن طويل فقط إذا تمكن من خفض العدد السكاني إلى نسبة 1/70 إلى 4/70 من العدد الحالي للسكان. فهل سنتمكن؟؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*