النفط والثعالب التي لا تخجل

النفط والثعالب التي لا تخجل
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم
موقع الركن الاخضر (2006)

الديموقراطية الأمريكية – الإنكليزية التي أدت إلى قتل مئات الألوف وتشريد الملايين في مختلف أنحاء العالم لن يقبل بها سوى المندسون أعداء الشعوب. أسقطوا الأنظمة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السابقة وأشعلوا الحروب فيها. ثم انقضوا على البوسنية وأفغانستان والعراق ويخططون لضرب إيران وسورية وكوريا الشمالية وينذرون ويتوعدون. فما هو الهدف؟
تقول التوقعات الموضوعية والمتفق عليها في المؤسسات النفطية العالمية بأن الحاجة العالمية للنفط سوف تزداد من 79 مليون برميل يوميا (الإنتاج الحالي) إلى 120 مليون برميل يوميا في عام 2030. وان المغذي الرئيسي لهذه الزيادة ستكون دول الخليج الفارسي والشرق الأوسط عموما. علما بأن بعض هذه الدول تعرضت أو لازالت تخضع لعقوبات اقتصادية قاسية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى من قبل منظمة الأمم المتحدة. ونتيجة لذلك لم يكن هناك توظيفات ضخمة للأموال في الصناعة النفطية والغازية في منطقة الخليج الفارسي لثلاثة عقود سابقة.
وإذا ما نظرنا عبر الأفق فانه سيصبح أكثر وضوحا أن هناك خللا في التوازن مابين الإنتاج والحاجة النفطية العالمية قادما لا ريب فيه خلال العقدين الآتيين. فمن المتوقع أن تصبح إندونيسيا وماليزيا أكبر مصدر للنفط في أسيا الجنوبية قبل عام 2010. وفي أمريكا اللاتينية: فنزويلا والمكسيك بحاجة إلى سنوات لإنشاء الآبار والحصول على ظروف لزيادة إنتاج النفط وإمكانية تصديره. في غرب أفريقيا ترتكز الشركات النفطية على الإنتاج البحري فقط نظرا لخطورة العمل في المناطق البرية. وتحتاج نيجيريا للتعامل مع النزاعات الداخلية بشكل خاص التي مزقت بشكل واضح وعزلت مابين الشمال والجنوب, حيث أن هذا الوضع لن يحل قريبا. وأخيرا فان الأمل في تصدير النفط من بحر قزوين أصبح مشوشا وموحولا في سياسات تمديد خطوط نقل النفط الخام عبر المناطق والدول التي غالبا ما تكون فيها المصالح الوطنية الأمريكية ومصالح هذه الدول في توتر متبادل.
ومع ذلك فان كل من إيران والعراق والكويت والعربية السعودية ولظروف مختلفة اقتصادية وسياسية سعت بنشاط لإيجاد الظروف المنشطة للتوظيف الأجنبي في نشاطاتهم النفطية. وتملك هذه الدول الأربعة مجتمعة أكثر من 53 % من الاحتياطي العالمي المؤكد وتنتج حاليا 23 % من مجمل الإنتاج العالمي ويتوقع زيادة هذه الإنتاجية لتصبح 31 % من الحاجة العالمية للنفط في عام 2020. وبغض النظر عن تعدد مناطق إنتاج النفط في العالم في الوقت الحاضر فان الشرق الأوسط يبقى ملك النفط في العالم ويتوقع أن يلعب دورا أكبر بكثير في مجال الطاقة العالمية. في الوقت نفسه فان الاستراتيجية المفضلة لهذه الدول تسمح بمشاركة الشركات الأجنبية من أجل المساعدة في رؤوس الأموال اللازمة والإمكانيات الإدارية وكذلك التكنولوجيات العصرية المتطورة لتأمين الطاقة العالمية اللازمة في المستقبل بالإضافة إلى حاجة التطورات الداخلية لهذه الدول لتكوين مجتمعاتها النافعة اقتصاديا وسياسيا.
وهكذا فمنذ سبعة وستون عاما سابقا حمل الجوع النفطي اليابان على التمدد العدواني المنظم لتأمين حاجاتها الطاقية المتزايدة وأدى أخيرا إلى دخولها الحرب. واليوم فان هناك جائع آخر في أسيا من أجل الطاقة هو الصين. 1300 مليون إنسان مع صعود في التنمية الاقتصادية يعادل من 8 % إلى 10 % سنويا فقد أصبحت الصين دولة مستوردة للنفط متعاظمة الحاجة. ففي العام الماضي ازدادت مبيعاتها من المشتقات النفطية في داخل الصين بحدود 70 % وارتفع استيرادها من النفط حتى 30 % عن العام الذي قبله, مشكلة بذلك الرقم الثاني في العالم لمستخدمي النفط بعد الولايات المتحدة الأمريكية. ومن المتوقع حتى عام 2030 أن الصين سوف تملك عددا من السيارات يفوق العدد الذي تملكه الولايات المتحدة وسوف تستورد كميات من النفط تعادل الكميات التي تستوردها الولايات المتحدة الأمريكية حاليا.
فالاعتماد على النفط يعني التابعية للشرق الأوسط الذي يملك حتى 70 % من الاحتياطي العالمي المؤكد. وهكذا فان الصين التي وصل استيرادها من نفط الشرق الأوسط حتى 60 % من مجمل استيرادها العالمي لا تستطيع الاستمرار في الجلوس جانبا بعيدا عن الاضطرابات في المنطقة. ومن أجل إبعاد الصين عن منطقة الشرق الأوسط وصلت أمريكا إلى حد اتهامها بنقل التكنولوجيا والمواد الخاصة بسلاح التدمير الشامل مع أنظمته إلى دول المنطقة لكسب صداقتهم. وتقول لجنة الكونغرس الأمريكي – المجموعة المختصة بمراقبة العلاقات الأمريكية الصينية: إن نقل هذا السلاح إلى دول هذه المنطقة يصعد من تهديد المصالح الأمريكية الحيوية في الشرق الأوسط. وتحذر هذه اللجنة من أن تابعية الصين لنفط الشرق الأوسط سوف تتعاظم خلال العقدين القادمين من أجل تأمين صناعتها واقتصادها المتطور. وسوف يؤدي هذا إلى حرمان الولايات المتحدة الأمريكية من جزء كبير من نفط دول المنطقة – الأمر الذي يكون المشكلة.
سبعة حروب على العراق من أجل السيطرة على ثرواته النفطية كان لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية الدور الرئيسي فيها عبر التاريخ:
1- 1914 – 1918 خلال الحرب العالمية الأولى عندما احتل البريطانيون المنطقة من الإمبراطورية العثمانية – وكان النفط هو الهدف الأول لبريطانيا. فاحتلوا الموصل بعد أن كانوا قد وعدوا الفرنسيين بها خلال اتفاقية سايكس بيكو السرية Sykes – Picot Agreement .
2- 1918 – 1930 حرب التهدئة – المسالمة, نفذتها بريطانيا من أجل الحفاظ على مصالحها النفطية واستخدمت فيها الغازات السامة والطيران والقنابل الحارقة قاتلة الآلاف من المواطنين العراقيين وحارقة القرى ومجمدة أسعار النفط في أدنى الحدود.
3- 1941 إعادة احتلال العراق. في عام 1932 أعطت بريطانيا للعراق استقلالا اسميا وحافظت على تواجد حجم كبير من قواتها وطيرانها العسكري هناك. وفي 1941 أعادت الاحتلال المباشر بواسطة القوة العسكرية للاحتفاظ بحقول النفط.
4- 1980 – 1988 الحرب العراقية – الإيرانية. قتل فيها مئات الآلاف من الطرفين وكلفت عشرات المليارات من الدولارات ودمر العديد من حقول النفط في البلدين ودمرت البنية التحتية للبلدين. لقد قامت بعض الدول الأجنبية بتسليح الطرفين وشجعت الحرب ودعمتها بقصد السيطرة على الدولتين وإضعافهما. قدمت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا للعراق الأسلحة التقليدية والكيميائية والبيولوجية وكذلك التدريب العسكري ودعمت العراق بالاستطلاعات الجوية وبالكشف عن الأهداف بواسطة الأقمار الصناعية. وشارك أيضا في ذلك دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا وروسيا. فبتدمير القاعدة التحتية والمنشآت النفطية في البلدين وبإفلاس الدولتين أيضا نتيجة لتوقف العمليات الإنتاجية فتح الباب من جديد لدخول الشركات الأجنبية بعد وقت قصير من عمليات التأميم التي جرت في البلدين.
5- 1991 حرب الخليج. بعد اجتياح العراق للكويت في شهر آب 1990 قررت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل وحضرت عدة دول للمشاركة العسكرية بمن فيها بريطانيا وفرنسا. وقد قال يومها الرئيس الأمريكي جورج بوش الكبير: إن عملنا وطريقتنا في الحياة وحريتنا وحرية الدول الصديقة حول العالم كل هذا سوف يعاني إذا ما سيطر صدام حسين على أكبر الخزانات النفطية في العالم. فضربت القوات الأمريكية المدن والقرى العراقية بعنف شديد وأنهي احتلال الكويت. هدمت الحرب الاقتصاد العراقي ودمرت الكثير من منشأته الكهربائية والأنظمة المائية وقتلت مابين 50 إلى 100 ألف عراقي.
6- 1991 – 2003 خلال مرحلة العقوبات الأمريكية على العراق. استخدم الأمريكيون والبريطانيون حق الفيتو في الأمم المتحدة لمحاصرة أي قرار يرغمهم على المغادرة من منطقة الخليج. وتم محاصرة الاقتصاد العراقي وحددت كميات النفط المسموح بيعها وتركت الصناعة النفطية تتخبط في العراق. وبمحاصرة الاستثمارات الأجنبية ومنع إعادة الإعمار تضعضع الاقتصاد العراقي أكثر فأكثر. وحددت الدولتين العدوانيتين مناطق واسعة من سماء العراق التي لا يسمح فيها بالطيران مستخدمين طيرانهم الاستطلاعي وقاموا بقصف العديد من المواقع العسكرية العراقية بشكل دوري. ونفذت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أربع ضربات كبيرة على العراق مستخدمين القاصفات الثقيلة وصواريخ كروز في كانون الثاني 1993 وكانون الثاني 1996 وحزيران 1996 وتشرين أول 1998. وامتنعت العديد من الشركات النفطية الأجنبية عن العمل في العراق لخطورة الوضع خلال تلك السنوات.
7- 2003 الحرب العراقية. نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية مع بريطانيا بالرغم من المعارضة الشديدة في هيئة الأمم المتحدة ووضعت العراق تحت إدارة أمريكية – بريطانية مباشرة. وسيطروا على الحقول النفطية بشكل مباشر أيضا وهو الهدف الرئيسي لكل هذه الحروب. سببت هذه الحرب تدميرا كاملا للبنية التحتية العراقية وقتلت عشرات الآلاف من العراقيين وعطلت الاقتصاد. إلا أن العراقيين لم يرضوا بالذل فقاوموا الاحتلال بنفس العنف ولازالوا يفعلون.
وقد بدأت الحرب الثامنة – حرب التهدئة أو المسالمة الخادعة من قبل قوات التحالف. هذه الحروب الدائمة على الحقول النفطية العراقية التي تتمتع بمزايا فريدة قد دمرت العراق وشعبه. فالنفط العراقي ذو نوعية جيدة ويتواجد بكميات ضخمة وينتج بكلف رخيصة جدا. وهذا هو هدف الاحتلال بعينه وليس الديموقراطية المخادعة. فهل تبنى الديموقراطية بقتل وتشريد وإذلال من يحتاجها؟ وهل يستطيع من يفتقر إلى الديموقراطية أن يحققها للآخرين؟ وهل يكذب التاريخ المليء بالدماء والإجرام والاعتداءات على الآخرين نفسه؟ سجن أبو غريب في العراق وغوانتاناموا في كوبا وغيرهم خير شاهد على الديموقراطية الأمريكية – الإنكليزية السافلة!
أما قصة الشرق الأوسط الكبير التي جاء بها ألد أعداء هذا الشرق ليصنعوا منها مستعمرة الشرق الأوسط الكبير. وكيف يمكن تصديق من أغاروا على المدن الأفغانية والعراقية بحقد ولؤم لا يصدقه التاريخ؟ قتلوا مئات الآلاف من الأبرياء ونهبوا كل شيء ودمروا حضارات بكاملها وانتهكوا الأعراض والقيم الإنسانية.
فهل لنا أن نعتبر؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*