قبل أن تأخذنا الأعاصير

قبل أن تأخذنا الأعاصير
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم (2006)

هل ستكون مساحات الأراضي الزراعية المحروثة بواسطة الأبقار والخيول كافية لإنتاج المواد الغذائية؟ وما هي أنواع الطاقة التي ستشكل البدائل للمحروقات النفطية في ضخ مياه الري والشرب؟ وكم سيستغرقنا من الزمن الذهاب إلى مواقع عملنا والعودة منه سيرا على الأقدام إذا ما توقفت آليات النقل؟ وهل فكر أحدا منكم بما هو قادم قريبا جدا لا محالة؟ يا للعجب, لا أحد يتحدث ولا أحد يتحرك!
هناك شيئان إن فقد الإنسان أحدهما لن يصبح قادرا على الحياة. إنهما الماء والغذاء اللذان لا يمكن الحصول عليهما بدون استخدام الطاقة. وهناك أنواعا مختلفة من مصادر الطاقة, منها ما هو قابل للتعويض ومنها ما هو غير قابل للتعويض. فالمحروقات الأحفورية (النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري) جميعها تعتبر أنواعا من مصادر الطاقة غير القابلة للتعويض. ففي عام 2003 على سبيل المثال اعتمد العالم على النفط والغاز المسال بمقدار 38.1 % وعلى الفحم الحجري بمقدار 24% وعلى الغاز الطبيعي الجاف بمقدار 23.6 % من مجمل الطاقة العالمية (International Energy Annual 2003). ولو جمعنا هذه النسب لوجدنا أن الإنسانية تعتمد في بقائها على مصادر الطاقة غير القابلة للتجديد بمقدار 85.7%.
إن هذه النسبة مخيفة ومخيبة للأمل, لأن كافة هذه الأنواع من مصادر الطاقة في طريقها للنضوب قريبا. وقد تزايد إنتاج النفط والغاز المسال مابين عامي 1993 و 2003 بمقدار 16 %, وتزايد إنتاج الغاز الطبيعي الجاف بمقدار 22 %, وتزايد إنتاج الفحم الحجري بمقدار 11 %. مما يسرع في نضوب هذه الأنواع من مصادر الطاقة. ويزداد الخوف عندما نعلم بأن العالم اعتمد حتى في عام 2003 القريب جدا على مصادر من الطاقة القابلة للتجديد بنسبة كلية لا تزيد عن 13.8 % لإنتاج الطاقة الكهربائية. فمن هذه المصادر الهيدروليكية بنسبة 6.5 % والنووية بنسبة 6.4 % والحرارة الجوفية مع الطاقة الشمسية وقوة الرياح والأخشاب والمخلفات مجتمعة بنسبة 0.9 % فقط. أما المتبقي من الطاقة الذي يعادل 0.5 % من مجمل الطاقة العالمية فلم يستخدم لإنتاج الطاقة الكهربائية وتم الحصول عليه من مصادر مختلفة.
ووفقا لإحصائيات عامي 2003 و 2004 العالمية, فان مجمل ما يملكه العالم من مخزون نفطي يقدر بحوالي 1200 مليار برميل. ومن المعلوم بأن المخزون القابل للإنتاج حاليا من الحقول النفطية يتراوح مابين 14 و 35 % من مجمل المخزون المؤكد وفقا لعوامل كثيرة أهمها الخواص الخزنية للطبقات المنتجة وجودة النفط نفسه. وحتى لو طبقت أحدث طرق الاستثمار العالمية فانه لن يتجاوز وقد لايصل إلى 50 %. فلو أخذنا ذلك بعين الاعتبار لتوصلنا إلى نتيجة مفادها أن النفط سوف يجف وينتهي نهائيا خلال الخمسة والعشرون أو الثلاثون عاما القادمة. إلا أن هذا لا يتعدى الحسابات الرقمية, معتمدا على أن العالم يستهلك حاليا ما يعادل 28 مليار برميل من النفط سنويا ولا يكتشف أكثر من 5 مليارات برميل سنويا أيضا كاحتياطي إضافي. فمن المعلوم أن الاستهلاك العالمي للنفط يتعاظم والمكتشفات النفطية تقل يوما بعد يوم. ويعني هذا أن السنوات المذكورة لعمر النفط قد تكون أقل بكثير مما ورد. فالنضوب قد بدأ والمخزون العالمي للنفط في تراجع واضح ومستمر.
أما مخزون الغاز الطبيعي عالميا فيقدر بحوالي 6805 تريليون قدم مكعب, يمكن إنتاج حتى 80 % منها. وبذلك قد يتمكن العالم من إنتاج حوالي 5000 تريليون قدم مكعب. ويعني هذا بأن الغاز الطبيعي قد يدوم لمدة تقرب من الخمسين عاما, لأن العالم يستهلك حوالي 100 تريليون قدم مكعب سنويا.
وبالنسبة للمخزون الفحمي العالمي فيقدر بحوالي ألف مليار طن يستهلك منها سنويا ما يعادل 5.5 مليار طن. ويعني هذا بأن الفحم الحجري قد يكفي لمدة تزيد عن 150 عاما وفقا لمعدلات الاستهلاك الحالية. إلا أن الفحم لا يمكن أن يشكل بديلا كاملا لا للنفط ولا للغاز الطبيعي في استخداماتهما المختلفة, ولا يكافئهما لا في الطاقة الحرارية ولا في سهولة خزنهما أو نقلهما. وقد ذكرت في مواضيع أخرى تم نشرها بأنه يستخرج من النفط والغاز الطبيعي أكثر من خمسمائة ألف مادة ابتداء من السلسلة الطويلة لمختلف أنواع المحروقات والزيوت والشحوم ومرورا بالسلسلة الأطول من الكيماويات المستخدمة في مختلف أنواع الصناعات وانتهاء بالأدوية والمواد الطبية وخصوصا مكافحات الحشرات والأسمدة الزراعية فائقة الأهمية لتخصيب التربة من أجل الحصول على الغذاء. ولا يمكننا الحصول على أية مادة من تلك المواد التي نحصل عليها من النفط والغاز الطبيعي من أي مصدر أخر من مصادر الطاقة. فالحرارة الجوفية وطاقة الرياح والمد والجزر في البحار والمحيطات والحرارة الشمسية وسواها إن وجدت لا تعطينا ذرة سماد واحدة ولا تؤمن لنا مكافحات الحشرات ولا يمكننا الحصول منها على الأدوية والكيماويات.
وضمن هذا الواقع الصعب يمكننا فعل الكثير إن توفرت الإرادة وتم اتخاذ القرار. فهناك العديد من الاستخدامات للمشتقات النفطية التي يمكننا الاستعاضة عنها بالطاقة الكهربائية. فمثلا إن معظم المضخات المائية المستخدمة في الزراعة ومن أجل ضخ المياه إلى القرى والمدن يمكن تحويلها للعمل بواسطة الكهرباء. ويمكننا أيضا استخدام الطاقة الكهربائية للطهي والتدفئة والحمامات وسواها من الاستخدامات الكثيرة التي تتطلب الطاقة الحرارية أو الميكانيكية. وبهذا نستطيع تخفيف الضغط على المشتقات النفطية والغازية وتوفيرها للاستخدام في المواقع التي لا يمكن استبدالها إطلاقا, مثل وسائط النقل ولإنتاج الأدوية والمبيدات الحشرية والأسمدة الزراعية وما شابهها. وهناك توجه عالمي الآن لاستخدام الطاقة الكهربائية في المواصلات. إلا أنه يتوجب علينا مواجهة الحقائق التي تقول بأنه وحتى يومنا هذا لا يوجد جرارا واحدا ولا حصاده واحدة ولا ناقلة واحدة يعمل أو تعمل على الكهرباء. فهل تتصورون كم يحتاج الأمر من الزمن لتحويل هذه الآليات للعمل بدلا من المشتقات النفطية بواسطة الكهرباء؟ هذا إن أصبح ذلك ممكنا, في حين أنه لم يتحقق نجاحا واضحا في هذا المجال حتى الآن.
ولذلك علينا الإسراع في إنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام مصادر أخرى غير النفطية أو الغازية وبأعظم حجم ممكن. فهناك طاقة الرياح التي بدأ الأوربيون يزيدون من استخداماتها بمعدل أعلى من 30 % سنويا. وهناك الطاقة الشمسية التي تتمتع بلادنا بوفرتها أكثر من أية بلاد أخرى. وعلينا أن نكثف بناء السدود ودراسة المواقع التي تتوافر فيها الحرارة الجوفية وكذلك إمكانية الاستفادة من المد والجزر في البحر الأبيض المتوسط. فالوقت أصبح ضيقا إلى أبعد الحدود ولم يعد يسعفنا على الإطلاق. سبقنا الأوربيون والأمريكيون كثيرا وبنوا مئات الآلاف من محطات إنتاج الطاقة بواسطة الرياح, وعلى سطوح العديد من منازلهم تسطع مولدات الطاقة الشمسية.
وانه لمن الجهل أن يظن الإنسان بأن النفط والغاز الطبيعي سوف ينضبان ويتوقف إنتاجهما دفعة واحدة وفي يوم واحد. إن المقصود بالنضوب هو الوصول إلى حقبة من الزمن تصبح فيها الكميات المنتجة من النفط والغاز الطبيعي أقل من الحاجة والطلب العالمي ويتعاظم هذا النقص مع الزمن. وقد بدأت ونحن نعيش هذه الحقبة الآن. فالعالم يعاني الآن من شح في المشتقات النفطية ناجم عن ارتفاع في الطلب للتزايد السكاني العالمي وللنمو المتزايد للاقتصاد الصيني والهندي, وهبوط في إمكانيات المصافي العالمية لأسباب كثيرة منها تقادمها, وكذلك لعدم إقدام الشركات العالمية على بناء وحدات جديدة. لأن بناء مصافي جديدة يكلف المليارات من الدولارات الأمريكية ويتطلب استرداد كلفتها سنوات عديدة من الزمن, هذا في الوقت الذي تعلم فيه الشركات ويعلم فيه الرأسماليون أن النفط والغاز الطبيعي يقتربان من النضوب عالميا. ولذلك فان مخاوفهم كبيرة من أن النفط والغاز الطبيعي المنتج في السنوات القريبة القادمة لن يكون كافيا للمصافي القديمة القائمة حاليا, فمن أين لهم استرداد كلف المصافي الجديدة إن هم بنوها؟
ومع ظهور النقص في المواد البترولية تبدأ الحكومات في احتجاز كميات هائلة منه, وهذا حق لها من أجل تسيير طائراتها ومركباتها ومدرعاتها للدفاع عن الوطن. بالإضافة إلى جيش الشرطة والخدمات الطبية وإطفاء الحرائق. وتبدأ أيضا الشركات الاحتكارية بالمضاربات ورفع الأسعار فتتضخم الأزمة. وترتفع الأسعار على كافة المواد الغذائية وغير الغذائية, لأن للنفط علاقة إما في تصنيعها وإنتاجها وإما في نقلها وتوزيعا على المستهلكين في المدن والقرى. فالزمن لن يرحمنا والمؤشرات واضحة. الارتفاع الجنوني لأسعار النفط عالميا وزيادة أسعار مشتقاته في مختلف الدول حتى في الكويت المنتج الكبير للنفط والغاز الطبيعي. ونعاني نحن الآن من عدم توفر مادة المازوت والقادم أعظم, وسوف نتذكر!
وإن كل برميل من النفط نتركه ليوم غد أفضل من مليون برميل نبيعه اليوم.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*