آلية انهيار المجتمعات البشرية بعد نضوب النفط العالمي

آلية انهيار المجتمعات البشرية بعد نضوب النفط العالمي
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم
موقع الركن الأخضر (2006)

المجاعة والأمراض والنزاعات الاجتماعية ستشكل الآليات الأساسية لانهيار المجتمعات البشرية عند نضوب النفط. وقد عرفت هذه الكوارث منذ زمن بعيد عبر التاريخ الإنساني وتمثلت بوضوح في الحضارة الأوربية في زمن مربو الخيول. وتأتي كل هذه الكوارث كعواقب لندرة الموارد الغذائية والاكتظاظ السكاني.
وسوف تكون المجاعة نتيجة مباشرة لنضوب منابع الطاقة. حيث يعتمد الاكتظاظ السكاني اليوم في غذائه على المكننة الزراعية وفاعلية عمليات النقل. وتستخدم الطاقة اليوم لتصنيع وتشغيل المعدات الزراعية, وكذلك لنقل وتوزيع المواد الغذائية إلى وعلى الأسواق. فكلما هبطت إمكانيات منابع الطاقة كلما ارتفعت كلف إنتاج المواد الغذائية وضاق بذلك طوق المستهلكين الأثرياء الذين يستطيعون التزود بهذه المواد بالشكل المناسب.
وتأتي النزاعات الاجتماعية كنتيجة أخرى لارتفاع الكلف التجارية للطاقة. لأن كل شيء يستخدمه الإنسان يحتاج إلى طاقة لإنتاجه, وكلما ارتفعت أسعار الطاقة كلما قل عدد الناس الذين يستطيعون الحصول على المواد التي يفضلونها. فعندما كانت الخيرات متوفرة, وخصوصا عندما كانت إمكانية الفرد تتزايد في الحصول على الخيرات خفت التوترات الاجتماعية, واعتبرت المجتمعات متعددة الجنسيات أنه من الملائم والنفع أيضا العيش معا وبشكل متناغم, ولم يكن يتطلب الأمر إلى قوة كبيرة للحفاظ على الأمن والهدوء الوطني. أما عندما تصبح الخيرات نادرة, وخصوصا عندما تتناقص إمكانية الفرد في الحصول على الخيرات تتزايد التوترات القومية وتصبح الحكومات فاشية ويتزايد الحصول على هذه الخيرات بالطرق الإجرامية.
ويؤدي النقص في الخيرات البشرية إلى شلل الأنظمة الوطنية الصحية أيضا, في الوقت الذي يسهل فيه الاكتظاظ السكاني من انتشار الأمراض والأوبئة المعدية. وقد حدث عبر تاريخ الحياة البشرية أن أدت زيادة عدد السكان إلى ظهور أمراض معدية كادت أن تمحيهم. فمرضي الجدري والحصبة لم يكونا معروفين حتى القرن الثاني والثالث بعد الميلاد عندما دمرا التجمعات البشرية في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط (McNeill, 1976, p. 105). وفي القرن الرابع عشر عندما تضخمت المجتمعات وأصبحت أكثر اكتظاظا في أوربا والصين شهدت ظهور مواقع طبية للموت الأسود في كليهما. واليوم مع الاكتظاظ السكاني المفرط, والعالم بكامله أصبح مرتبطا بواسطة الطيران, وأن مرض الإيدز ينتشر بسرعة فائقة, يمكن لفيروسات قاتلة مثل الإيدز ولكن انتشارها أسهل وأسرع أن تظهر في أية لحظة لتسحق المجتمعات البشرية.
فالجوع والنزاعات البشرية والمرض أمور ترتبط ببعضها بطرق معقدة. ولو كان الجوع هو آلية الانهيار الوحيدة لانقرض الجنس البشري بشكل مفاجئ تماما من الوجود. فالمجتمع الذي ينمو ويتطور وفقا لتوفر ثروات خيرية موجودة ولكنها محدودة, يميل إلى استنزاف هذه الخيرات كليا. ومع الزمن يكتشف الإنسان بأن المتبقي منها غير كاف لحياة الجيل القادم, في الوقت الذي أصبح فيه الجيل القادم مولودا. فقد استهلك الجيل الأخير كل شيء على الإطلاق في صراعه من أجل البقاء, بحيث لم يتبقى شيء يمكنه تحمل ولا حتى مجتمعا صغيرا. إلا أن الجوع نادرا ما يأتي منفردا. فهو يتفاقم بواسطة النزاعات البشرية التي تتقاطع مع صعوبة إنتاج ونقل المواد الغذائية. ويضعف هذا أيضا المقاومة الجسدية الطبيعية للأمراض.
وهناك شيء يبدو وكأنه عكسيا, فالأمراض تؤدي إلى توفير الثروات. وعلى سبيل المثال إذا أدى وباء جديدا إلى خفض العدد السكاني في العالم إلى عدد أقل من البشر, ممن يستطيعون مقاومة هذا الوباء قبل استنزاف كل الثروات بشكل كامل, فان الجنس البشري يمكنه البقاء لفترة أطول نسبيا لانخفاض وتيرة استهلاك الخيرات الطبيعية المتبقية.
ولكن حتى ولو استطاع عدد صغير من البشر البقاء بعد انهيار المجتمعات البشرية فانه لن تكون هناك أية حضارة على الإطلاق. لأن الوجود المعقد للميزة الحضارية التي تفتخر فيها الإنسانية الآن هو عبارة عن نتائج للثروات المتوفرة, ولن تستطع هذه الحضارة التعمير إلى ما بعد استنضاب هذه الثروات. ويعزى التحضر في منشئه إلى أسلوب الحياة في مستوطنات كثيفة تنمو وفقا لتوفر هذه الثروات. ومن البديهي أن هناك الكثير من الأمور التي ترتبط بالحياة في المدن أو في أي مكان متحضر, وتشمل هذه الأمور الاندماجات السياسية والتخصصات الاقتصادية واختلاف الطبقات الاجتماعية وبعض الأنواع من الفنون المعمارية وكذلك المساعي الفكرية البارعة والمزدهرة (Childe, 1951).
وترتبط سلسلة الأحداث المحلية المطورة للحضارات بشكل عام بالنمو السكاني السريع. ومن حالة إلى أخرى تختلف الأسباب التي أدت فيها توفر الثروات إلى تحفيز هذا النمو السكاني. ففي بعض الحالات تتجه المجتمعات للعيش والنمو في مناطق لم تلمس فيها بعد الثروات الطبيعية, وفي حالات أخرى فان تطوير أو ملائمة محاصيل جديدة أو اختراع تقنيات جديدة أو وضع استراتيجيات اجتماعية جديدة تكون السبب في تحسين الإنتاجية وبالتالي الزيادة السكانية. إلا أن جميع السومريون واليونانيون والرومانيون وسكان الجزر الغربية شهدوا اندفاعات في نشاطاتهم الحيوية مع الازدياد السريع لعدد سكانهم. وفي جميع الحالات فان الطور المبدع الذي ينشأ مع وفرة الخيرات التي حفزت النمو السكاني وصل إلى نهايته لأن الوفرة قد انتهت. ولا يحتاج الإنسان للبحث عن أسباب سرية لمعرفة آلية الهبوط في عدد سكان اليونان أو في سقوط روما, لأن نمو العدد السكاني في الحالتين أدى إلى استنزاف الثروات التي شجعت هذا النمو. وبعد العصر الذهبي تناقص عدد السكان في اليونان بشكل مستمر خلال أكثر من ألف سنة, من 3 ملايين إلى 800 ألف. وهبط عدد سكان الإمبراطورية الرومانية من 45 أو 46 مليون إلى حوالي 39 مليون حتى عام 600 بعد الميلاد, ونقص عدد سكانها في الجزء الأوربي بمقدار 25 % (McEvedy & Jones, 1978).
وحتى لو تم التمكن من تثبيت عدد السكان في العالم بحيث يصبح متوازنا مع الثروات القابلة للتجديد, فان الحافز الإبداعي الذي كان مسئولاً عن الإنجازات البشرية خلال مرحلة التطور الإنساني سوف يصل إلى نهايته. وان الانهيار الحلزوني الذي يبدو على الأغلب بأنه سوف يترك وفي أفضل الأحوال حفنات صغيرة من الناجين. وقد يتمكن هؤلاء الناجين من التغلب على أوضاعهم لفترات ما بانتشالهم ما يحتاجونه من وسط الركام الحضاري المتبقي, إلا أنهم سوف يضطرون إلى العودة إلى الحياة البسيطة سريعا, كالصيادين والمزارعين القدماء الذين يبحثون عن البقاء فقط. ولن يتمكن هؤلاء من امتلاك الثروات المادية لتنظيم الأعمال البشرية الضخمة أو للقيام بالدراسات والبحوث العلمية. وسوف لن يكن بإمكان أي منهم البقاء بدون المشاركة في العملية الإنتاجية, ولن يكن هناك الوقت لكتابة الروايات أو لوضع السيمفونيات الهادئة, فالجميع يجب أن يشاركوا في الإنتاجية. وبعد أجيال قليلة قد يعتقد هؤلاء الناجون بأن حطام المدن التي يعيشون في حولها هي من بقايا المدن التي بنتها الآلهة.
وقد يثبت الزمن بأنه حتى من غير الممكن لعدد قليل من الناجين الاستمرار في الحياة على أساس المتبقي من الخيرات ما بعد اليقظة الحضارية, لأنه قد لا يكون كافيا. فأبناء المجتمعات عالية التقنيات والتي سيتلاشى العديد العديد من البشر فيها, سوف يكونون عاجزين عن إتقان السبل اللازمة لبقائهم بواسطة الصيد والتجميع أو باستخدام الزراعات البسيطة. بالإضافة إلى ذلك فان وفرة الحيوانات البرية التي ساندت يوما مجتمعات الصيد تكون قد تلاشت, ويصبح عندها غلاف التربة الزراعية الذي أفسدته الجرارات أقل عطاء بكثير عند استخدام المجارف العادية. فالأصناف البشرية التي اعتادت على الاعتماد على التقنيات المعقدة في تسوية علاقاتها مع البيئة الطبيعية قد لا تتمكن من النجاة بعد ما فقدته.
وقد حددت السيطرة البشرية القصيرة الأمد نقطة الانعطاف في تاريخ الحياة على الكرة الأرضية. فقبل ظهور الجنس البشري كانت الطاقة تتراكم في الكرة الأرضية بكميات أكبر بكثير مما كان يتلاشى منها. ولكن مع نشوء الجنس البشري وتمكنه من بعثرة كميات ضخمة من الطاقة التي تراكمت عبر مليارات من السنين, أثر ذلك على التوازن الطاقي لكوكبنا. وقد يكون نشوء أصناف مثل الصنف البشري في الوجود هو عبارة عن مجرد تكامل للعمليات الحياتية التي كان عليها أن تنشأ في أي مكان من الكون. فمع تطور الحياة تتوسع الكائنات ذاتية التغذية خالقة الظروف لنشوء الأحياء. فإذا ما تجمعت الطاقة العضوية في خزانات ضخمة, كما هو مفترض أن يحدث نتيجة للعمليات الجيولوجية, ثم ظهور أنواع من الكائنات التي تقوم بإطلاق هذه الطاقة, فان هذا سيعني النهاية المحتومة وبالتأكيد. ومن المعلوم أن هذه الكائنات تتطور مستفيدة من النظام الديناميكي الحراري للطاقة غير المستنفذة (Entropy), جاعلة وبسرعة كوكبها في أدنى مستوى من الطاقة. وفي تحول لحظي مقارنة مع زمن الوجود الكوني, تظهر الحياة فيه ثم تختفي.
فإذا أدت رحلة الحياة البشرية إلى تغيير كبير في وضع الغلاف الجوي للكرة الأرضية, فان كافة أنواع الحياة سوف تنقرض وبسرعة هائلة من على وجه الأرض. وحتى إذا لم يحدث هذا, فان تضخم أو هبوط عدد السكان في العالم سوف يؤدي إلى انقراض أنواع أخرى من الكائنات الحية على الأرض. وقد تم تقييم نسبة الانقراض السنوية الأولية التي سوف تبدأ قريبا ب 17.500 مليون نسمة في كل عام (Wilson, 1988, p. 13), وخلال الخمسة والعشرون عاما القادمين قد يفقد ما يعادل ربع المخلوقات في العالم (Raven, 1988, p. 121). ويعتبر هذا نوع من التخفيض الفطري في التنوعات البيولوجية, وفي الوقت الذي ستنجو فيه بعض المخلوقات فان مخلوقات أخرى سوف تموت مثلما حدث هذا في الانهيار العظيم في نهاية العصر البيرميني (Permian). ومع ذلك, فانه من غير المحتمل أن يظهر أي شيء من جديد مشابها للوجود البشري. فالثروات التي طورت البشرية إلى ما هي عليه الآن سوف تستنزف قريبا, وقد لا توجد هناك حياة أخرى قبل أن تحرق الشمس مواداً لتخلق توضعات جديدة من النفط تساعد في نشوء كناس جديد. ويبدو أن الكون قد حاز على بداية استثنائية منذ عشرة أو عشرين مليارا من الأعوام السابقة (Hawking, 1988, p. 108). ومنذ ذلك الحين كان على النجوم أن تحيى وتموت لتأمين المادة للنظام الشمسي – التي هي نفسها تتمتع بقدم لبضع مليارات من الأعوام أيضا. فربما أن الحياة لم تستطع الظهور أبكر مما هي حدثت فيه. وربما أن الجنس البشري لم يكن قادرا على النشوء قبل أو بعد تاريخ نشوئه. وربما أيضا أن لكل شيء أوانه, فقد فتحت نافذة من الفرص في هذا الكون لفترة ما ثم أغلقت.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*