ارتفاع أسعار البترول.. وليست زيادة الإنتاج، الطريق الوحيد لتحقيق التنمية المستديمة في المملكة

ارتفاع أسعار البترول.. وليست زيادة الإنتاج، الطريق الوحيد لتحقيق التنمية المستديمة في المملكة
أنور علي أبو العلا (رئيس مركز اقتصاديات البترول)
الوطن السعودية 3 فبراير 2004

(الجزء الأول)
نشرت صحيفة “الوطن” في عددها رقم (1021) بتاريخ 17 يوليو 2003م تحت عنوان: “دراسة تطالب السعودية بعدم مسايرة بعض أعضاء أوبك لرفع أسعار النفط” ما يلي: “ذكرت دراسة أصدرتها غرفة تجارة الرياض حول اتجاهات أسواق النفط العالمية وتأثيرها على التطور الاقتصادي في المملكة أن السعودية يمكنها إن تستخدم ثقلها النفطي للضغط على دول أوبك إذا لزم الأمر بهدف الحفاظ على سعر معتدل للنفط ” وقد حذرت الدراسة من تأثيرات ارتفاع أسعار النفط على مصالح السعودية الاستراتيجية.
هذه الدراسة لا تعدو أن تكون نموذجا واحدا لما اعتدنا أن نقرأه أخيرا في الصحف عن دراسات تصدر بين الفينة والأخرى من جهات تسمي نفسها مراكز دراسات متخصصة في اقتصاديات البترول تنادي المسؤولين عن اتخاذ القرار في المملكة بالمحافظة على بقاء أسعار البترول منخفضة بحجة أن احتياطي المملكة النفطي يقدر بربع الاحتياطي العالمي وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى تشجيع التنقيب عن البترول في الدول الأخرى و تطوير البدائل مما يؤدي إلى أن يصبح بترول المملكة مادة مخزونة تحت الأرض لا يستفاد منها.
وأقل ما يمكن أن توصف به هذه الدراسات التي تطالب المملكة بعدم زيادة أسعار البترول، على الرغم من توفر حسن النية في إعدادها، بأنها دراسات مضللة لأنها تتنافى مع المبادئ الأولية لعلم اقتصاديات الموارد الناضبة.
ولما كان إجماع هذه الدراسات على التوصية بزيادة الإنتاج بدلا من زيادة السعر يؤثر سلبا على اتخاذ القرار السليم فينضب بترول المملكة قبل أن تتمكن من تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة توفر لها مداخيل بديلة عوضا عن دخل البترول. لذا فإن لفت الانتباه إلى مدى الخطأ السائد في مثل هذه الدراسات واجب ولا يجوز السكوت عليه.
في دراسة أعدها مركز اقتصاديات البترول تم فيها تطبيق مبادئ نظرية استغلال الموارد الناضبة على استخراج بترول المملكة توصلت إلى النتائج التالية:
ـ زيادة أسعار البترول تؤدي إلى زيادة الطلب على بترول المملكة لأن سعر نفطها يلعب دائما دور اللاحق لا السابق في مضمار صعود الأسعار.
ـ زيادة أسعار البترول ليست هي السبب في تطوير بدائل مصادر الطاقة (بل على العكس يؤدي بشكل غير مباشر لتأجيل تطويرها) وإنما السبب في تطوير البدائل هو قصر عمر البترول.
ـ المملكة لا تستطيع الضغط على دول أوبك لتخفيض السعر إلا لسنوات قليلة. تعود بعدها الأسعار إلى الزيادة بشكل حاد بعد استنزاف بترول المملكة.
ـ المملكة هي الخاسر الأكبر من انخفاض سعر البترول لأن ضخامة خسارتها بضخامة حجم احتياطيها. فانخفاض السعر بمقدار دولار واحد يؤدي إلى أن تخسر المملكة 262 مليار دولار (أي بمقدار يعادل ميزانية المملكة خمس سنوات).
هذه المفاجآت المذهلة ـ التي توصلت إليها دراسة مركز اقتصاديات البترول ـ تقلب نتائج الدراسات التي تطبق نظرية الإنتاج على استخراج البترول رأسا على عقب وبالتالي تفرض علينا إظهار الحقائق حتى لا يتمادى من يسمون أنفسهم خبراء في إصدار دراسات يتناقلون نتائجها وتوصياتها مسبقا بدلا من إجراء دراسات مبنية على التحليل العلمي.
وسنستعرض الآن على التوالي بشكل موجز التحليل العلمي للنتائج الأربع المذكورة أعلاه:
النتيجة الأولى: يؤدي ارتفاع سعر البترول ـ سواء على المدى القصير أو حتى على المدى الطويل ـ إلى زيادة الطلب على بترول المملكة وليس خفضه لأنه على المدى القصير يلعب سعر بترول المملكة دور اللاحق (وليس السابق) في ارتفاع السعر العالمي للبترول، فوفقا لـ “السيناريو” الذي يحدث في السوق هو أن تبدأ أسعار بترول الدول الأخرى في الارتفاع أولا فيتحول الطلب من بترول الدول التي زاد سعرها إلى بترول المملكة وتتجاوب المملكة بزيادة إنتاجها لتلبية الطلب بحكم إنها الدولة الوحيدة التي تحتفظ بطاقة إنتاج فائضة مخصصة لهذا الغرض. فإذا كان حجم زيادة الطلب على بترول المملكة أسرع وأحيانا أكبر من طاقتها الإنتاجية على التجاوب يبدأ سعر بترولها مضطرا إلى مسايرة ارتفاع سعر المؤشر واللحاق تدريجيا بالاتجاه العام لأسعار البترول. إذن على المدى القصير فإن كل ارتفاع في سعر البترول يؤدي إلى تحول الطلب من بترول الدول الأخرى إلى زيادة الطلب على بترول المملكة.
لكن ماذا عن المدى الطويل أَوَ ليس ارتفاع السعر “يشجع شركات النفط على التنقيب في الأماكن التي تعد مرتفعة التكلفة” ـ على حد تعبير دراسة غرفة تجارة الرياض ـ وإغراق السوق بالبترول فينخفض الطلب على بترول المملكة؟ والجواب على هذا السؤال أيضا بالنفي. لأن التنقيب لا يعني الاكتشاف، فالبترول لا يمكن للشركات إنتاجه في المصانع عندما ترغب في صناعته بل هو موجود بكميات محدودة ومعروفة أماكن وجوده (أي تم اكتشافه تقريبا) وتنقيب الشركات لن يؤدي إلى زيادة الكمية المخزونة ـ منذ الأزل ـ في قاع الأرض. ولكن قد يؤدي فقط إلى المراجعة وتجميع معلومات أكثر دقة عن: كمية الاحتياطي، ونوعية البترول، والخصائص الجيولوجية للحقول، وطرق الاستخراج الملائمة التي تتناسب مع طبيعة تكوينات المكمن وتقدير تكاليف الاستخراج. وتكاليف التجهيزات اللازمة للطاقة الإنتاجية المزمع إنشاؤها.
لكن المفاجأة التي لم يسمع بها هؤلاء الخبراء أن مبادئ نظرية الموارد الناضبة تقول: إنه ليست من مصلحة شركات البترول أن تبدأ باستخراج البترول الذي تكتشفه في المناطق عالية التكاليف بشكل تجاري قبل أن ينضب (أو ترتفع تكاليف استخراج) البترول في المناطق منخفضة التكاليف حتى لا تتعرض لخسارة كل ما أنفقته على إنشاء رأسمالها الثابت في المناطق عالية التكاليف لو لم تحافظ الأسعار على مستوى ارتفاعها على المدى الطويل.
إن مصلحة المملكة تقتضي أن ترتفع أسعار البترول إلى الحد الذي ندفع فيه الشركات دفعا إلى أن تبدأ بالتنقيب واستخراج البترول من المناطق عالية التكاليف فيصبح من مصلحة الشركات أن تدافع عن ارتفاع الأسعار حتى تتمكن من تغطية تكاليفها وتسديد ما اقترضته من أموال باهظة لتطوير حقول البترول في هذه المناطق. وبالتالي سيخف الضغط على المملكة ومطالبتها باستنزاف بترولها كلما زاد احتياج العالم للبترول بحجة أن المملكة لديها أكبر احتياطي و عليها أن تضحي بنصيب أجيالها المقبلة لإنقاذ اقتصاد العالم من الانهيار.
الدرس الأول الذي يجب استيعابه جيدا هو: أن زيادة إنتاج بترول المملكة يعني تقصير عمر بترولها وادخار بترول العالم الآخر للمستقبل. فهل رأيتم أحمق من خبير يوصي دولة بأن تبدد ثروة أجيالها المقبلة بأبخس الأسعار لينعكس الوضع وتصبح أجيالها المقبلة عرضة للتسول من الأجيال المقبلة في الدول الأخرى التي تمكنت ـ بفضل البترول ـ من تحقيق تنمية اقتصادية مستديمة؟
النتيجة الثانية: السبب الحقيقي هو ظاهرة النضوب ـ وليس ارتفاع السعر ـ لإيجاد البديل:
حتى لو تم توزيع بترول المملكة بالمجان فلن يؤدي هذا إلى أن يتخلي العالم عن إيجاد البديل بل العكس يجعل الحاجة إلى إيجاد البديل أكثر إلحاحا. لماذا؟ لأن العالم الصناعي يعرف أن البترول عمره قصير وكلما زاد معدل استخراجه كلما اقترب يوم نضوبه فإذا لم يتمكن العالم من إيجاد البديل قبل نضوب البترول سينهار اقتصاد العالم.
وببساطة فإن عمر البترول مرتبط بمعدل الإنتاج، فكلما زاد معدل استخراج البترول كلما قصر عمره ودعت الحاجة إلى تعجيل الحصول على البديل. والعكس صحيح فكلما انخفض معدل استخراج البترول كلما طال عمره وقلت الحاجة إلى سرعة إيجاد البديل. إذن أَوَ ليس ارتفاع السعر يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك و تطويل عمر البترول وبالتالي يجعل العالم ليس في عجلة من أمره لإيجاد البديل؟ وللأسف الشديد حتى هذه البدهية البسيطة في صلب نظرية اقتصاديات الموارد الناضبة لم يستوعبها معدو تلك الدراسات.
إن ارتفاع السعر ظاهرة طبيعية تقوم بدور جهاز المناعة الذي يطيل عمر المورد الناضب. وهذه الظاهرة هي من المبادئ الأولية وتعرف في نظرية الموارد الناضبة باسم: القاعدة الذهبية ولكن البروفيسور سولو (الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد) يفضل أن يطلق عليها اسم: مبدأ الأساس الجوهري وهذا الشرط الأساسي ينطبق تماما على ما نراه يحدث في أرض الواقع فكل دولار خفض ـ عن عمد مقصود ـ في سعر الخام لابد من أن يليه زيادة دولار في معدل الضريبة حتى يعود التوازن إلى سوق البترول. وهذا يعني في العرف الاقتصادي أن الضغط على الدول الأخرى لخفض سعر بترولها هو معونة (على شكل فتح الباب واسعا لفرض الضرائب على البترول) تقدمها (سواء طوعا أو كرها) حكومات الدول الفقيرة المالكة للبترول ـ على حساب نصيب أجيالها المقبلة لتزداد فقرا ـ لحكومات الدول المستهلكة الغنية لتزداد غنى و تنفق جزءاً منها على إعانة وتطوير البدائل.
وعلى الرغم من أن بعض الجيولوجيين المتخصصين بشؤون البترول (لاسيما المتقاعدين الذين اكتسبوا خبرتهم العملية من العمل في مصلحة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS وهي أكثر الجهات مؤهلة لتقدير احتياطي البترول في العالم) يرسمون صورة أكثر تشاؤما لاحتياطي بترول العالم إذ تشير الإحصائيات المتداولة إلى أن احتياطي العالم من البترول يكفي وفقا لمعدل الاستهلاك الحالي 40 عاما.
ولكن هذا لا يعني أن المشكلة لن تبدأ إلا بعد أربعين عاما لأنه ـ حتى مع افتراض صحة هذه الإحصائيات ـ فإن معدل استخراج البترول ـ لأسباب جيولوجية ـ سيبلغ الذروة خلال الـ 15 عاما المقبلة ثم يبدأ بالانخفاض القسري. ولذا فإنه إذا لم يتمكن العالم منذ الآن، بغض النظر عن سعر البترول، من ترشيد الاستهلاك و التحول التدريجي من البترول إلى مصادر الطاقة البديلة فإنه سيفاجئنا العالم في وقت أقرب مما نتصور بمطالبتنا بزيادة إنتاج البترول.
وبالرجوع إلى الكتابات العلمية الجادة فلن نجد دعوة واحدة تدعو إلى إيجاد البديل بحجة أن سعر البترول مرتفع ولكنها جميعها تدعو إلى إيجاد البديل بأسرع ما يمكن (حتى لو انخفض سعر البرميل إلى الصفر) لأن البترول معرض للنضوب. فارتفاع سعر البترول ليس إلا مجرد ظاهرة للنضوب وليس سببا كافياً للتحول عنه كمصدر ما زال يُعَدُّ أجود وأرخص وأكثر أماناً من أنواع الطاقة ذات المصادر الخطرة وتكلف أضعاف سعر البترول (حتى بعد فرض الضرائب).
إن الذي يدفع العالم إلى استخدام الطاقة النووية معرضا الحياة بكاملها إلى الخطر، والذي يدفعه إلى اجتثاث الغابات واقتطاع المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية وشواطئ البحار ليقيم في مكانها طواحين الرياح التي تشوه الطبيعة وتنتهك هدوء المتنزهات ليس هو ارتفاع السعر ولكنه النضوب.
الدرس الثاني: ليس من مصلحة الشركات الترويج إلى التحول إلى بدائل البترول طالما أنه ما زال يوجد لديها بترول لم تستخرجه بعد يدر عليها أرباحا طائلة لا يمكن أن يدرها مصدر آخر للطاقة. وليس من مصلحة حكومات الدول المستهلكة أن تتوسع باستخدام البدائل حتى لا تفقد مصدراً ـ لم تكن تحلم يوما بالحصول على مثله ـ لحصد الضرائب. ولكن من مصلحتنا نحن فقط أن يبدأ استخدام البدائل حتى لا يضطرنا العالم إلى أن ننتج أكثر من طاقة آبارنا على الإنتاج.
(اسألوا مدينة الملك عبد العزيز للتقنية لماذا استماتت ذات يوم لتطوير الطاقة الشمسية عندما طالب الكونجرس الأمريكي أرامكو ـ قبل سعودتها ـ بزيادة إنتاجها إلى 20 مليون برميل في اليوم؟. الشيء الوحيد الذي يجب أن نخشاه هو النضوب وليس التحول إلى بترول بحر قزوين أو بحر الشمال أو حتى حوض أورنكو.
اطمئنوا لن يتخلى العالم عن بترول حقل الغوار وفيه قطرة ما زال من الممكن استخراجها من قاع البئر.

(الجزء الثاني)
بإمكان السعودية إجبار الآخرين على خفض سعر البترول لبعض الوقت ولكن نضوب بترولها هو الثمن ثم لا تلبث أن تعود الأسعار للارتفاع بشكل حاد وتلك هي النتيجة الثالثة.
وتعتبر سياسة الإغراق (وهي أداة الضغط المتاحة للمملكة لخفض الأسعار) من السياسات المعروفة في نظرية مؤسسة الإنتاج التي قد يزاولها المنتج – الذي يتمتع بتكاليف إنتاج منخفضة – لطرد منافسيه من السوق فيزيد من إنتاجه إلى أن ينخفض السعر إلى أقل من تكلفتهم الحدية فيضطر منافسوه إلى إغلاق مصانعهم بينما يستطيع هو أن يستمر في الإنتاج من غير أن تنضب سلعته.
ومثل هذه السياسة الناجحة في نظرية مؤسسة الإنتاج التقليدي لا يمكن أن يطبقها منتج رشيد على استخراج مورد ناضب لأنه يمثل مخزوناً غير متجدد -أي ليس من صنع الإنسان- فكل برميل يخرج من المخزن (أي البئر) لا يمكن استبداله ببرميل آخر فمالك البترول لن يستطيع الاستمرار في الإنتاج طويلا سوى سنوات معدودة (يقل عددها كلما زاد إنتاجه) حتى تصبح مخازنه (أي آباره) خاوية من البترول بينما سيظل بترول منافسيه سليما في مخازنه الطبيعية تحت الأرض جاهزاً للبيع بأعلى الأسعار. والدرس المستفاد من هذا المثال هو أن كل ما يحققه مالك المورد الناضب الذي يسعى لسياسة إغراق السوق بحجة أنه يوفر الحماية لمورده هو العكس – أي بدلا من أن يوفر له الحماية – سيعجل بذبح الدجاجة التي تبيض له ذهبا كي يعطي دجاج منافسيه الفرصة لأن يبيض الذهب.
والخطأ الذي يقع فيه الباحثون يمتد إلى المنطق الحسابي البسيط فهم يقسمون احتياطي البترول في المملكة على متوسط إنتاجها الحالي ثم يقولون إن هذا الاحتياطي يكفي المملكة لمدة 80 عاما – ولكن حتى مع افتراض سلامة حساباتهم- فماذا ستعمل المملكة عند نضوب بترولها بعد 80 عاما؟ وكيف تستطيع المملكة أن تحافظ على نفس مستوى إنتاجها الحالي طيلة تلك المدة؟.
يقول الجيولوجيون إن هناك شيئاً اسمه الذروة يخضع لها إنتاج البترول. وعندما نطبق هذه القاعدة نجد أن ذروة إنتاج بترول المملكة (وفقا لمتوسط إنتاج 10 ملايين برميل يوميا ومعدل إنتاج إلى احتياطي قدره: 1 إلى 25) ستكون بعد 45 عاما فقط ثم تبدأ رحلة النضوب (انخفاض الإنتاج الجبري) ولكن الشيء المخيف حقا هو أن ذروة إنتاج احتياطي البترول العالمي الكلي (بما فيه بترول المملكة) -وفقا لتحذيرات كثيرة من خبراء جيولوجيا البترول- سيكون خلال الـ 15 عاما القادمة فإذا لم يتم اكتشاف أو إيجاد بديل للبترول فإن الضغوط التي تطالب المملكة بزيادة إنتاجها ستتصاعد من جميع أنحاء العالم.
وقد علمتنا التجارب بأن المملكة أخذت على نفسها عهدا ألا تتوانى عن نجدة اقتصاد العالم فتزيد إنتاجها كلما تعرض السوق لشح في المعروض وبالتالي فإن الفترة الزمنية اللازمة لوصول بترول المملكة إلى الذروة قد تنخفض بشكل حاد من 45 عاما إلى 15 سنة حتى تتناسب مع معدل ذروة استخراج البترول العالمي. أليس إذن من صالح المملكة أن تتفادى هذا الوضع -حتى لا يكون بترولها كبش الفداء – فتحاول منذ الآن أن تشجع العالم أن يبدأ استخراج البترول في المناطق الأخرى حتى يخف عن كاهلها عبء تحميلها وحدها مسؤولية إنقاذ اقتصاد العالم بحجة أنها الوحيدة التي لديها احتياطي بترول جاهز للاستخراج وبالتالي لابد أن تضحي إلى أن يتم تجهيز وإعداد بترول المناطق الأخرى.
أما النتيجة الرابعة فإن الخاسر الأكبر من انخفاض سعر البترول هو المملكة لأن خسارتها ستكون ضخمة بضخامة حجم احتياطيها. إن الفاقد الذي ستخسره المملكة مع افتراض خفض السعر دولارا واحداً للبرميل لا يمثل إلا قطرة في بحر الخسارة الفعلية التي ستخسرها المملكة لو أخذت بتوصية هذه الدراسات ونجحت في الضغط على دول أوبك وعليه فإن العائدات التي يمكن أن تحققها المملكة من ارتفاع أسعار النفط تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات يمكن توظيفها في تحقيق التنمية المستدامة. أي الحفاظ على ناتج قومي سنوي يتجدد كل عام كجميع دول العالم وليس استخراج مورد طبيعي غير متجدد وتسميته تجاوزا ناتجاً قومياً بينما هو في الواقع ليس إلا تحويل ثروة ثابتة (لم نبذل أي جهد لصناعتها) إلى نقود سائلة إذا لم نحسن التصرف في إنفاقها ذهبت إدراج الرياح.
لدينا شباب متعطش للعمل اتهمناه زورا بالكسل وكل ما يحتاجه الآن ورش لتدريبه على العمل. ولدينا رأس مال وطني علينا حسن استثماره ويحتاج الآن للتشغيل. ولدينا مصادر طاقة رخيصة -لم تتيسر لغيرنا- وتحتاج الآن لمن يسخرها لتدوير عجلة التصنيع. لدينا إذن جميع مقومات الصناعة. فليكن لدينا إذن تخطيط حازم لوضع خطة ثلاثينية مقسمة إلى ست خطط خمسية تقوم بتنفيذها سلطة تنفيذية مؤهلة للتحول إلى بلد صناعي حقيقي.

(الجزء الثالث)
تقوم عملية الإنتاج على 3 عناصر هي الطاقة ورأس المال والعمل. وقد توفرت لدينا جميع تلك العناصر ولا أعتقد أن هناك من يجرؤ على أن يماري بأنه ليس لدينا فعلا مصدر للطاقة أرخص من أي مكان في العالم. كما لا أعتقد أنه يستطيع أن يماري أنه لم تتوفر لنا سبل الحصول على رأس المال بسهولة لم تتوفر لبلد آخر إلى الحد الذي نحصل فيه كل عام على ما لا يقل عن 50 مليار دولار من غير جهد كبير. ولكن قد يجرؤ أحدهم فيماري على عنصر العمل بالادعاء أن الشباب السعودي لا يرغب أو لا تتوفر فيه مواهب القدرة على العمل التي تتوفر في عمال العالم إذن علينا أن نثبت أن شبابنا يحسنون الصنعة. ماذا يحتاج العامل ليكون عاملا ماهرا؟
يحتاج إلى:
التدريب: وهذا شيء مكتسب يأتي بالتعليم والتعود والتنشئة، ولا يختلف فيه عامل عن عامل إذا توفرت له فرص التدريب والمناخ الاجتماعي المناسب. وعدم توفير فرص التدريب وتهيئة المناخ هو مسؤولية صانعي القرار وليس مسؤولية العامل.
الاستعداد الفطري للعمل: كيف نثبت أن شبابنا لديه استعداد (أو مؤهل) فطري لا يقل عن شباب العالم أو حتى يتفوق عليه ذكاء في إتقان الصنعة (العمل) إذا وفرنا له المناخ المناسب؟
التجربة خير برهان. بالبحث عن مرجع لم أجد موقعا دخل فيه شبابنا في منافسة مباشرة مع شباب العالم إلا كرة القدم. لقد أثبت شبابنا بالبرهان أنه عندما صدقت نيتنا في تدريبه استطاع أن يتفوق على التنين الصيني ونمور آسيا بما فيهم كوريا وحتى اليابان الذي ينافس في صناعته عتاة الصناعة في العالم وأصبحنا نلقب بأبطال آسيا. إن الشباب الذي يستطيع أن يتفوق في مجال لا يوجد شيء يمنعه من أن يتفوق في مجال آخر عندما تتكرر الظروف.
إن مدى جديتنا في تخصيص موارد البترول لتحقيق تنمية مستدامة هي السلاح الوحيد الذي يشد من أزرنا للوقوف أمام طمع العالم الأقوى والمطلوب منا الآن التركيز على القضايا الثلاث التالية:
أولا: وفقا للعرف العالمي فإن الموارد الطبيعية هي ملك لشعوب الدول التي توجد في داخل أراضيها هذه الموارد. ولكن وفقا لنظرية الموارد الناضبة فإن الذي يملك المورد ليس جيلاً واحداً بل مختلف الأجيال داخل الدولة. لذا فإن الحل لمشكلة استغلال الكمية الكلية للمورد يتم عن طريق توزيع معدل الإنتاج على مدى البعد الزمني للحياة على وجه الأرض ليأخذ كل جيل حقه من هبة الله للإنسان. ولكن كيف يمكن تقسيم ثروة المورد بين مختلف الأجيال؟
يلعب سعر الخصم (أو خدمة القرض الذي يحصل عليه جيل من جيل آخر) الدور الذي يحدد حصر القيمة الحالية VALUE PRESENT لكامل (أي جميع) الثروة ثم يقوم بدور توزيعها التوزيع العادل بين الأجيال بحيث يحصل كل جيل على أكبر نصيب من غير أن يتسبب في جعل نصيب جيل آخر أصغر. هذا الحل لمشكلة استخراج المورد الناضب على الرغم من أنه يسمح لجيل أن يقترض من نصيب جيل آخر ولكن بشرط أن يكون استثمار القرض بواسطة الجيل الحالي يدر مردودا لصالح الجيل القادم (الذي اقترضنا منه) لا يقل عن مردود نصيبه الذي سيحصل عليه لو تم ترك نصيبه من المورد تحت الأرض ليستخرجه بنفسه في المستقبل. هذه النتائج التي نحصل عليها من حل مشكلة إنتاج مورد ناضب كالبترول تختلف عن النتائج التي نحصل عليها من حل مشكلة إنتاج سلعة متجددة كالسيارات التي يقتصر حلها على فترة زمنية واحدة أي العمر الزمني لمالك المصنع.
ثانيا: عدم استهلاك نصيب الأجيال القادمة: يجوز أن نقترض من نصيب الأجيال القادمة بالقيمة الحالية للقرض (يمكن تقدير القيمة الحالية باختيار سعر خصم مناسب والكمية الكلية للاحتياطي المؤكد). ولكن ليس من حقنا استهلاك نصيبه من غير أن نسدد كامل القرض وعوائده (أي استثماره في تحقيق تنمية مستدامة يستفيد منها الجيل الحالي وتعوض الأجيال القادمة عن دخل البترول).
الدرس المستخلص: لا يمكن أن نقول للعالم لا تفرضوا الضرائب على البترول من ناحية ومن ناحية أخرى نحافظ على سقف أعلى لسعر الخام.
ثالثا: كيف نقنع العالم الأقوى ونحن الأضعف أن يتخلى عن سياسة فرض الضرائب على الطاقة: لا بد من المصارحة أن الطريقة التي صرفنا بها إيرادات الطفرة الأولى لم تكن مثلى وعذرنا في ارتكاب أخطاء الماضي أننا لم نكن أصحاب خبرة بعد في التعامل مع ثروة هبطت علينا فجأة في وقت قصير لم يكن لدينا فيه وقت كاف للتخطيط.
كما أن من المهم تصحيح الصورة الدعائية التي رسخناها في أذهان كثير من الناس بأننا دولة الرفاهية. واستبدالها بالصورة الحقيقية بأننا مثل جميع دول العالم الثالث ينقصنا الكثير ونحتاج لمزيد من المال.
من المعلوم أنه ليس من السهل إقناع حكومات العالم الصناعي أن تسمح بارتفاع السعر حتى لا يجف المنبع. ولكن في نفس الوقت يصبح الإقناع أكثر سهولة لو اشترطت أوبك أن ينمو السقف الأعلى لسعر سلة خامات أوبك بمعدل زيادة مربوط مباشرة بمتوسط الزيادة في معدل الضريبة على النفط. والقيام بحملة توعية للشعوب المستهلكة بأن ارتفاع سعر الوقود يعود للضريبة التي تفرضها حكومته وليس لسعر الخام فلقاء كل دولار يدفعه لشراء البنزين تأخذ الضريبة منه أكثر من ضعف ما يأخذه سعر الخام ولا يزال معدل الضريبة إلى سعر الخام في تصاعد مستمر.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*