نداء مفتوح إلى جميع الأباليس في عالمنا الخبيث

نداء مفتوح إلى جميع الأباليس في عالمنا الخبيث
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم
موقع الركن الأخضر (2006)

هناك إبليسا آخر بدأ يصرخ من جديد منذ أيام: أنقذونا قبل أن تفقدونا!! وقد تناسى هذا الإبليس بأنه هو وأعوانه كانوا السبب في الضرر البالغ الذي أصاب المؤسسة. سنوات طويلة تركوها بدون صيانة فعلية, ولم يتخذوا الإجراءات الملائمة في الوقت المناسب كي تصل التجهيزات إلى هذا الوضع الخطير، لأنهم يعلمون أن الصيانات الملائمة والجيدة في الوقت المناسب لا تكلف الكثير ولا تدر عليهم الكثير أيضا. أما الآن وقد بدأت الكارثة التي كانوا ينتظرونها منذ سنوات طويلة والتي تؤهلهم بعد الحصول على الموافقات اللازمة – وما أسهلها – لتوقيع الاتفاقيات الضخمة وشراء كميات كبيرة من المواد والمعدات أيضا لمعالجة الموقف, فقد بدؤوا بالصراخ. وهكذا يبدأ الحصاد عند هؤلاء الأباليس. حصاد اقتصادنا وخيرات أبنائنا ومقدراتهم. وتبدأ خسائر المؤسسة بالتراكم والظهور, وهذا ليس من هم الأباليس ولا من ضمن مسؤولياتهم!!
ويقول بعضهم أن سعر البرميل الواحد من النفط وصل إلى الخمسين وتجاوز السبعين دولارا، ويعتبرون بأن هذه فرصة لا تعوض لجني الأرباح مقارنة مع السنين الغابرة، ولكنهم ينسون أو يتناسون بأن سعر البرميل الواحد سوف يتجاوز المئة دولار قريبا جدا, وقد يصل إلى مائتان أو أكثر في المستقبل، ويتناسون أيضا بأن المشتقات البترولية يجب أن تكون مقدسة ولا يجب استخدامها إلا في المواقع التي لا يمكن استبدالها على الإطلاق, لأنها لا تعوض ولا يوجد لها بديل في هذا العالم، ولذلك علينا أن نفاخر في الاحتفاظ بما تبقى لدينا من هذه المواد لأطول زمن ممكن في التاريخ.
فإذا ما اقتنعت الحكومات بضرورة خفض الإنتاج لا بزيادة حجمه, فان ذلك سيؤدي بالضرورة إلى خفض أعداد الاتفاقيات والصفقات وعقود الشراء والخدمات وتصغير أحجامها, مما يضر بمصالح البعض من المستفيدين، فهل مصالح الأباليس هي المهم أم أن مصير الشعوب هو الأهم؟ ثلاثة وثلاثون دولة من أصل اثنتان وأربعون دولة التي تنتج أكثر من 98% من مجمل النفط العالمي وصلت إلى ذروة إنتاجها منذ سنوات عديدة, ومنها منذ عقود, مثل الولايات المتحدة الأمريكية وليبيا عام 1970, إيران عام 1974, إندونيسيا عام 1977, روسيا عام 1987 وغيرها, وهي الآن في تراجع كبير في حجم إنتاجها اليومي. هذه المحروقات الأحفورية التي تشكل مع الفحم الحجري أكثر من 86 % من مجمل الطاقة العالمية, من أين لنا تعويضها يا أيها الأباليس؟
فلو استثنينا مصادر الطاقة القابلة للتعويض والتي لا تشكل أكثر من 14% من مجمل الطاقة العالمية متضمنة النووية والهيدروليكية وقوة الرياح والطاقة الشمسية والمد والجزر في البحار والمحيطات والحرارة الجوفية, فإننا نجد الأباليس يحاولون خداع الشعوب بإمكانية التعويل على المصادر البيولوجية ومخلفات المنتجات الزراعية والحيوانية ومنها بذور الزيتون ومخلفات المسالخ وكذلك السجيل الزيتي والصخور البركانية وسواها إن وجدت، إلا أن كل هذه المصادر مجتمعة لا يمكنها إنتاج إلا جزء واهيا جدا من الطاقة العالمية مقارنة بالإنتاج النفطي والحاجة الفعلية الحالية، فكيف سيكون الحال في المستقبل مع الازدياد المتواصل لعدد السكان في العالم, وبالتالي التزايد المضطرد للحاجة إلى الطاقة بشكل عام ؟ ففي عام 2004 قدر حجم الطاقة المنتجة من المصادر المتجددة المذكورة أخيرا بما لا يزيد عن 2 % من مجمل الطاقة العالمية فقط، منها إنتاج الطاقة الكهربائية 1.2 %, والطاقة المصروفة على تسخين المياه والتدفئة 0.7 %, بالإضافة إلى الطاقة البيولوجية 0.2 % فإذا ما جفت الحقول النفطية والغازية في العالم لن تنقذنا هذه المصادر الهامة ولكنها الضئيلة بحجمها, لأنها أكثر ضحالة من المستنقعات إذا ما قورنت بالأنهر.
المشكلة العالمية قد لا تكمن في المستقبل بالنقص في إنتاج الطاقة بحد ذاتها، كإنتاج الطاقة الكهربائية على سبيل المثال, التي يمكن تحويلها إلى طاقة حرارية أو ميكانيكية، وإنما هي تكمن بالنقص في المشتقات النفطية والغازية مع نضوب هاتين المادتين، هذه المشتقات التي لا يمكن الحصول عليها من أي مصدر آخر سوى من النفط والغاز الطبيعي سوف تشكل الكارثة الحقيقية للبشرية جمعاء, لأن كل جوانب الحياة وإمكانية استمراريتها تعتمد عليها وبشكل شبه مطلق، فمن أين لنا أن نأتي بمكافحات الحشرات والأسمدة الزراعية والأدوية والمعدات الطبية المستخرجة من النفط والغاز الطبيعي عندما يحصل النضوب؟ الأصماغ والأصباغ والدهانات والكاوتشوك والبلاستيك والسلاسل الطويلة من المواد البتروكيميائية المستخدمة في مختلف أنواع الصناعات ومنها الغذائية أيضا؟ الزيوت والشحوم ومختلف أنواع المحروقات وخصوصا للطائرات ومختلف أنواع الآلات والآليات المتحركة؟
يكتبون لي ويسألونني باسم رب العالمين, وكأنهم مؤمنون فعلا, أن لا أغش غير المختصين من المواطنين في موضوع الإنتاج المكثف والسريع للنفط والغاز الطبيعي، وأنا أناشدهم باسم كل القيم الإنسانية في العالم أن يتوقفوا عن ابتزاز الشعوب ونهب وتبديد وتخريب ثرواتها, لأن هذا لن يقودنا إلا إلى الهلاك الجماعي، فهل هناك من عبر في أيامنا هذه؟ انظروا ما يحدث في مختلف الدول الأفريقية وفي مناطق أخرى من العالم!! ألا يعنون لنا شيئا هؤلاء الجياع والعطشى بالملايين؟ لقد ظهرت نتائج الاقتصاد الذي مزقه الأباليس لشعوبهم في مختلف أنحاء العالم على مر السنين اعتمادا على معارفهم العميقة في طرق الابتزاز, أليس كذلك يا أباليس؟
إن من يبذرون في استهلاك أي نوع من أنواع المشتقات النفطية والغازية هم يجرمون في حق الإنسانية, حتى ولو دفعوا أضعاف ثمن المواد التي يستهلكونها, وحتى وان كان الثمن الذي يدفعونه نظيف المصدر أو غير نظيف, لأنه لا يمكن استرداد تلك المواد التي يستهلكونها أبدا. إنها حق للشعوب ولإنسانيتها التي تعتمد عليها. فهل هناك من يعتبر بأنه يحق لملياردير أو أكثر أن يشتروا بأموالهم غذاء الشعوب ويتركونها تقضي نحبها من الجوع والعطش مثلا؟ وبالتالي فإن حيازة المال يجب أن لا تخول صاحبه على تبديد الثروة التي تشكل المقومات الأساسية للحياة الإنسانية واستمراريتها، فهذه المواد يجب تقنين استهلاكها وتحديد حجم إنتاجها على كل المستويات, وفقا للحاجات الفعلية وليس للهو ولا لتوفر أسعارها مع الأفراد أو المؤسسات أو المنظمات أو حتى مع الأباليس في جميع الحالات.
فكفاكم خداعا يا أبالسة التاريخ, لأن ذلك لن ينجيكم أبدا بعد أن سقط الكثيرون منكم في العالم وأنتم لا تتعظون. الشعوب تعرفكم وتراكم جيدا وقد دمرتم مستقبلها وسوف تدرك حجم المآسي الضخمة التي صنعتموها لها قريبا جدا وسوف تندمون عندما لا ينفع الندم أحد، وأدعو الشرفاء الحقيقيين في العالم ليقولوا كلمتهم فيما يخص حياة الشعوب.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*