كوارث وتناقضات مرحلة ما بعد النفط

كوارث وتناقضات مرحلة ما بعد النفط
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم
موقع الركن الأخضر (2006)

– تصور بأنك لا تستطيع الذهاب إلى عملك ولا لزيارة أهلك, لأن كافة أنواع السيارات والناقلات قد توقفت.
– تصور بأنك لا تستطيع طهي طعامك ولا تدفئة منزلك, لعدم وجود أي نوع من أنواع الطاقة الحرارية.
– تصور بأنك لا تجد الغذاء ولا الدواء ولا اللباس لتشتريه حتى ولو كان لديك المال الكافي, لأنها غير موجودة.
– تصور بأنك لا تجد مياهاً في منزلك لا للشرب ولا للطهي ولا للغسيل, لأن المضخات قد توقفت.
– تصور بأن شوارع المدن قد امتلأت بالقمامة, لأن كافة أنواع الآليات قد توقفت.
– تصور بأنك لن تسمع أي خبر من أي مكان في العالم, لأن كافة محطات التلفزة والراديو قد أغلقت.
– وتصور الكثير الكثير من مصائب المستقبل القريب, وبأنك لن تكون قادراً على الاستمرار في الحياة الطبيعية!
فما هو رأيك؟
لقد أدى استخدام النفط خلال الفترة الزمنية القصيرة الماضية إلى تغيير الاقتصاد العالمي والبنى الاجتماعية والسياسية وكذلك الأساليب الحياتية للإنسان بشكل أكبر بكثير جداً مما أدى إليه استخدام أية مادة أخرى في العالم. إلا أن المصادر النفطية العالمية محدودة, وأن بداية الوصول إلى ذروة الإنتاج النفطي العالمي وكذلك هبوط المخزون النفطي العالمي غير القابل للتعويض أصبحت قريبة وواضحة للعيان.
فالنفط ومنذ بداية القرن الماضي أصبح جزءاً أساسياً في الصناعة والحياة الزراعية وكذلك في هندسة الحياة الإنسانية بشكل واسع، فبواسطة المشتقات النفطية مثل الغاز والكيروسين والمازوت والبنزين تسير أكثر من 600 مليون سيارة في العالم. وبالرغم من أن المصادر النفطية محدودة فإننا نستهلك النفط بوتيرة تعاظمية طردية، فما هي تلك المصائب والأزمات التي تنتظرنا في مستقبل ما بعد النفط والناجمة عنه؟ وكيف ستكون البعض من المظاهر الأساسية للحياة البشرية في ذلك الوقت؟
لقد كُتب بشكل مفصل القليل حتى الآن عن مصائب ما بعد النفط, ويبدو أن البعض من الناس يعتقدون بأن هذا لن يحدث وبأن النفط سوف يبقى حتى الأبد, وعلى الأقل ليس في زمانهم، إلا أن معظم الحكومات والمجتمعات البشرية وبشكل واسع سوف تواجه أزمات ضخمة عند قدوم ذلك الزمن القريب، وأن بداية زمن ما بعد النفط غير القابل للتراجع قادم لا محالة لأن حقيقة واحدة تجعل هذا الموضوع واضحاً جداً، فالعالم يستخدم حاليا حوالي 27 مليار برميل من النفط سنويا, ولكننا نجد أن المكتشفات في الحقول العالمية الجديدة أقل من 6 مليار برميل من النفط سنويا (أي أن حوالي 21 مليار برميل من النفط تستهلك سنويا من المخزون العالمي المتراكم). فالعالم قادم أيضاً على فقدان الصناعة النفطية لا محالة, ولكن ماذا عند ذلك؟
إن حقيقة أن الإنتاج العالمي من النفط سوف يتزايد ليصل إلى ذروته العظمى ثم يبدأ بالتناقص غير قابلة للنقاش، وإذا كانت الآراء الأكثر تفاؤلا في هذا الخصوص صحيحة وأن الإنتاج العالمي سوف يصل إلى ذروته العظمى بعد فترة أطول قليلا مما يتوقعه حاليا معظم المتخصصين فإن هذا سوف يزيد من حدة المصائب لأنه يعني أن بداية هبوط الإنتاج العالمي للنفط سوف تحدث عندما يكون عدد سكان العالم قد تضخم أكثر منه في حال لو بدأ الهبوط الإنتاجي في وقت مبكر، وعندها سوف تصبح عملية تكييف الحياة الإنسانية بدون النفط أكثر صعوبة.
فالبحث عن أنواع المصائب التي ستحل في مرحلة ما بعد النفط يؤدي إلى دراسة عدداً ضخماً من مظاهر العالم الهامة، وسوف يكون لهبوط الإنتاج العالمي من النفط تشعبات كثيرة من التأثيرات وستتغير الاقتصاديات العالمية والبنى الاجتماعية وكذلك أساليب الحياة الخاصة للإنسان من جديد. وقد حدد الباحثين أمرين أكثر أهمية في هذا الموضوع وهما:
– تأثير هبوط الإنتاج العالمي من النفط على الدول التي يعتمد اقتصادها وبشكل كامل على النفط.
– تأثير هبوط الإنتاج العالمي من النفط على الإنتاج الزراعي العالمي مما يؤدي إلى عدم كفاية المنتجات الزراعية لتغذية السكان.
فمن المعلوم أن بعض الدول أصبح اقتصادها تابعاً وبشكل كامل لإنتاجها النفطي, فماذا سيحل في اقتصادها وبنيتها الاجتماعية المبنيين وبشكل كامل على أساس الثروة النفطية غير القابلة للتجديد أو الاستعادة بعد النفاد؟ وهكذا ستكون ظروف الدول الخليجية مثل الكويت والسعودية والعراق وقطر والإمارات والبحرين وعمان. أما إيران وفنزويلا اللتان تملكان إمكانيات زراعية متواضعة نوعاً ما ولا تعتمدان بشكل كامل على إنتاج النفط, فان كلا الدولتين تحصلان على معظم القطع النادر (العملات الأجنبية) من خلال بيعهما للنفط. وكذلك فإن ليبيا وبروناي تعتمدان وبشكل كامل على إنتاجهما النفطي.
لقد أحدثت الثروة النفطية تغيرات كبيرة في هذه الدول. وكانت هذه التغيرات أسرع وأعمق من أية تغيرات حدثت في أي بلد في العالم خلال أي زمن في التاريخ. ففي المملكة العربية السعودية حدثت عملية نقل من مجتمع البداوة إلى مجتمع غني ومنظم في أقل من 60 عاماً. وينطبق هذا إلى حد بعيد على كل الدول التي أصبحت غنية حديثاً بالنفط. وقد كانت كل شعوب هذه الدول تحت التنمية قبل حصولهم على الثروة النفطية. فلم يكن هناك أي برنامج حكومي لتطوير المجتمع, ولم يكن هناك سوى بعض المواقع الطبية المحدودة جداً, وكانت البنية التحتية للطرقات ضعيفة وكذلك وسائط النقل الخاصة والعامة, وكانت الطاقة الكهربائية شبه مهملة.
فقد جلبت الأموال النفطية معها تغيرات اجتماعية واقتصادية ضخمة لهذه الدول، وبالإضافة إلى أمور كثيرة فقد دشنت مختلف البرامج الاجتماعية التي كانت جميعها مصممة لخدمة ومساعدة المواطنين بمعايير حياتية عالية، وقد تضمنت تلك البرامج تقديم المعونات الغذائية والمساعدات الطبية المجانية أو الرخيصة، وفي الدول التي يغلب عليها التصحر فإن استيراد المواد الغذائية وتقديمها كمعونات للسكان كان تغيراً ساراً عن الواقع السابق الذي كانت فيه المواد الغذائية محدودة، ولكن ما هي النتائج التي تم الحصول عليها؟
فبعكس الفكرة العامة التي تقول بأن زيادة الرخاء الاقتصادي يؤدي إلى انخفاض معدل الولادة وانخفاض درجة الزيادة السكانية, فقد أثبت عدد من الدراسات أن التطور الاقتصادي يمكن أن يؤدي إلى تحفيز الزيادة السكانية، فكلما كانت التوقعات المستقبلية أفضل للإنسان كلما سمح بزيادة عدد أفراد أسرته, ويعني تحسين الرعاية الصحية توفير معدل أعلى للبقاء وهبوط معدل الوفيات، فبفضل البرامج الاجتماعية المدعومة بالأموال النفطية وكذلك التقاليد الإسلامية في حيازة عوائل ضخمة فقد ارتفع معدل الزيادة السكانية في دول الخليج وليبيا أيضا عن المتوسط العالمي الذي يعادل1.6 %. فمثلا إن معدل الزيادة السنوية وكذلك الزمن اللازم لتضاعف عدد السكان في السعودية وليبيا 4.1 % (تضاعف عدد السكان يحدث كل 17 سنة), الكويت 6 % (تضاعف كل 11.6 سنة), قطر 6.5 % (تضاعف كل 10.7 سنة), الإمارات العربية المتحدة 7.3 % (تضاعف كل 9.6 سنة). ونتيجة لهذا الارتفاع في معدل الزيادة فان حوالي نصف السكان في العالم العربي أعمارهم أقل من 15 سنة. ويبشر هذا باستمرار هذا الارتفاع في معدلات الزيادة السكانية أو حتى ارتفاعها عما هي عليه الآن خلال العقدين القادمين (Fernea 1998).
وبالرغم من أن دول الخليج تملك حاليا معظم النفط العالمي فإنها سوف تتعرض إلى هبوط في إنتاجها النفطي مع الزمن، وقد تلطف زيادة أسعار النفط من حدة التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن هذا الهبوط في الإنتاجية, إلا أنه من المحتوم أن الدخول النفطية سوف تنخفض لتصبح غير هامة في المستقبل مع الاستمرار في استنزاف الحقول النفطية، فالرخاء الاقتصادي وما رافقه من أيام سعيدة حدثت في الدول الغنية نفطياً وما زالت حتى الآن سوف ينتهي، فزيادة الدخل النفطي السنوية بدأت تصبح أقل من السنوات الماضية وأن عدد السكان مستمر في التزايد، ففي حالة المملكة العربية السعودية التي تملك أضخم مخزون نفطي في العالم قد أعلنت حكومتها عمليا العجز المالي واختصرت مختلف البرامج الاجتماعية والإعانات المالية.
والسعوديون يعلمون محدودية مواردهم النفطية ويقولون: والدي ركب الجمل, أنا أقود السيارة, ابني يركب طائرة نفاثة وابنه سوف يركب الجمل. فبدون بعض القواعد الاقتصادية الأخرى (غير النفط) والتي لا يُرى حتى الآن أي منها, فان تعديلات هائلة سوف تفرض على الأساليب الحياتية للإنسان ومن المعتقد أنها ستصيب حجم السكان أيضا، ولن يكون الأمر سهلا.
الكويت الذي تبلغ مساحته أقل من 7 آلاف ميل مربع يملك نفطاً أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية التي تبلغ مساحتها 3.5 مليون ميل مربع. في الكويت لا توجد ضريبة دخل الإسكان, والمنافع الأخرى متبرع بها والعناية الصحية مجانا, وتعطي الدولة كل زوج (شاب وشابة) أثناء زواجهم أكثر من 7000 دولارا أمريكيا. وتملك الكويت طائراتها الخاصة وطرقها الجوية حيث تقلع طائراتها بوينغ 747 بشكل دوري من نيويورك ولندن إلى الكويت. وقد بنت الحكومة ملعباً للتزلج على الجليد بحجم أولمبي, ووظفت حجما كبيرا من الأموال في الخارج وأصبحت حاليا تربح أموالا من تلك التوظيفات (بما فيها سلسلة المحطات الغازية) أكثر مما تحصل عليه من التصدير المباشر للنفط، ويأمل الكويتيون في أنه عندما يستنزف نفط بلادهم فان الدخل الذي يجنى من هذه التوظيفات سوف يستمر في دعم أسلوب الحياة الكويتية، إلا أن المحطات الغازية في الخارج قد لا تجني أرباحا كبيرة في المستقبل وأن معدل الزيادة السكانية التي تتضاعف حاليا كل 11.6 سنة قد تفوق معدل نمو الدخل القادم من التوظيفات الخارجية، والكويت لا تملك عمليا قاعدة زراعية وأن جميع مصانعها قائمة على أساس نفطي (بتروكيميائية). فالكويت أصبح دولة رفاهية مدعومة بالنفط أكثر من أية دولة خليجية أخرى.
أما فنزويلا التي تملك أكثر من نصف المخزون النفطي في جنوب أمريكا, فلديها أيضا عدداً من البرامج الاجتماعية المدعومة بواسطة الأرباح النفطية، ولكن مع مراجعة الأحداث فإننا نرى أنه في عام 1989 عندما تداعى الدخل النفطي قليلا غيرت الحكومة أساليب صرفها المجانية، وحدث نتيجة لذلك العديد من الاضطرابات والمشاكل الاجتماعية (ارتفاع الأسعار, اضطرابات, اعتقالات الخ). وفي عام 1996 ونظراً لتداعي الاقتصاد الفنزويلي طلبت الحكومة قرضا بقيمة2.5 بليون دولار أمريكي من الاعتماد المالي العالمي.
فالأرباح النفطية في فنزويلا لم تستطع التماشي مع الزيادة السكانية, وكذلك ارتفاع كلف كافة الخدمات الاجتماعية الناجم عن ذلك, والتي حددت سابقا خلال أعوام الدخول النفطية الغنية، فالإنتاج النفطي ازداد وازدادت الأرباح, إلا أن الزيادة السكانية تغلبت على الاقتصاديات النفطية، ومن المتوقع أن يصل الدخل النفطي الفنزويلي إلى قمته خلال هذه السنوات، وأن نسبة الزيادة السكانية تعادل 3.5 % سنويا، ويعني هذا أن عدد السكان يتضاعف خلال 20 سنة, ولكن سوف يهبط الإنتاج النفطي خلال مضاعفة عدد السكان القادمة.
وإن الأهم في هذا الموضوع هو التاريخ الذي سوف يصل فيه الإنتاج النفطي العالمي إلى الذروة ثم يبدأ عندها بالهبوط غير القابل للتراجع أو التعديل، وعندها سوف تُقلص وتُختصر كل البرامج والخدمات الاجتماعية والاقتصادية، ووفقا لأغلبية الدراسات الحديثة فإن تاريخ ذروة الإنتاج النفطي العالمي سوف تحدث مابين عامي 2003 و 2020. وقد أعلنت وكالة الطاقة العالمية في عام 1998 أن بلوغ الذروة في الإنتاج النفطي العالمي سوف يحدث مابين عامي 2010 و 2020. هذا وقد أعلنت دراسة أعدت مؤخرا أن تاريخ بلوغ الذروة الإنتاجية للنفط في الدول التي تعتمد عليه بشكل أساسي يقدر كالتالي(Duncan & Youngquist 1998) : الكويت 2018, عمان 2002, سوريا 1999, الإمارات العربية المتحدة 2017, اليمن 2002, المملكة العربية السعودية 2011, فنزويلا 2005, قطر والبحرين وإيران وليبيا وبروناي تجاوزوا الآن ذروة إنتاجهم. ولطف هبوط الإنتاج في قطر وجود التوضعات الغازية الضخمة التي يجري تطويرها حاليا. وبدت مظاهر القلق واضحة في البحرين وإيران بعدما أثر الهبوط في الدخل النفطي على مستويات الحياة في هذين البلدين، وقد تخطت إيران ذروة إنتاجها في عام 1973. ومع الزيادة الحالية في عدد السكان التي تفوق بكثير إمكانيات دعمها بواسطة الدخل النفطي المتدني مع الزمن فإن إيران ستكون بعد سنوات قليلة الدولة الخليجية الغنية نفطياً ولكن الأكثر فقراً مما كانت عليه منذ 20 عاماً سابقاً، فالتزايد السكاني يؤدي إلى إضعاف فاعلية الثروة النفطية الممكنة للدول.
وقد كان من المتوقع أن يصل العراق إلى ذروة إنتاجه في عام 2011, إلا أن هذا قد تأجل نتيجة للضغوط والمضايقات الأمريكية والبريطانية له، ولكن من الواضح الأذى الحياتي الذي لحق ولا زال يلحق بالمواطنين العراقيين نتيجة لهبوط الدخل النفطي, حيث أنهم أصبحوا يفتقرون إلى أبسط الأسس الحياتية وخصوصا الغذاء والدواء, بعدما كان مستوى حياة الفرد فيه من أعلى المستويات في العالم، فكيف سيتمكن العراق من دعم مواطنيه عندما يتبقى لديه القليل من النفط أو عندما يستنزف النفط بكامله منه؟ فالنفط العراقي يحقق 99 % من الدخل القومي للقطع النادر (العملات الأجنبية), ومع ذلك فهم الآن لا يستطيعون توفير حتى المواد الغذائية اللازمة للمواطنين، فهل ستقوم باقي دول العالم بتغطية حاجة الشعب العراقي وإلى الأبد عندما يصبح العراق خالياً من النفط؟ أم أن الدول التي عادة تقوم بتصدير المواد الغذائية سيكون لديها فائضا من الحبوب للبيع حينها؟ إن تأثير نضوب النفط والغاز العالمي على مجمل الإنتاج العالمي للمواد الغذائية لا يمكن تجاهله، وأن هذا التأثير سوف لن يقتصر على الدول الغنية بالنفط والتي تعتمد عليه بل إنه سيطال العالم بأسره, ولذلك فإن هذا التأثير يملك أهمية حيوية بل وقاتلة في المستقبل، وقد وصف (Bartlett 1978) هذا الموضوع ببلاغة قائلا: إن الزراعة العصرية هي استخدام الأرض لتحويل النفط إلى غذاء.
لقد أحدثت العناصر الثلاثة التالية: المكننة والبتروكيماويات والهندسة الجينية (علم الوراثة) ثورة خضراء, حيث أدت إلى زيادة هائلة في المنتجات الزراعية خلال القرن الماضي، وأن عنصرين من هذه العناصر الثلاثة (المكننة والبتروكيماويات) تعتمد على النفط والغاز الطبيعي. فالمكننة أعطت إمكانيات هائلة في استخدام مساحات واسعة من الأراضي في الزراعة لا يمكن تعويضها بواسطة الأحصنة أو سواها، فالجرارات والمحركات الزراعية والحصادات وسواها, وجميعها تعتمد على المواد النفطية (المازوت والبنزين والزيوت والشحوم) التي سوف تتوقف إن نضب النفط، والشاحنات والباصات والطائرات وسيارات النقل العامة والخاصة وسواها أيضا سوف تتوقف، ولن يكون هناك أية إمكانية لاستخدام الأراضي النائية أو التي تحتاج إلى مياه من مناطق أخرى أو من أبار عميقة، فمضخات نقل وضخ المياه سوف تتوقف أيضا، وسوف تتوقف العنفات التي تعمل بواسطة المواد الهيدروكربونية (الغاز, الكيروسين والمازوت) لتوليد الطاقة الكهربائية، وسوف تتوقف كافة المصانع والمعامل الممكننة, ومنها المخصص للألبسة والمواد الغذائية والطبية وغيرها أيضا. وسوف تتوقف أيضا على سبيل المثال فقط وليس الحصر جميع الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية والأدوية إلى المدن والمناطق النائية وتلك أيضا الخاصة بنقل الفضلات والأوساخ وتنظيف المدن والتي تعتمد جميعها على المواد البترولية، وحاليا على سبيل المثال أيضا يقوم في الولايات المتحدة الأمريكية 2 % فقط من العاملين فيها بإنتاج كل المواد الغذائية اللازمة للأمريكيين, في الوقت الذي تشكل فيه أمريكا أكبر دولة مصدرة للقمح في العالم، وأن كل هذا أصبح ممكناً بواسطة النفط والغاز الطبيعي.
ولمعظم الناس علاقة أساسية بالنفط والغاز الطبيعي كمصدر للطاقة لتدفئة المنازل والطهي واستخدام السيارات، وأن للنفط والغاز الطبيعي دورا مهما جداً في الزراعة أبعد بكثير من دورهم في تشغيل المحركات والآلات الزراعية، ويتمثل هذا في تلك السلسلة الطويلة من المواد المصنعة من النفط والغاز لتسميد الأراضي والمبيدات والأدوية اللازمة لمعالجة الأمراض الزراعية ولضبط الإنتاجية وجودة المنتجات، وأن الأسمدة الأكثر انتشارا واستخداما هي من مركبات الأمونيا المصنعة من الغاز الطبيعي، فانعدام هذه المواد سيؤدي إلى هبوط كبير في الإنتاجية الزراعية وكذلك إلى سوء في الجودة عبر العالم، وقد لخص هذا الموضوع (Fleay1995) على الشكل التالي: يعتمد القسم الأعظم من سكان العالم على المواد الغذائية المنتجة من الزراعات عالية الإنتاجية والتي تحقق باستخدام الوقود، ويستطيع العالم تحمل إطعام 3 بلايين إنسان فقط بدون هذه الإنتاجية (علماً بأن عدد سكان العالم اليوم يعادل 6.5 بليون نسمة), والبترول هو المفتاح الرئيسي ….والمصدرين الرئيسيين للحبوب في العالم هم: الولايات المتحدة الأمريكية, كندا, أوربا, استراليا والأرجنتين – وتعتمد جميع هذه الدول في زراعتها وبشكل هائل على المواد البترولية.
فقد عرفت الإنسانية الجوع وتعلم بأنه موجود حاليا. وتسيطر الآن في العالم نزعتان متعارضتان: الأولى أن عدد السكان يزداد عالميا بوتيرة مدهشة – بحدود ربع مليون يوميا, وتعتمد الإنسانية ويزداد اعتمادها على النفط والغاز الطبيعي من أجل إنتاج المواد الغذائية. والثانية أن نهاية استنضاب النفط والغاز الطبيعي أصبحت واضحة للعيان. فاليوم نحن لا نعيش فقط في شبح الأراضي وإنما في شبح القرن – القرن الماضي الذي تم فيه اكتشاف الجزء الرئيسي من المكامن النفطية والغازية، هذه المواد التي تشكلت خلال أكثر من نصف مليار سنة في القشرة الأرضية نستهلكها بسرعة فائقة خلال أقل من 200 عام، والسؤال الآن ما هي البدائل؟
يمكن تصنيف بدائل النفط إلى مصادر قابلة للتجديد ومصادر غير قابلة للتجديد، وبالتأكيد فإن المصادر القابلة للتجديد هي التي يجب أن تغطي الثغرة التي سيحدثها الهبوط في إنتاجية النفط والغاز. أما المصادر غير القابلة للتجديد فهي أيضا سوف تنتهي في مرحلة ما بعد النفط, وهذه تتضمن الفحم, الطاقة الذرية, الرمال النفطية, النفط الغضاري (الذي لم يستخدم حتى الآن), طاقة الحرارة الجوفية والطاقة الكهربائية المولدة هيدروليكيا. وهنا لابد من ملاحظة أن كافة السدود سوف تمتلئ بالطمي يوماً ما, وقد أظهرت جميع مواقع إنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام الحرارة الجوفية بعض الهبوط في إنتاجيتها بدرجات مختلفة أقل وأكثر. وعلى المدى الطويل سوف لن تبقى مصدراً قابلا للتجديد لا الطاقة الكهربائية المولدة هيدروليكيا ولا الطاقة الكهربائية المولدة بواسطة الحرارة الجوفية. وأما المصادر القابلة للتجديد فهي تتضمن: الرياح, الطاقة الشمسية, الكتل البيولوجية, المد والجزر, تحويل الطاقة الحرارية للمحيطات وقد يكون كذلك المصهور البركاني الذي لا زال غير ممكن الحصول عليه حتى الآن.
وإذا ما قمنا باختبار البدائل المقترحة للنفط فإنه سوف تظهر لنا حقيقتان أساسيتان، أولا: إن استخدام النفط والغاز كمصدر لإنتاج أعدادا ضخمة من المواد تقدر بعشرات الآلاف من المواد البتروكيميائية متضمنة السماد ومبيدات الحشرات الهامة, فإننا سوف نجد بأن كافة البدائل غير منافسة. ثانيا: إن الطاقة هي الطاقة المعقولة وذات المعنى الذي يمكن من تأدية العمل المطلوب. والمفهوم العام أن نوعا من أنواع الطاقة مثل الكهرباء يمكن أن يعوض نوعا أخر مثل البنزين. إلا أنه من الواضح أن هذا المفهوم غير دقيق لأن جالوناً من البنزين يملك من الطاقة المساوية للطاقة الموجودة في بطارية كهربائية عادة وزنها طن واحد. وأن الإمكانية الفيزيائية لتخزين الكهرباء لا يمكن أن تضاهي إمكانية تخزين البنزين الملائمة, حيث أن خمسة جالونات من البنزين يمكن حملها في حالة الحاجة لها مئات الأميال إلى المناطق النائية ليتم استخدامها في نفس السيارة. والمكافئ الكهربائي لهذه الجالونات الخمسة من البنزين قد يعادل مجموعة بطاريات كهربائية تزن أطنانا عديدة. فإن عدم إمكانية استبدال الوقود بسهولة في أماكن استخدامه يشكل المشكلة الرئيسية. وحتى الآن لا يوجد أي وقود أو طاقة لتشغيل آلية زراعية ضخمة أو متوسطة ولا حتى بمحرك صغير ماعدا البنزين والمازوت. فالنفط بقابليته للاستخدامات المتعددة والملائمة للخزن والنقل في وإلى مواقع الحاجة (محركات بكل أحجامها, نافع في كل الظروف المناخية, قابل للتخزين لفترات طويلة في المناطق النائية) لا يماثل بأي مصدر أخر للطاقة.
يُطرح أحيانا الزيت المستخرج من النباتات كمصدر وقودي ليحل مكان النفط, إلا أن دراسات واسعة نفذها Giampietro وغيره (1997) وصلت إلى التالي: إن إنتاج الوقود البيولوجي بكميات ضخمة ليس البديل للاستخدامات النفطية الحالية, وحتى أنه لا يشكل فكرة يمكن النصح بها لتعويض كميات معقولة من النفط، فالحقائق من تجربة مادة الإيثانول مثال على ذلك. فالإيثانول مادة كحولية تستخرج من النباتات (غالبا من الذرة) وتستخدم حاليا خصوصا في شكل (Gasohol) خليط من 10 % إيثانول و 90 % بنزين. ونظراً إلى أنها تستخدم بحدود ما (غالبا بتفويض فدرالي في أماكن محددة وبأوقات محددة) فقد شاع ظن بأن الإيثانول مقبول جزئيا لحل مشكلة وقود الآلات. علما بأن الإيثانول هو طاقة سلبية لأن في تصنيعه يجب صرف طاقة أكثر من الطاقة التي يعطيها بعد التصنيع، وقد صرح Pimentel 1998)): أن إنتاج الإيثانول هو مضيعة لمصادر الطاقة .. وأن هذا لكون إنتاج الإيثانول يحتاج إلى طاقة أكثر مما هو متوفر في الإيثانول المنتج (وغالبا ما تكون الطاقة المصروفة من وقود متحجر عالي الصنف). وبالتحديد يحتاج إلى صرف 71 % طاقة أكثر مما هي متوفرة في جالون إيثانول لإنتاج هذا الجالون.
بالإضافة إلى ذلك فإنه لا يمكن اعتبار إنتاج الإيثانول من الذرة بأنه طاقة قابلة للتجديد, لأن في إنتاجه تستخدم العديد من مصادر الطاقة غير القابلة للتجديد. وقد حدد Pimentel النتائج السلبية في تلويث البيئة من إنتاج الإيثانول من الذرة وقال: سوف تؤدي زيادة إنتاج الإيثانول من الذرة إلى زيادة الهبوط في إنتاج الزراعات الرئيسية وكذلك انخفاض المنابع المائية, وسوف يشارك هذا وبشكل فعال في تلويث البيئة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يؤدي إنتاج الذرة إلى تخريب التربة بعشرين ضعفا أسرع من زمن تشكلها. أي أن التربة الخصبة التي تشكلت خلال 1000 سنه على سبيل المثال يمكن تخريبها خلال 50 عاما فقط.
ومن المهم أيضا التنويه إلى أن المنتج النهائي للعديد من منابع الطاقة البديلة مثل: الطاقة النووية والطاقة الهيدروليكية (السدود) وطاقة الرياح والطاقة الشمسية وطاقة الحرارة الجوفية وكذلك المد والجزر هي عبارة عن طاقة كهربائية, وهذه لن تكون بديلا للنفط والغاز الطبيعي في أدوارهم الهامة كمواد خام لإنتاج العديد من المواد ابتداء من الألوان والمواد البلاستيكية وحتى المواد الطبية والحبر وسواه. ولكن على الأغلب أن الاستخدام الأكثر حيوية من كل تلك المواد هو صناعة الكيماويات التي تشكل أساسا للزراعة الحديثة, فالكهرباء ليست البديل.
وقد نشر حديثا عرض لكل البدائل الممكنة للنفط والغاز الطبيعي، وتقول النتائج التي تم التوصل إليها أنه لا توجد بدائل معروفة كاملة للنفط في استخداماته المختلفة حتى الآن (Youngquist, 1997). وقد أعطى العالم البريطاني المشهور (Sir Crispin Tickell, 1993) نفس النتيجة, حيث قال: لقد حققنا القليل جدا لخفض اعتمادنا على النفط الذي يأتي من منابع محددة والذي لا توجد له بدائل شاملة في المستقبل المنظور. فالعالم بكامله يتوقف اقتصاده وبناه الاجتماعية على أساس الثروات غير القابلة للتجديد. ولذلك فان النتائج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهذه الحقيقة ستكون هائلة ومرعبة.
فمع المعدل الحالي للزيادة السكانية في الوقت الذي تجف فيه المنابع النفطية, سوف يصبح عدد السكان في العالم أكثر بكثير مما هو عليه الآن, وقد يتضاعف. والنتيجة المحتومة فان الوضع سيكون غير قابل للتحمل مقارنة بمستويات الحياة والتخديم الغذائي في أيامنا هذه. وقد جاء في تصريح (Pimentel and Giampietro 1996) أنه حتى لو تضاعف الإنتاج الغذائي ثلاثة مرات خلال الأربعين عاما القادمة فانه سيكفي الحاجة الأساسية فقط ل 11 بليون نسمة من البشر اللذين سيقطنون الأرض في تلك الأثناء. ولنتمكن من الحصول على هذا الإنتاج فانه يتطلب صرف حوالي 10 أضعاف مجمل الطاقة المصروفة على الإنتاج الغذائي اليوم. فالزيادة الضخمة في الطاقة المصروفة على الإنتاج الغذائي تأتي لتعويض الهبوط المتزايد في المحاصيل الإنتاجية الناجمة عن التآكل والتعرية في التربة وكذلك الضرر الناجم عن الحشرات.
وان كل هذه الطاقة اللازمة يجب أن تأتي من النفط والغاز الطبيعي. ولذلك فان التناسب الموجود حاليا بين عدد السكان والموارد النفطية والغازية لن يكون موجودا في المستقبل. فالنفط والغاز الطبيعي سوف ينتهيان أخيرا. وحتى لو استخدمت أفضل الطرق للمحافظة عليهما وكذلك خفض استخدامهما, فان هذا لن يكون سببا في إطالة هامة لزمن وجودهما, وان خفض استخدامهما شيء غير محتمل لزيادة الحاجة في إنتاج المواد الغذائية لتغطية الزيادة السكانية في العالم. وان هبوط استخدامهما سوف ينجم فقط عن هبوط إنتاج هاتين المادتين الهامتين في العالم – النفط والغاز. وبالرغم من أنه من الصعب تصور مستقبل ما بعد النفط بدقة, فانه لمن الممكن توقع البعض من مظاهر تناقضات ما بعد النفط ولدرجة كبيرة من اليقين:
– سوف تستخدم كل مصادر الطاقة الممكنة اقتصاديا, إلا أنها لن تستطيع أن تشكل بديلا كاملا للنفط والغاز الطبيعي في استخداماتهما المتعددة. وسوف يشكل عدم إمكانية استبدال هاتين المادتين في الصناعة الزراعية أهم المشاكل, وقد يكون هذا الأمر غير قابلا للحل.
– تحدث العديد من العلماء عن ضرورة وضع خطة لخفض عدد السكان في العالم من أكثر من 6.5 بليون نسمة حاليا إلى حوالي 2 بليون نسمة, وان هذه الخطة يجب أن تبدأ فورا. وإذا لم يتم هذا الخفض فانه سوف تحدث مجاعة عالمية بمقياس ضخم.
– سوف تنخفض وبدرجة كبيرة إمكانية التنقل والتمتع بالسفر بواسطة السيارات والطائرات.
– سوف تصبح أساليب الحياة في الدول التي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة أبسط بكثير مما هي عليه الآن, أما الشعوب التي لا تتمتع باستخدامات عالية للطاقة فلن تخسر كثيرا وقد لا تتضرر لأنها لن تخضع إلى تغيرات كبيرة نسبيا.
– سوف تتركز اهتمامات البشرية بشكل كبير على تأمين الحاجات اللازمة للاستمرار في الحياة, عوضا عن ما هو عليه الحال في أيامنا الغنية هذه, حيث يبحث الإنسان عن وسائل للرفاهية في كل مكان.
– سوف يتزايد اهتمام العلماء والاقتصاديين والسياسيين بالتأثيرات الناجمة عن نضوب النفط. وسوف تعطى الأهمية البالغة لخفض التوترات الاجتماعية والاقتصادية في ذلك الوقت.
إن الوصول إلى الإنتاجية العالمية العظمى من النفط ومن ثم تجاوزها – أي بداية الهبوط, سيكون الحدث الأكثر أهمية في التاريخ البشري, حيث أنه سوف يؤثر على مجتمعات كثيرة من الناس وبطرق مختلفة أكثر بكثير جدا من أي حدث آخر في التاريخ. وأن هذا سوف يحدث حتما وخلال حياة أغلبية البشر الأحياء حاليا. فالوصول إلى ذروة الإنتاجية ثم الهبوط غير القابل للتراجع ليس أسطورة نتحدث عنها. وحتى عام 1998 لم تتنبأ منظمة الطاقة العالمية عن تاريخ الوصول إلى ذروة الإنتاج العالمي للنفط. إلا أنه في شهر آذار من ذلك العام وخلال اجتماع لوزراء الطاقة في موسكو حددت منظمة الطاقة العالمية أنه من المحتمل الوصول إلى ذروة الإنتاج العالمي للنفط مابين 2010 و 2020. ويتفق هذا التوقع مع توقعات أخرى قائمة بشكل أساسي. وربما يكون هذا الإنذار للحدث القادم محفزا للعالم بكامله للانتباه الشديد لخطورته. في الوقت الذي لا تزال فيه وللأسف الشديد العديد من الدوائر السياسية العالمية تتجاهل هذه الحقيقة الخطيرة. فالحكومات تتمتع برؤيا ذات مدى قصير جدا. بالإضافة إلى أن المجتمعات الحديثة قد وصلت إلى قناعة مفادها أنه لن تحدث هناك مشاكل أو أزمات في التاريخ لا تستطيع التغلب عليها. فالتفكير بأن “العلماء سوف يفكرون في شيء ما” يشكل صلاة الأصيل على روح الميت (للتهدئة), وينتشر كفكرة اجتماعية عامة لتجاهل الحقيقة المؤلمة القادمة سريعا لا ريب. فهل سنحصل على أي شيء لإنقاذ البشرية؟
لقد حذر (Pimentel and Giampietro, 1994b) : لا تستطيع التقنيات تعويض الثروات الطبيعية الأساسية مثل: الأغذية, الغابات, التربة, الماء, الطاقة والتنوعات البيولوجية – الأحياء 0000 ويجب علينا أن نكون موضوعيين في تقدير ما تستطيع التكنولوجيا وما لا تستطيع تقديمه لمساعدة البشرية في الحصول على الغذاء وتقديم الموارد الأخرى الضرورية. وفي عام 1994 أدرك Bartlett معنى الرضا الذاتي الأساسي حول المستقبل فكتب: دائما سيكون هناك تفاؤلا تكنولوجيا وقناعة شعبية تظن بأن تزايد عدد السكان في العالم شيء جيد, ويفكرون أيضا بأن استطاعة العقل البشري غير محدودة في إيجاد الحلول التكنولوجية لكل المشاكل والأزمات الناجمة عن الكثافة السكانية والتخريب البيئي ونقص الثروات. وعادة فان هؤلاء المتفائلون ليسوا علماء أحياء ولا فيزيائيين. السياسيون ورجال الأعمال هم فقط تواقون في أن يكونوا متفائلون في التكنولوجيا. وان ما يقوله Bartlett يعني التالي: قد لا نكون كعلماء قادرين على التفكير في شيء ما. وإذا ما أردنا أن نقولها بفظاظة فان العلوم والتكنولوجيا لا تستطيع إنقاذ الجنس البشري بشكل غير محدود ومن أي مأزق في التاريخ يضع نفسه فيه 000 فالمهيمن الآن هو الحجم السكاني, تزايده الطردي الحالي وكيف يمكن دعمه في المستقبل.
فالجدل حول التاريخ الذي ستصل فيه إنتاجية النفط العالمي إلى ذروتها يجب أن يكون ثانويا. والاهتمام يجب أن يوجه إلى حقيقة الاقتراب السريع لكوارث ما بعد النفط لتطوير برامج اجتماعية واقتصادية تمكن الجنس البشري من البقاء ثم بعدها للحصول على درجة مقبولة من الوفرة. وان الوفرة بدرجة مقبولة ضرورية, ولذلك فانه يجب تحديد الحجم السكاني العالمي ليس كعدد السكان الذي يستطيع العالم دعمه وإنما كعدد السكان الذي يجب على العالم دعمه. وقد نفذت عدة تقديرات, إلا أن إجماع العلماء يقول بأن هذا العدد هو أقل بكثير من عدد السكان العالمي حاليا. وان التغييرات الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لتحقيق هذه التسوية بدون اختلاطات أو مخاطر ليست في دائرة اختصاص العالم النفطي أو الكيميائي أو الفيزيائي. إنها مشكلة اجتماعية, اقتصادية وسياسية. فعلى هؤلاء الذين يقودون العالم أولا أن يتفهموا الحقيقة ثم بعدها يتم إقناع المجتمعات البشرية العامة بهذه الوقائع, وعندها سنرى الأفعال المنطقية قد بدأت. وان ما يجب فعله هو شامل, لأننا جميعا نحيا في مجتمعات كثيفة تصبح وبشكل متعاظم غير قابلة للمساندة والبقاء.
ففي كتاب مميز, كتب في عام 1952 من قبل Charles Galton Darwin شرح للتغيرات التاريخية في ظروف الحياة البشرية التي يسميها الكاتب بالثورات، وقد صرح في هذا الكتاب بأن هناك ثورة أخرى واضحة في الأفق: سوف تأتي الثورة الخامسة عندما نستهلك المخزون الفحمي والنفطي الذي تراكم في الكرة الأرضية خلال مئات الملايين من السنين 000 ومن الواضح أنه سيكون هناك اختلافا عظيما جدا في أساليب وطرق الحياة, فعلى الإنسان أن يعدل طريقته في الحياة تعديلا كبيراً. هذا التعديل الذي يمكن وبحق تسميته بالثورة التي تختلف عن كل سابقاتها في أنها لا تملك احتمالات للزيادة السكانية وإنما ربما العكس.
وقد لخص Kennedy كلا من القلق والأمل في المستقبل عام 1993 على الشكل التالي: إنه لمن الواضح أن الحرب الباردة قد تلاشت, ونحن لا نواجه أمرا عالميا جديدا وإنما كوكبا مضطربا وممزق تستحق مشاكله اهتماما جديا من قبل السياسيين والشعوب على قدم المساواة 000 فوتيرة تقدم قوى التغيير وتعقيداتها هائلة ومرعبة. وإذا لم يتم مواجهة هذه التحديات فان الصنف البشري سوف يلوم نفسه فقط على المشاكل والكوارث القادمة. وكما قالAldous Huxley  : إن الحقائق لن تتوقف عن كونها موجودة لمجرد تجاهلها.
ولكل هذا جنت أمريكا, فعلينا أن نعتبر! أطفالنا سوف يتألمون, والأمريكيون هم أنفسهم يتحدثون!!!
وإن كل برميل من النفط يبقى ليوم غد أفضل من ألف برميل نبيعه اليوم.

المصدر: موقع الركن الاخضر.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*