لو لم يتدفق النفط

لو لم يتدفق النفط
د. أسامة عبد الرحمن (2006)

ما الذي يمكن أن يكون عليه الحال، لو لم يتدفق النفط في الأقطار العربية النفطية؟ تبدو الإجابة بديهية على مثل هذا التساؤل، وهي أن هذه الأقطار، ستكون على حالها التي كانت عليها من شظف في العيش، وفقر وفاقة ومشقة في مواجهة أعباء الحياة المعيشية، وإذا أخذ في الاعتبار معدل النمو السكاني فإن الوضع الذي ربما آلت هذه الأقطار اليه، ربما كان أشد عنتاً وشقاء مما كانت عليه.
ومعروف أن هذه الأقطار قد ألفت شظف العيش ومشقته قبل حقبة النفط وإن اضطر بعض القاطنين فيها إلى النزوح خارج الحدود بحثا عن فرص العمل، وسعيا للكسب المعيشي، فهل معنى ذلك أن النفط قد هيأ لهذه الأقطار نعمة نقلتها من الفقر إلى الغنى، ومن شظف العيش إلى ترف العيش؟
لقد هيأ النفط لهذه الأقطار الأسباب للاستفادة من موارده، ولكنها لم تكن مهيأة لتأمين الاستفادة المثلى، ولم يكن لها من الإدراك والوعي ما يجعلها قادرة على استثمار هذه الفرصة التاريخية لتحقيق الآمال العريضة لمستقبل واعد.
كان غياب الإدراك والوعي والمعرفة والعلم، سبباً من اسباب جعلت النفط يبدو بمثابة الغنيمة التي هبطت فجأة على إعرابي يذرع الصحراء فوجدها ثروة ميسورة بين يديه، لا يعرف كيفية الاستفادة منها، ولا يدرك آفاق استثمارها.
ربما كان هذا صحيحا في بداية حقبة النفط، ولكن من المفترض بعد هذه البداية، أن يكون هناك إدراك واع لكيفية الاستفادة من هذه الثروة واستثمارها الاستثمار الأمثل لتحقيق تنمية فعلية شاملة. وإذا كان مفهوم التنمية الفعلية الشاملة، غير مدرك أو مستوعب في البداية، فإنه يفترض ان يكون حاضرا ومدركا ومستوعبا بعد بداية حقبة النفط.
غير انه من اللافت للنظر انه بعد مرور عقود على بداية حقبة النفط، ظل الإدراك لكيفية الاستفادة من هذه الثروة التاريخية قاصرا، وظل الاستيعاب لآفاق استثمارها الاستثمار الأمثل قاصرا، ولذا ما أمكن الاستفادة استفادة مثلى من هذه الثروة التاريخية.
صحيح أنه شيدت الأنفاق والجسور، وتم إنشاء العديد من المرافق، والخدمات بتكاليف باهظة وبإنفاق إغداقي استأثرت بكسب كبير من وراء مشاريعه شركات أجنبية، واستفاد من استفاد من اللاهثين وراء الكسب الكبير والسريع من اصحاب المصالح الفردية. ومع ذلك يقتضي الإنصاف الإشارة إلى أن هذه المرافق والخدمات قد حققت قدرا من الرفاه الاجتماعي وإن تآكلت مظلته تحت وطأة أوجه إنفاق أخرى، وتحت وطأة الدين العام، كما لبت كثيرا من الاحتياجات الأساسية والمتطلبات الأساسية التي تتطلبها المعيشة العصرية. فهل معنى ذلك انه رغم عدم الاستفادة المثلى من هذه الثروة التاريخية فإن النفط قد أنقذ هذه الأقطار من براثن الفقر والفاقة؟
قد يكون ذلك صحيحا إلى حد ما مع أن الفقر والفاقة تئن تحت وطأتهما شريحة ليست بالقليلة العدد، رغم ما يبدو من مظاهر الترف النفطي التي تجسدها المعالم الفخمة المظهر، والسؤال الذي كان مطروحا منذ أمد، انه إن نضب النفط، فماذا بعد النفط؟
ومعروف أن النفط مورد ناضب، سواء طال الأمد أو لم يطل، والأمد ليس بحساب السنين فحسب، ولكن قد تحسمه تطورات تقنية، ربما تأتي فجأة ببدائل فتنضب النفط فعلا، وإن ظل حاضرا، فهل في الإمكان العودة إلى حقبة ما بعد النفط؟
لقد كان العربي قبل النفط، متعودا على مشقة الحياة، وشظف العيش، ولكن بعد أن ذاق شيئا من الترف النفطي، أو أعشى بصيرته سراب النفط، فهل سيكون قادرا على مشقة الحياة وشظف العيش؟
بالطبع هناك مترفون اتخموا خلال حقبة النفط، وهؤلاء سينعمون بما أتخموا به، ولكن يظل هناك الكادحون، وما لهم من قدرهم مفر، وستسأل الأجيال المقبلة عن مستحقاتها، ولن تحصل على شيء منها، وستواجه قدرها وما لها من مفر.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*