ما لا يريدوننا ان نعرفه بخصوص ازمة النفط القادمة

ما لا يريدوننا ان نعرفه بخصوص ازمة النفط القادمة
جيرمي ليغت (2006)
جريدة الاندبننت البريطانية

هنالك في الافق، شبح يتلبس اوروبا. شبح ازمة طاقة سوف تغير مجرى وشكل الحضارة.  وربما كانت ازمة انابيب وامدادات الغاز المصدر من تركيا الى اوروبا عبر اوكرانيا تمثل الحلقة الاخيرة في سلسلة غير منتهية من الاحداث التي تذكرنا يوميا بمقدار اعتمادنا الهائل على الاستيرادات الاجنبية المتزايدة من النفط والغاز.
شهر شباط من العام الماضي 2005 توقع الخبير الاميركي اللامع ماثو سايمونر ان السعودية تسببت عمليا بتدمير حقولها النفطية العملاقة بسبب حالة الانتاج المفرط عليها في الماضي حسب ظاهرة توصف من قبل الجيولوجيين بظاهرة (معدل الحساسية المفرطة) وحسب هذه الظاهرة فان الحقول النفطية التي يتم ضخ مقادير كبيرة من نفطها في اوقات قصيرة قد تتعرض بينها الميكانيكية الى حالة من الشلل. وفي الحالات السيئة فان معظم هذه الحقول النفطية تجنح الى الاسفل وفي النهاية تصبح غير قابلة للاستخلاص منها. وحسب الخبير سايمونز (اذا تسببت السعودية بتدمير حقولها النفظية سواء عن عمد اولا فان هذه الحالة سوف تعني اننا تجاوزنا عمليا ومسبقا مرحلة القمة النفطية في تلك المنطقة).
اذن هل يوجد هناك احتمال ان هؤلاء من معسكر من يضحكون على النكتة مبكرا قد يكونوا مخطئين بخصوص قضية الانتاج النفطي التي تبدو كلها ككابوس ليلي سيىء!؟  لكني عن نفسي لا اعتقد ذلك ابدا. ان من المهم ادراك حقيقة ان معسكر هؤلاء الذين يضحكون على النكتة مبكرا ليسوا مدافعين او مهيجين للامور بحسب اختيارهم. ان هؤلاء يملكون فضلة من الوجدان تجاه صناعة قضوا حياتهم في العمل فيها. وعلى سبيل المثال فان كولن كامبل مؤسس مجموعة دراسة القمة النفطية عمل لا ربعين سنة في مجال الصناعة النفطية قبل ان يتقاعد. اما كريس سكريبارسكي المحرر في نشرة البترول المتخصصة بتجارة وصناعة النفط قضى من جانبه ما يقدر بعقد من الزمن في مجادلة اراء كامبل قبل ان يكتشف صدفة ان تلك الاراء كانت صحيحة!. وحسب قول سكريبوسكي (في العام 1995 لقد بدا كل شيء مثاليا وقد بذلت كل ما استطيع من اجل اثبات خطأ اراء سايمونز لكني فشلت لتسع سنوات متواصلة. وانا الان اقف الى  جانبه في المعسكر ذاته. بل انني اتصور ان سايمونز متفائل بعض الشيء).
من بين اخرين في معسكر من يضحكون على النكتة مبكرا ايضا المدير التنفيذي السابق لشركة اميرادا السيد ريتشارد هارديان وكذلك روجر بنتلي المسؤول السابق في شركة امبريال الكندية النفطية ، وكذلك السيد روجير بوث الذي قضى سنوات حياته المهنية عاملا في شركة شل الذي يعتقد الان ان حصول صدمة القمة النفطية سوف يؤدي الى انهيار اقتصادي كما حدث في العام 1929.
وحسب توقعات كريس سكريبوسكي فان بداية العام 2007 سوف تشهد تقلص امدادات وانتاج النفط في مقابل طلب متنامي على النفط مع  رغبة متصاعدة في ايجاد مصادر نفطية جديدة لتعويض التناقص المستمر بالموجود النفطي ولاجل تلبية ما يمكن من الاحتياجات النفطية العالمية ما بين  الاعوام 2008 – 2012 في حال ثم العثور على مصادر نفطية جديدة والتي يفترض ان تكون موضوعا لمشاريع اليوم – رغم مستقبليتها – حيث يفترض ان نعلم بها من خلال الشركات النفطية المعروضة بولعها وميلها لتضخيم الحقائق امام مالكي اسهمها التجارية بخصوص اي اكتشاف ممكن او محتمل!!

تحذير مسبق
وبالنظر الى الفواصل الزمنية الطويلة نسبيا بين المنشأت الحقول النفطية وتطويرها ثم استنزافها فان من الواضح انه لن يكون هناك ابدا ما يكفي من النفط لاستغلاله والاستفادة منه ما يعني دخول العالم مرحلة حدة القمة النفطية وهناك فضلا عن ذلك ماهو اسوأ حيث ان الذين يعملون في الصناعة النفطية يجب ان يعلموا ذلك ويدركوه جيدا كما انهم لابد ان يقوموا بتحذير حكوماتهم والمستهلكين بخصوص حتمية ازمة الطاقة الماحقة التي تنتظرهم. لكن هؤلاء لا يقومون بذلك للاسف الشديد.
شهر تموز من العام 2004 حاول كل من كاميل وسكريبوسكي نقل تحذيراتهم الى البرلمان البريطاني . وفي الغرفة الشهيرة المسماة بغرفة تاتشر قام الاثنان بعقد ندوة علمية وعملية امام حشد ضئيل من الحضور بمن فيهم 3 فقط من اعضاء البرلمان البريطاني وجملة من الباحثين والمتخصصين .
وقد جلست انا هناك استمع اليهم حيث انتابني شعور لم يسبق ان اختبرته سابقا ابدا في كل سنوات خبرتي وعملي في قطاع الطاقة . وعبر عملي الذي دام لا كثر من عقد من الزمن قضيتها بالنقاشات حول المناخ وتغيراته فقد كان من النادر ان اكون قادرا على الادعاء ان قضية ارتفاع درجة حرارة الارض وتغيرات المناخ المصاحبة لذلك لم تكن لتصل الى ما تتطلبه وتستحقه من الاذان الصاغية. لكن الشيء ذاته لايمكن ان يقال بنفس الطريقة عن قضية نفاذ النفط في العالم اليوم. وهذه بالضبط تمثل نقطة البداية للابحاث التحليلية لهذه القضية الخطيرة القادمة ، فكيف يمكن لادلة مهمة وحساسة مثل هذه ان تمر هكذا بدون اصغاء داخل حكومة تعد المركز بين الحكومات العالمية مع ترافق ذلك وارتفاع كبير لاسعار النفط العالمية فضلا المشاكل الكثيرة الواضحة التي تكتنف النفط وشؤونه التي تختمر حاليا في بودقة الشرق الاوسط؟!
خلال ذلك اللقاء سعى الرجلان لبناء قضيتهما بعمق وقوة حيث تكلم الاثنان عن النتائج السلبية المترتبة على الوصول الى القمة النفطية حيث وصف الدكتور كامبل ذلك بـ (ادراك ان الاضمحلال يلوح في افق النفط وان هذا الشفق في حد ذاته يعد اسوأمن الاضمحلال نفسه) واضاف كامبل (سيكون هنالك ذعر وسوف تستجيب الاسواق حتى اصغرها للعملية بطريقة شديدة وحادة بأسو الاشكال بصورة حالة من اللا اتزان. وسوف ترتفع الاسعار بشدة في غياب قدرة الانتاج الاحتياطية حتى يحصل تقلص في الطلب العالمي بسبب دخول العالم في دورة انكماش اقتصادي كبيرة. وعندها ستدخل جميعا في عهد وحقبة الاسعار الملتهبة القاسية وصدمتها المروعة فضلا عن الانكماشات الاقتصادية بدوراتها المدمرة. ومع حصول كل ذلك فان انهيار الاسواق المالية سيكون امرا حتميا لا مفر منه).
اما السيد سكريبوسكي فأضاف من جانبه (اذا ما استمر تعافي الاقتصاد فان الامدادات سوف تكون متوترة ومشدودة ما بين العامين 2008و 2009  وسوف ترتفع الاسعار ولن يكون هناك وقت لفعل شيء فيما سيجد الكثيرون انفسهم وقد دفنوا رؤوسهم في الرمال!!).
في العام 1956 قام الجيولوجي الشهير من شركة shell العالمية العملاقة المعروفة ام كينغ هيوبرت بعملية حسابية شهيرة تنبأ من خلالها ان انتاج الولايات الاميركية المتحدة من النفط سوف يصل الى قمته النفطية المأساوية في العام 1971. وبشكل تقريبي فان احدا لم يصدق هيوبرت. ثم قامت شركة shll بارسال نسخة من تقرير هيوبرت الى مركز البترول الاميركي الذي قام من جانبه بعد دراستها بتعديل التواريخ لتصل في النهاية الى عبارة (بعد عدة عقود) . ان الاحصاءات والدراسات الجيولوجية تم اجراءها الى الحد الاقصى من اجل رفع وتحريك مقادير ما يمكن استخلاصه من النفط الاميركي الى المستويات التي يمكن معها دفع المشكلة بعيدا في المستقبل. وحسب تلك الدراسات الجيولوجية فان الولايات المتحدة كانت تملك في العام 1961 ما يقدر بـ 590 مليار برميل من النفط الخام ما يعني ان صناعتها النفطية ستستمر بالنمو لـ 30 عاما مستقبليا.
ومضت السنون شيئا فشيئا ووصلت ولايات اميركا المنتجة للنفط الى قمتها النفطية فعلا لكن قبل سنة واحدة من الموعد الذي قدره الجيولوجي الشهير هيوبرت حيث حصل ذلك في العام 1970 عندما تم احصاء ما يقدر فقط بـ  3.5 مليار برميل احتياطيات مثبتة فقط في الولايات المتحدة.

تضاؤل مستمر
ومنذ ذلك الوقت والانتاج النفطي الاميركي في تضائل مستمر حتى وصل الى نصف ما كان عليه ضمن منحني متنازل بثبات . بعد ذلك ثم انفاق المليارات من الدولارات على عمليات استكشاف اكثر تعقيدا حتى شمل ذلك مناطق لم يكن احد ليتصور وجود النفط فيها حتى في مرحلة قمة الاكتشافات النفطية على الارض الاميركية في حقبة ثلاثينيات القرن الماضي مثل المياه العميقة في خليج المكسيك. وفي ما يوصف بنوبة جنون مفاجئة ، شرع البعض بحملة استكشافات محلية داخل الولايات المتحدة بعد الحضر العربي على بيع النفط عام 1973 والاحساس والادراك العام بأن انتاج اميركا النفطي قد لا يكتب له الارتفاع اكثر في المستقبل. وثم تجربة كل اسلوب وتقنية حديثة ومتطورة في مجال الانتاج والاستكشاف في الاراضي  الاميركية . لكن كل تلك الجهود لم تحدث اي اثر يذكر للمنحني الشهير بارتفاعاته وانخفاضاته الذي رسمه هيوبرت واقتنع فكريا به. ان الولايات المتحدة تقف تقريبا في اسفل نهاية نصف ذلك المنحني الانتاجي الان. وبعبارة اخرى فان الولايات المتحدة استهلكت عمليا ما يقدر بـ 3 ارباع ما وهبتها الطبيعة من نفط يمكن استخلاصه فعليا. ومما يضيف الى الموقف السيىء دراماتيكية الموقف الاميركي المستمر المتمثلة باهمال قضية كفاء الوقود وكفاءة استهلاكه فان الولايات المتحدة اصبحت يوما بعد يوم اكثر اعتمادا وحاجة لاستيراد النفط الاجنبي.
وفي خضم كل تلك الاحداث اعتذر وزير الداخلية الاميركي السابق في ذلك الوقت ستيوارث يودال على مساعدته ودعمه لعملية تهدئة الاميركيين باسلوب (هدهدة الاطفال) من خلال الثقة الخطرة والمبالغ بها عندما قبل بنتائج ونصائح الاحصاءات الجيولوجية الاميركية دون تمحيص او استفهام . كما ان الجيولوجي الاميركي الذي قاد عملية الاحصاءات تلك والذي وقف ضد اراء هيوبرت لفترة طويلة ويدعى في اي مككيلفي اضطر تحت الضغط الى الاستقالة من منصبه في العام 1977.
اننا بلا شك بحاجة لتذكر تلك السلسلة من الاحداث وكل النوافذ التي فتحتها علينا بما في ذلك اثرها الفردي والجماعي على سلوكنا عندما نمعن النظر والتفكير في قضية حلول القمة النفطية على عالمنا المعاصر.
ان النموذج الاميركي لتاريخ الاستكشافات والانتاج النفطي ليس سوى دليل مرتخي على حقيقة ما يجري في باقي ارجاء العالم.
في الولايات المتحدة ، تم ذات مرة اكتشاف النفط ومن ثم ضخه بدون بذل جهود حقيقية وكافية لكبح الانفعالات والمشاعر.
ان المنحنيات الخاصة بالانتاج والاستكشاف سوف تبدو مختلفة في تلك الشركات المتكتمة والمؤممة التي تقوم بالنظر في هذا الموضوع في اماكن مثل السعودية التي يوجد فيها الكثير من النفط بحيث يمكن فتح وسد الحنفيات النفطية فيها لفترات طويلة من اجل تعديل وضبط الاسعار.

تكنولوجيا الاستكشافات
ان الدول التي تملك حقولا نفطية برية وبحرية يمكن ان يكون لديها نوعان من التقنيات النفطية ، والسبب في ذلك يعود الى ان التكنولوجيا الخاصة باستكشافات النفط البحرية تم تطويرها في وقت متأخر جدا قياسا بتلك الخاصة بالاستكشافات البرية .
كما ان تلك المنحنيات يمكن ان تتأثر  الى حد كبير بسبب الحروب او بسبب الاحداث السياسية الكبرى وحتى بسبب الحوادث في بعض الاحيان لكن مع ذلك فان الدول واحدة تلو الاخرى اخذة بحذو المنحني الذي رسمه هيوبرت سواء في مجال الانتاج او الاستكشاف . واليوم فان اكثر من 60 دولة في العالم من اصل 65 دولة نفطية تجاوزت عمليا قممها الاستكشافية ، فيما تجاوزت 49 دولة منها قممها النفطية الانتاجية. والولايات المتحدة على وجه الخصوص تعاني هوة كبيرة ما بين العامين 1930 و 1970 حيث ان عمر تلك الهوة 40 سنة فيما عمرت هوة بريطانيا مدة اقصر تقدر 25 سنة بين العامين 1974 و 1999 . ويعود السبب في الفروقات الزمنية بين الولايات المتحدة وبريطانيا الى ان الاستكشافات النفطية في بريطانيا تمت في وقت متأخر جدا بالمقارنة مع ما تم في  الولايات المتحدة عندما تطورت تقنيات الاستكشاف الانتاج كثيرا. لكن مع ذلك فان الامدادات النفطية الى بريطانيا من بحر الشمال لم تستمر طويلا ولاتزال الى اليوم مستوردا اساسيا للنفط الاجنبي من العالم كما هو حال الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية.
وفي زاوية مقابلة فليس من المتوقع ان يكون هنالك اي امل يذكر او يؤمل فيما يخص الغاز . ان حقول الغاز تستهلك مخزوناتها بطرق مختلفة تماما عما هو الحال مع الحقول النفطية حيث ان الغاز متحرك اكثر بكثير من النفط الخام. كما ان من الطبيعي جدا لحقل غاز ان ينتج ما يقدر بـ 70 او 80%  من غازه خلال فترة عمره الانتاجية فيما لا يتمكن الحقل النفطي من الانتاج في الظروف النموذجية لاكثر من 35 – 40% من مخزونه النفطي.
ان المنشآن الخاصة باستخلاص الغاز الطبيعي من باطن الارض تعمل على سحب كميات من الغاز اقل بكثير من طاقة وقدرة الحقول الاجمالية الامر الذي يخلق حالة استقرار نسبية بعمر طويل لتلك الحقول المنتجة. لكن الخطورة في ذلك تتمثل في ان نهاية ذلك الاستقرار الانتاجي تقع عادة بشكل مفاجيء وبلا ادنى انذار. كولن كامبل وهو من معسكر الذين يضحكون مبكرا يحصى من جانبه ان الهبة الطبيعية للكرة الارضية من الغاز الطبيعي تقدر بحوالي 10000 ترليون قدم مكعب – اي ما يوازي 8ر1 ترليون برميل نفط – ومن مجموع ذلك الرقم الاجمالي فقد تم استخلاص ما يقدر بربع تلك الكمية حتى الان. ويتوقع السيد كامبل استمرار حالة الاستقرار الانتاجي بالنسبة للغاز خلال الفترة من العام 2015 الى 2040 وخصوصا بعد العام 2040. اما جين لاهرير فيتوقع وجود ما يصل الى 12000 ترليون قدم مكعب من الغاز بما في ذلك المصادر غير التقليدية التي توازي ترليوني برميل نفط. وفي ضوء هذا الكلام فان لاهرير يعتقد ان لحظة القمة الغازية سوف تقع في العام 2030 عندما يصل الاستهلاك السنوي الى 130 ترليون قدم مكعب في العام الواحد. لكن الارقام الدقيقة ليست ما يستحق ان تقلق بسببه بل ان ذلك القلق يأتي من خلال ان الغاز يشكل مشكلة نقل كبيرة في حد ذاته تتجاوز الدول الى القارات كما هو الحال مع النفط لكن بصورة اصعب.

خمس حقائق رئيسة
في هذه الاثناء فان الحقائق الخمسة الرئيسية بخصوص الاستكشافات النفطية العالمية يمكن ايجازها بالشكل التالي:
1ـ ان اكبر الحقول النفطية في العالم تم اكتشافها قبل اكثر من قرن من الزمان بعد الحرب العالمية الثانية.
وكانت الاكتشافات الاكبر ضمن شبه الجزيرة العربية قد ابتدأت مع اكتشاف حقل برقان النفطي العملاق في الكويت عام 1938. وفي ذلك الوقت كان يفترض ان يضم ذلك الحقل ما يقدر بـ 87 مليار برميل نفط. وتلا ذلك اكتشاف حقل اخر اكبر بقليل هو حقل الغوار في السعودية الذي كان يفترض ان يضم 5ر87 مليار برميل قبل الشروع في عمليات الاستخلاص في العام 1948. ان هذين الحقلين يعدان الاضخم في هذا العالم الى حد هيمنت فيه ارقام هذين الحقلين على الحسابات العالمية منذ ان تم اكتشافهما قبل اكثر من نصف قرن.
2ـ قمة الاستكشافات النفطية العالمية حصلت قبل وقت طويل في العام 1965 لكن.. كم عدد الناس الذين يقدرون ذلك يا ترى؟؟ وفي هذا السياق اود ان اوجه دعوة الى القراء الاعزاء ليقوموا ببحث شخصي في الارقام. قوموا بترتيب 10 من اصدقائكم من ذوي المؤهلات العلمية والدراسية الجيدة. ثم وجهوا لهم السؤال عن توقعهم بخصوص مقادير الارباح بملايين الدولارات التي تجنيها الشركات النفطية. ثم قوموا برواية قصة او اثنتين عن الوسائل التي تتبعها تلك الشركات ثم اسألوهم عن تصوراتهم عن مقادير المليارات من الدولارات التي انفقتها الشركات على عمليات الاستكشاف كل عام، خصوصا ان هذه الشركات تتمتع بمزايا كثيرة مثل توفر الاموال والدعم الضريبي الذي يحصلون عليه ثم وجهوا السؤال التالي : في اي سنة تستطيعون ان تخمنوا ان معظم النفط تم اكتشافه خلالها؟!
3ـ لقد تم فعلا تحقيق بعض الاكتشافات الكبيرة خلال سنوات السبعينيات من القرن الماضي لكن لم يتم حصول اي اكتشاف كبير منذ ذلك الوقت والى الان.
ان الاستثناء الوحيد في هذا الموضوع – وهو الاكبر – حصل مع اكتشاف حقل نفط برودهوي العملاق في ولاية الاسكا الاميركية بما في ذلك نفط بحر الشمال. وفي فترة نهاية السبعينيات كنت طالبا ادرس الجيولوجيا واتذكر جيدا اثر الصدمة المشجعة التي خلفها اكتشاف الحقلين في الاسكا وبحر الشمال الواحد تلو الاخر. ان كلا الحقلين حمل اسما لامعا ومؤثرا مثل فورتيز وبرنت وبايبر. والان فاني انظر الى تلك الحقبة الزمنية الماضية حيث احس بشيء من الانجذاب البدائي يأسرني بقوة. وعندما اصبحت متدربا بعد التخرج كنت استمع الى القصص من هؤلاء الذين سبقوني في العمل بردح من الزمن حيث كنت اتأملهم باعجاب عميق عندما يردون كيف انهم تمكنوا من ايجاد طرائدهم. لكن ما لم ادركه انا ولا هؤلاء الباحثين الاقدم مني ان زمن الاكتشافات الكبيرة كان قد انتهى سواء قبل وقت طويل او قصير مضى.
4ـ ان اخر سنة تمكنا خلالها من اكتشاف نفط اكثر مما استهلكناه مرت قبل ربع قرن مضى من الزمن.
ومنذ ذلك الوقت ورغم كل تلك الاجيال التي دخلت حلبة البحث وكل التكنولوجيا المتقدمة التي استخدمها هؤلاء فاننا كنا جميعا نعمل اكثر وننفق اكثر لكن ما كنا نجده ونكتشفه كان قل ثم اقل بشكل متزايد. وهذه النتيجة تصلح  هي الاخرى لان تكون موضوع اختبار لعشرة من الاصدقاء من ذوي الخلفية العلمية الجيدة كذلك!
5ـ منذ ذلك الوقت ولغاية الان فان الموقف اجمالا يكتنفه تدهور عام ومستمر.
خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي حصلت مجموعة من الاكتشافات النفطية التي بدت في وقتها واعدة لكنها انتهت الى قلة شأنها مع بداية القرن الجديد. فهل يبدو المشهد كعالم وكانه لا يعاني من نفاذ نفطي يلوح في افاق المستقبل المنظور كما تصوره لنا شركات مثل BP و CEO التي اصرت العام الماضي على عدم وجود نقص فعلي في الامدادات النفطية في العالم يا ترى؟! وهل ان هنالك مصادر اخرى ممكنة؟! وهل الناس عبر انحاء العالم تمت تهدئتهم كما يهديء الطفل بأوهاوم عن الامن والاستقرار بخصوص امدادات النفط وتفاصيل مثل ما نشرت شركة BP حول الطاقة العالمية؟ ام هل اننا ببساطة فشلنا في تسليط الاضواء ورفع نبرة التحذيرات امام العالم كما حصل مؤخرا – مثلا – مع اعلنته وزارة الطاقة الاميركية التي تنبأت بان انتاج دول الاوبيك النفطية بين الان والعام 2025 سوف ينخفض بمقدار 11 مليون برميل يوميا عند الوصول الى ذلك الوقت؟؟

سعة الانتاج
لنفرض للحظة واحدة ان معسكر الذين يضحكون متأخرا مصيب في رأيه. وان القمة النفطية سوف تقع في فترة العشرينات او ربما الثلاثينيات من القرن الحالي واننا يمكن ان نستمر قدما في الحصول على امدادات متنامية ورخيصة نسبيا من النفط لعقد او ربما اكثر من الزمن. فان هذا الكلام على تفائله يتضمن وجها اخر للمشكلة وهو: هل ان سعة الانتاج كافية ام لا؟؟
بالنسبة الى الخبير والمحلل في مجال الصناعة النفطية الدكتور ميشيل سميث الاختصاصي اللامع في مجال الجيولوجيا، فان الاخير يعد خبيرا في ما ذكر بكل معنى الكلمة. لقد امضى الدكتور سميث معظم حياته المهنية يعمل في الصناعة النفطية وما يرتبط بها جيولوجيا في بقاع الارض عموما وفي الشرق الاوسط خصوصا.
ويعلق الدكتور سميث عن هذا الموضوع قائلا.. ان قضية الاحتياطيات تعد مسألة ثانوية نسبيا فيما يخص القمة النفطية) ويضيف كذلك.. ان القدرة على الانتاج تعد الامر الاكثر اهمية والمقصود مقدار السرعة التي يمكن من خلالها استخلاص النفط من باطن الارض والتي تمثل مشكلة هندسية اكثر منها جيولوجية.
من مجموع الدول الـ 11 النفطية في الشرق الاوسط فان 5 منها فقط تعد ذات قيمة نفطية فعلية من حيث الانتاج وهي العراق وايران والكويت والسعودية والامارات والتي تعرف احيانا بخماسي الشرق الاوسط. وتنتج هذه الدول ما يصل الى 20 مليون برميل نفط خام يوميا اي ما يقدر بربع الانتاج العالمي. ولو ان الطلب العالمي على انتاج النفط ارتفع خلال الاعوام القادمة بالمعدلات ذاتها التي شهدها العالم في الماضي وهي نسبة 5ر1 % سنويا فان خماسي الشرق الاوسط المذكور سيكون مضطرا لانتاج ما يقدر بثلثي ذلك الطلب العالمي حسب حسابات الدكتور سميث.
ولنا ان نقوم بعملية حسابية بسيطة لنرى ما تستطيع هذه الدول الخمسة القيام به لا اكثر ولا اقل.
اذن اين سيتركنا ذلك ؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*