الحروب العالمية حول الموارد العالمية

الحروب العالمية حول الموارد العالمية
سعد محيو
موقع أخبار سويسرا (13-14 يناير 2006)

(الجزء الأول)
منذ أن بدأت الأحاديث تتواتر في مبنى الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض عن مسألة الانسحابات الأمريكية من العراق، باتت الفوضى في العاصمة الأمريكية هي سيدة الموقف في كل شيء.
رب متسائل هنا: وما الجديد في قيام أمريكا بمحاولة السيطرة على نفط العراق وكل موارد النفط؟
منذ أن بدأت الأحاديث تتواتر في مبنى الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض عن مسألة الانسحابات الأمريكية من العراق، باتت الفوضى في العاصمة الأمريكية هي سيدة الموقف في كل شيء.
في السياسة الداخلية، حيث بات الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، يستخدمان “الورقة العراقية” لتمييز بعضهما البعض، خاصة على أعتاب الانتخابات التشريعية الفرعية التي ستجرى قريباً.
وفي السياسة الخارجية، التي شهدت هي الأخرى تخبطاً جعل حلفاء أمريكا وأصدقاءها لا يدرون التحدث مع أي أمريكي: أمريكا الخارجة من العراق قريباً أو الباقية فيه طويلاً. وأخيراً، في الاستراتيجيات العسكرية التي شهدت هي الأخرى نزاعاً داخل البنتاغون ومجلس الأمن القومي بين أنصار توسيع الحرب العراقية وبين المطالبين ب “خصخصتها” عبر “فتنمنتها وعرقنتها”.
بيد أن هذه الفوضى في السياسات والمفاهيم تنقلب إلى نظام حين تصل الأمور إلى مسألة النفط، حينها، يبرز سريعاً إجماع بين الجمهوريين والديمقراطيين، وبين المحافظين والليبراليين على نقطة كبرى واحدة: ثمة كارثة كبرى ستحل بأمريكا إذا ما خسرت نفط العراق، الذي هو ثاني أكبر احتياطي في العالم. العكس برأيهم يجب أن يحدث: على أمريكا مواصلة السيطرة، ليس فقط على نفط العراق، بل أيضاً على كل نفط العالم.
رب متسائل هنا: وما الجديد في قيام أمريكا بمحاولة السيطرة على نفط العراق وكل موارد النفط؟ أليس هذا ما كانت تفعله بالتحديد منذ أوائل القرن العشرين حين أجبرت الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية (ضمن اتفاقات ما عُـرف بـ “سياسة الباب المفتوح”) على منح شركاتها النفطية العملاقة امتيازات واسعة في نفط الشرق الأوسط ؟ ألم يكن أحد أسباب اشتراك الولايات المتحدة في الحربين العالميتين، الأولى والثانية، هو منع ألمانيا من السيطرة على منابع وطرق مواصلات النفط؟ ثم أكثر من هذا وذاك: هل من المستغرب أن تكون الدولة العظمى الوحيدة في العالم، والتي يستند اقتصادها العملاق برمته (22% من الإنتاج العالمي الخام) إلى النفط ومشتقاته، حريصة على أمن طاقتها الذي هو قضية حياة أو موت بالنسبة لها؟
كل هذه الأسئلة دقيقة وصحيحة، لكنها مع ذلك، ليست كافية لتفسير “الحمى النفطية” التي تجتاح الولايات المتحدة هذه الأيام، إلى درجة أنه لم يعد من الممكن في الواقع فهم مجريات السياسات الدولية بمعزل عن مجاري النفط وممراته وكمياته وأسعاره.
الجواب بسيط للغاية: الوفرة النفطية انتهت أو تكاد، والندرة النفطية ابتدأت أو تكاد. وخلال سنوات قليلة، ستنفجر صراعات وتنافسات لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل: إنها الحروب النفطية وقد أفلت من عقالها.

3 كتب
بين أيدينا ثلاثة كتب جديدة عن هذه الحروب الزاحفة بكل ما قد تحمله من مضاعفات كارثية على الاقتصاد العالمي والبيئي والعلاقات الدولية، وربما حتى على مصير الحضارة البشرية.
الكتاب الأول لديفيد غولدشتاين، البروفسور في مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا، بعنوان “نفاذ الغاز (النفط).
والثاني للبروفسور بول روبرتس بعنوان “نهاية النفط”.
والثالث لمايكل كلير “الحروب على الموارد (1).
ديفيد غولدشتاين وبول روبرتس توصلا في أبحاثهما إلى حصيلة خطيرة مشتركة واحدة: النفط سيصل (أو وصل بالفعل) إلى ذِروة الإنتاج، وسيبدأ قريباً (أو بدأ بالفعل) انحداره التاريخي، وهذه الأزمة التي ستكون الأضخم في تاريخ الحضارة البشرية، لن تبدأ برأيهما حين ينتهي النفط، بل حين يصل إلى ذِروة الإنتاج، بعد أن يكون البشر قد استهلك نصف احتياطي النفط، أي نحو تريليون برميل، فيتراجع العرض بموازاة الطلب، وتنشب حروب الموارد والطاقة، وتندلع الصراعات بين الدول، الكبيرة والصغير.
على ما استند غولدشتاين وروبرتس في خلاصتهما المجلجلة هذه؟ نبدأ أولاً مع غولدشتاين.
يُـسند هذا الباحث مقولاته إلى نظرية الجيولوجي الأمريكي م. كينغ هابرت، الذي تنبأ عام 1956 بأن معدلات استخراج النفط من الولايات الـ 48 الأمريكية، ستصل إلى ذروتها سنة 1970 ثم يبدأ بعدها انحدارها السريع، وهو حدّد طبيعة هذه الذروة بأنها تعني الوصول إلى استهلاك نصف احتياطي النفط.
نبوءة هابرت صدقت. فاستخراج النفط الأمريكي وصل إلى ذروة بلغت 9 ملايين برميل يومياً سنة 1970، وهو يهبط منذ ذلك الحين، حيث بلغ الآن أقل من 6 ملايين برميل. والآن، بدأ الجيولوجيون بتطبيق معادلات هابرت وحساباته على النفط العالمي، فاستنتجوا أنه من أصل الـ 2 تريليون برميل المختزنة في جوف الأرض، وصل استهلاك البشر الآن إلى النصف، وبالتالي، باتت معادلة هابرت حول الذروة – الانحدار على قاب قوسين أو أدنى.
بالطبع، بعض الجيولوجيين العاملين في الحكومات والشركات يرفضون منطق هابرت وأنصاره، وهم يقولون إن النفط سيكفي العالم لمدة تتراوح بين 40 إلى 100 سنة، وأن احتياطي النفط لا يقف عند الرقم 2 تريليون برميل، بل يتعدّاه إلى 2،7 تريليون برميل، وهذا يعني أنه لا يزال بالإمكان اكتشاف كمية تبلغ 0،7 تريليون برميل، ما يعادل كل نفط الشرق الأوسط الحالي، بيد أن معظم المحللين المحايدين يرفضون وجهة النظر هذه بصفته حملات دعائية ليس ألا.

أي بدائل؟
لكن، إذا ما كانت نظرية هابرت صحيحة حول قرب نشوب أزمة “النفط التقليدي”، أليس بالإمكان التعويض عنها بموارد طاقة أخرى؟ العلماء يردون بكلمتين: أجل، ولكن! فهم يقولون إن هناك “النفط الثقيل” (الذي يزداد ثقلاً كلّـما ازداد استخراجه)، و”نفط الرمال”، ونفط القطران. بيد أن كل هذه الأنواع صعبة على الاستخراج ومكلفة للغاية.
وهناك “النفط (الزيت) الحجري”، لكن هذا ليس نفطاً على الإطلاق، وأصحابه أطلقوا عليه هذا الاسم لاستدراج الاستثمارات. إنه في الواقع كيروزين، وهي مادة لزجّـة يمكن تحويلها إلى نفط إذا ما تم سحق الصخرة التي تحتويها، ووضعت على حرارة مرتفعة للغاية، وهذا أيضاً أمر مكلف جداً، وبطيء جداً، ومدمر للبيئة أكثر من النفط التقليدي.
في لائحة البدائل، هناك أيضاً الغاز الطبيعي الذي يتكوّن أساساً من الميثان، وهو سهل على الاستخراج والنقل والضغط والتسييل، ويمكن أن يحل مكان البنزين. بيد أن استبدال السيارات وأنظمة توزيع البنزين الحالية أو بناء مصانع جديدة لتحويل الميثان إلى بنزين، سيكون صعباً للغاية. وحتى لو نجحنا في تحقيق هذا التحول، فهذا سيكون نجاحاً مؤقتاً فقط، لأنه وفق نظرية هابرت، ذروة إنتاج الغاز ستظهر خلال عقدين أو ثلاث.
ثم هناك الفحم، الذي يطلق عليه إسم “الوقود القذر” بسبب تلويثه الهائل للبيئة، والطاقة النووية المكروهة للغاية والمحظورة في بعض الدول كإيطاليا، وكلاهما يتسببان بمشاكل أكثر مما يقدمان حلولاً. لكن، أليس بالإمكان بالفعل العثور على كميات جديدة من النفط في العالم؟
حتى الآن، ذهب جيولوجيو النفط إلى أقاصي الأرض بحثاً عن النفط، وبالتالي، لم يعد ثمة الكثير لاكتشافه. أكبر منطقة احتياطي محتملة الآن هي جنوب بحر الصين التي تتنازع عليها الصين وتايوان وفيتنام والفيليبين وماليزيا وبروناي. وهناك منطقة وسط سيبيريا وأعماق المحيطات. لكن حتى لو تم اكتشاف حقل نفط كبير يوازي حقلاً سعودياً يتضمن 87 مليار برميل، فإن ذِروة هابرت لن تتأخر أكثر من سنة أو سنتين، أي أن هذا لن يغيّـر من طبيعة الأزمة في شيء.
سيناريوهان
ماذا يعني كل ذلك؟ البرفسور غولدشتاين يرى سيناريوهين إثنين:
الأول، الأسوأ، وهو أنه بعد الوصول إلى ذروة هابرت، كل الجهود التي ستُـبذل لإنتاج وتوزيع واستهلاك بدائل الطاقة، ستفشل، والتضخم المالي والكساد الاقتصادي اللذان سيبرزان، سيدفع مليارات البشر إلى إحراق الفحم بكميات ضخمة لأغراض التدفئة والطبخ والصناعات البدائية، وهذا سيتفاقم من أزمة حرارة جو الأرض، وقد يُـنهي الحياة نفسها على هذا الكوكب الأزرق.
الثاني، الأفضل، يستند إلى الآتي: يؤدي الاضطراب العالمي الذي سيلي ذِروة هابرت إلى إطلاق أجراس الإنذار في كل مكان، فتسارع الدول إلى بناء اقتصاد يعتمد على الميثان لسد الفجوة بين العرض والطلب، فيما يتم بناء المزيد من المفاعلات النووية والبنى التحتية الأخرى لبدائل الطاقة الأحفورية.
لكن، حتى مع هذا السيناريو الثاني، سنصل في وقت ما إلى ذِروة هابرت في اليورانيوم ونفط شيل وغيرهما، وستعيد الأزمة إنتاج ذاتها. والحل؟ إنه في رأي هابرت يعتمد على الآتي:
– أن يتحلى البشر بالحكمة، فيغيروا القوانين البشرية لأن تغيير قوانين الطبيعة مستحيل.
– أن يُـعاد بناء الاقتصاد على أسُـس جديدة تعتمد على توفير الطاقة، وصرف استثمارات ضخمة على الموارد التي لا تنضب، خاصة الطاقة الشمسية.
– توفير كل الإمكانات المادية للعلم والعلماء كي يساعدوا على تحقيق هذه الأهداف.
هذا ما يقوله غولدشتاين. ماذا الآن عن آراء بول روبرتس ومايكل كلير؟

*****

الحروب العالمية حول الموارد العالمية
(الجزء الثاني)
من غير الممكن التنبؤ بموعد أو مكان مثل هذه الحروب. فبعض المناطق قد تنجو من التفجيرات والعنف، فيما البعض الآخر، سيمر بصراعات طويلة.
لكن في كل الأحوال، ما نشهده هو ظهور جغرافيا جديدة للصراع: مشهد عالمي يصبح فيه التنافس على الموارد الحيوية هو المبدأ الناظم للصراعات الدولية ولاستخدامات القوة العسكرية.
كما لاحظنا في تقرير الأمس، ركّز كتاب غولدشتاين على الجوانب العلمية والتقنية من أزمة الطاقة، وربما هذا ما أفسح المجال واسعاً أمام زميله روبرتس للتركيز على الجوانب الإستراتيجية والدولية لهذه الأزمة.
يبدأ هذا الأخير بالملاحظة (2) أن البترول يشكّـل الآن 40% من طاقة العالم، فيما يأتي الباقي من الفحم (26%) والغاز الطبيعي (24%)، وفي عام 2035، سيكون العالم في حاجة إلى ضعف الإمدادات الراهنة من الطاقة.
فالطلب على النفط سيقفز من 80 مليون برميل إلى نحو 140 مليون برميل في اليوم، وثمة تكهنات على نطاق واسع بأن الغاز الطبيعي سيتوسع أكثر من النفط (أكثر من 120%)، والفحم بنحو 60%، وهذه بالطبع تطورات مدوّخة.
لكن من أين ستأتي الطاقة الهيدروكاربوية الإضافية؟ يوضح روبرتس أنه خلال العقد الماضي استخدم العالم 24 مليار برميل من النفط سنوياً، لكنه لم يجد سوى أقل من 10 مليارات برميل من النفط المتجدد سنوياً.
وبكلمات أخرى، الطلب على النفط يتصاعد، خاصة من جانب الصين والهند الصاعدتين ، فيما يتقلص الاحتياطي والقدرات الإنتاجية، إضافة، استقرار سوق الطاقة العالمي يتفاقم. وفي نهاية العقد الحالي، ستزود أوبك العالم بنحو 40% من نفطه، أي أكثر بكثير من المعدل الحالي الذي يبلغ 28%، هذه الخلفية تعطي، برأيه، فكرة واضحة عن أسباب حرب العراق.
فقبل الحرب، كان العراق ينتج 3،5 مليون برميل في اليوم، والعديد من مسؤولي الإدارة الأمريكية اعتقدوا أن هذا الرقم يمكن أن يتضاعف قبل نهاية عام 2010. وإذا ما كان بالإمكان “إقناع” العراق بتجاهل كوتا أوبك وإنتاج أقصى طاقته، فإن دفق النفط الجديد يمكن أن ينهي سيطرة أوبك على التسعير.
ثم: إذا ما نجحت أمريكا في تفكيك نفط أوبك، ويسبب كونها متقدمة لمدة عقد عن باقي العالم في مجال التكنولوجيا العسكرية، فإن هذا سيضمن لها التفوق لمدة قرن أو أكثر. السيطرة على النفط لن تركـّز على السلطة والقوة الاقتصادية بيد أمريكا فحسب، بل ستكون أيضاً جزءاً من رؤية جيو – سياسية أوسع، لأنها ستعني التحكم بدول أكثر اعتمادا على نفط الخليج، مثل الصين وأوروبا.
بيد أن رد واشنطن على الأزمة النفطية العالمية الوشيكة، والذي يتمثّل في ضمان باقي الموارد من إمدادات النفط بالقوة، إذا لزم الأمر، ستكون له مضاعفات قاتلة على الكوكب.
فانبعاثات الغازات الحبيسة الملوثة الناجمة عن إحراق الوقود الأحفوري، خاصة الغاز والفحم، يتزايد بمعدل 3% سنوياً، وسيصل مع مثل هذا المعدل إلى 12 مليار طن سنوياً عام 2030، وأكثر من 20 مليار طن قبل نهاية هذا القرن.
وعلى هذا الأساس، ستصل غازات الحبيسة في الجو إلى تركز قدره 1100 جزء من المليون (ثلاثة أضعاف المستويات الحالية)، وهذا باعتراف كل علماء المناخ، وسيؤدي إلى كوارث محققة.
البروفيسور بول روبيرتس  

المخرج
هل ثمة مخرج من “يوم الآخرة” هذا؟ أجل، إنه برأي روبرتس: التوفير الأمريكي أساساً في استهلاك الطاقة، إذ يقدّر الخبراء هنا بأن مصانع الطاقة الأمريكية تهدر الطاقة في شكل بقايا حرارية أكثر من كل حاجات اليابان من النفط، ويشيرون إلى أن إدخال تحسينات في اقتصاد الوقود الخاص بالسيارات والإنارة بمعدل 2،7 ميل في الغالون الواحد، سيكون كافياً لإنهاء الأزمة من دون الحاجة إلى كل واردات النفط من الخليج، وهذا بالطبع حل أفضل بكثير من تدمير العراق، ومن شن حروب النفط الدموية في كل الكرة الأرضية، لا بل إن الاقتصاد في الطاقة وزيادة فعاليتها قد يوفـّران في الواقع نفطاً أكثر مما يمكن اكتشافه تحت الأرض، وبأسعار أقل من معدل سعر النفط في السوق.
ثم إن مضاعفات مثل هذا الأمر مذهلة: إذا ما تم على سبيل المثال، خفض استهلاك الطاقة بمعدل 3% سنوياً، سيكون ثمة إمكانية لتلبية طلبات العالم عام 2100 من خلال ربع الطاقة التي نستهلك اليوم، بيد أن المعطيات الإيجابية شيء، وتفاعل إدارة بوش معها بشكل إيجابي شيء آخر، إذ أن كل المؤشرات تدل على أن هذه الأخيرة ليست في وارد تقليص أرباح الشركات الكبرى عبر الاقتصاد في استهلاك الطاقة، جل خياراتها تتركز، إما على شن حروب السيطرة على النفط أو إيهام الآخرين بأن التكنولوجيا ستكون قادرة قريباً على إيجاد الحلول لأزمة الطاقة، بيد أن كلا الأمرين مجرد حلول مزيفة ولن يؤديا سوى إلى تفاقم أزمة الطاقة.
وإذا ما واصلت الإدارة الأمريكية التمسك بمثل هذه الحلول – اللاحلول، فقد لا يطول الوقت قبل أن تؤدي ندرة النفط إلى إشعال حرائق جيو – إستراتيجية في كل أنحاء العالم، ويبدو أن هذا الوقت لن يكون طويلاً بالفعل، كما يتنبأ روبرتس.

مايكل كلير
مع كتاب مايكل كلير(3)، نحن على موعد مع صورة أكثر شمولية. صحيح أنه يضع النفط على رأس أولوية اهتمامات الدول، لكنه يلحظ أيضاً صراعاً لا يقل حدّة على موارد طبيعة أخرى مثل الماء واليورانيوم والذهب وألماس والمعادن الطبيعية الأخرى.
نقطة البداية هنا هي نقطتان: الأولى، تغيير ظروف الصراع العالمي في أعقاب الحرب الباردة، والثانية، التراجع الحاد في العرض على النفط والموارد الطبيعية والتزايد الكبير للطلب عليها.
في النقطة الأولى، يشير كلير إلى أنه مع نهاية الحرب الباردة، استعادت قضية الموارد دورها المركزي في التخطيط العسكري الأمريكي أو هي بالأحرى عادت إلى ما كانت عليه خلال البيئة الإستراتيجية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين.
وفي صميم هذا التحول في السياسة، يكمن الاعتقاد بأن المعالم المحددة للقوة والنفوذ تغيرت منذ نهاية الحرب الباردة. ففي حين كان يُـعتقد في الماضي أن القوة القومية تكمن في امتلاك ترسانة عسكرية جبارة، والحفاظ على منظومات تحالفية واسعة، فهي راهناً ترتبط بالدينامكية الاقتصادية، ورعاية الابتكار التكنولوجي.
هذه المقاربة للأمن القومي المرتكز على الاقتصاد، أصبحت سياسة أمريكية رسمية، حين تولت إدارة كلينتن السلطة في أوائل عام 1993، وباتت الوظيفة الرئيسية للمؤسسة العسكرية الأمريكية هي حماية إمدادات الموارد التي ستنتقل بشكل حاسم إلى قلب الأحداث في شؤون الأمن العالمي، كلما توغلنا في القرن الحادي والعشرين.
فيما يتعلق بالنقطة الثانية، يرى كلير أن أمربكا ليست الأمة الوحيدة التي أولت أهمية إستراتيجية أكبر لشؤون الموارد والاقتصاد في حقبة ما بعد الحرب الباردة، بسبب بدء ندرة الموارد، خاصة النفط.
فمنذ عام 1990، فعلت ذلك كل حكومة كبرى تقريباً، إذ عدّلت الصين واليابان وروسيا سياساتها الأمنية، وفقاً للأولويات الاقتصادية الجديدة، فقلّص الصينيون قواتهم على الحدود مع روسيا ووسعوها في منطقة بحر جنوب الصين التي تحوي احتياطات هائلة من النفط والغاز الطبيعي. وكذا فعلت اليابان ودول جنوب شرق آسيا التي ترنو ببصرها هي الأخرى على موارد بحر الصين الجنوبي، وتقتني من أجل ذلك أسلحة البحرية والطيران الأكثر تطوراً.
أما ما ساهم، إلى حد بعيد، في تحول الموارد إلى هدف رئيسي للصراعات العالمية، الاختفاء شبه الكامل للصراعات الأيديولوجية في عالم اليوم، والزيادة الكبيرة في الطلب على النفط الذي لا يمكن تلبيته، وارتفاع أعداد البشر المستهلكين، خاصة في الصين وباقي أنحاء آسيا، هذا في وقت تشير آخر الدراسات إلى أن الأرض خسرت نحو ثلث ثرواتها الطبيعية المتاحة (خاصة النفط والماء) في فترة قصيرة للغاية من 1970 إلى 1995، أي أكثر من كل ما خسرته في أي فترة أخرى من التاريخ.
حروب الموارد إذن تبدو محتمة. لكن أين؟
يرى كلير أنه من غير الممكن التنبؤ بموعد أو مكان مثل هذه الحروب. فبعض المناطق قد تنجو من التفجيرات والعنف، فيما البعض الآخر، سيمر بصراعات طويلة. لكن في كل الأحوال، ما نشهده هو ظهور جغرافيا جديدة للصراع: مشهد عالمي يصبح فيه التنافس على الموارد الحيوية هو المبدأ الناظم للصراعات الدولية ولاستخدامات القوة العسكرية.
فهل ثمة ضرورة بعد للتساؤل، عما إذا كان يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عن نفط العراق أو أية نفط آخر في العالم؟ لا نعتقد!

المصدر: موقع أخبار سويسرا

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*