هل بإمكان المملكة السعودية مضاعفة إنتاجها النفطي؟

هل بإمكان المملكة السعودية مضاعفة إنتاجها النفطي؟
عبد الله صالح (2005)
مجلة العصر

من الواضح أن الإدارة الأمريكية لديها اعتقاد راسخ أن احتياطيات النفط العالمي تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمستهلكين لعقود عديدة قادمة، وأن أي انخفاض محتمل في الإنتاج العالمي يمكن التصدي له من خلال المملكة السعودية، التي يرون أن بإمكانها، ليس فقط انتاج المزيد من النفط لمواجهة الطلب المتزايد، بل أيضاً مواصلة ضخ كميات أكبر خلال السنوات القادمة، وأنه عندما تجف حقول النفط الحالية، ستبدأ المملكة السعودية في استغلال الحقول الاحتياطية.

“ليس لدينا أي قلق بشأن تراجع مخزون النفط العالمي، لأن المملكة العربية السعودية يمكن أن تلبي احتياجاتنا الحالية والمستقبلية، بما يمكننا من الاستمرار في زيادة استهلاكنا السنوي من النفط كمصدر أساسي للطاقة، بدلاً من تبني سياسة الحفاظ على المخزون الإستراتيجي منه، والإسراع في الانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط”. هكذا أكد ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي في اجتماع له منذ أيام مع عدد من رؤساء شركات النفط الأمريكية.
لكن هذه الرؤية الرسمية الأمريكية تعرضت لضربة قاصمة، بصدور كتاب حديث في السوق الأمريكي، عن النفط السعودي ومستقبل الاقتصاد العالمي، مؤلفه “سايمونز آر ماثيو” أحد الخبراء البارزين في سوق النفط، وهو يعمل مديراً تنفيذياً بأحد البنوك الكبرى التي لها استثمارات هائلة في قطاع النفط، كما أن له دراسات عديدة حول أساليب الإنتاج والتسويق النفطي.
يرى سايمونز أن المملكة السعودية لن تستطيع زيادة إنتاجها النفطي خلال السنوات القادمة، مشيراً إلى أن إنتاج حقولها النفطية العملاقة سيتعرض للتدهور الكبير في المستقبل القريب، ولن تتمكن من ضخ كميات نفطية متزايدة، لأنها اقتربت من طاقتها الإنتاجية القصوى، كما أن الاكتشافات النفطية الجديدة بالمملكة لا يمكنها أن تعوض النقص المتوقع في الإنتاج، فقد قامت السعودية خلال العقود الثلاثة الماضية بجهود متواصلة في مجال الاكتشافات النفطية، ومع ذلك فإن نتائج هذه الجهود كانت في أحسن الأحوال متواضعة.
إذا كان ما يقوله سايمونز عن إنتاج النفط السعودي صحيحاً وما يعتقده المسئولون في الإدارة الأمريكية خطأ، فإننا على وشك أن نودع عصر الوفرة البترولية إلى الأبد، لسبب بسيط، وهو أن المملكة السعودية هي المنتج الرئيسي للنفط العالمي، وليس هناك منتج آخر قادر على تعويض النقص في الإنتاج السعودي. هذا يعني أننا مقبلون على عالم جديد، هو عالم ما بعد النفط:
وفقاً لمعلومات وزارة الطاقة الأمريكية، فإن السعودية تمتلك تقريبًا ربع احتياطيات النفط العالمي، أي نحو 264 بليون برميلاً. بالإضافة إلى ذلك فإن المسئولين السعوديين يعتقدون أن أراضي المملكة تحوي احتياطيات إضافية أكثر من ذلك بكثير، الأمر الذي يجعل وزارة الطاقة الأمريكية مقتنعة بأن السعودية هي المنقذ الحقيقي لسوق النفط في المستقبل المنظور.
الطلب العالمي على النفط يتوقع أن يرتفع بمعدلات كبيرة خلال السنوات القادمة من 77 مليون برميل يومياً في عام 2001 إلى 121 مليون برميل بحلول عام2025، بزيادة صافية قدرها 44 مليون برميل. ولحسن الحظ، كما تقول وزارة الطاقة الأمريكية، فإن إنتاج النفط العالمي سيرتفع أيضًا بهذا المعدل خلال السنوات القادمة، ومن ثم لن يكون هناك نقص فى المعروض، ويتوقع أن تساهم المملكة السعودية في تلبية أكثر من ربع الزيادة المتوقعة، أي بنحو 12.3 مليون برميل يومياً.
المسئولون السعوديون أكدوا قدرتهم على زيادة إنتاجهم النفطي بما يكفي لتلبية الاحتياجات العالمية المتزايدة ، وهذه التأكيدات ساهمت بدور كبير في تشكيل إستراتيجية قطاع الطاقة في الولايات المتحدة، لكن صدور كتاب سايمونز أثار الكثير من الجدل حول هذه القضية ، خاصة أن المؤلف لديه خبرة طويلة في هذا المجال ، باعتباره الرئيس التنفيذي لإحدى البنوك الكبرى التي لها استثمارات كبيرة في تمويل الاستكشافات وتطوير خزانات النفط الجديدة ، فضلاً عن علاقاته الواسعة بكبار منتجي النفط ، ومعلوماته الغزيرة عن أماكن احتياطيات النفط، وأساليب استخراجه وتسويقه، فضلاً عن دراساته العديدة التي يعتمد عليها الكثيرون في السوق النفطي ، ولهذا فإن تقييمه لإمكانيات المملكة السعودية النفطية لا يمكن تجاهله.
سايمونز يرى أن معظم نفط المملكة يستخرج من عدة حقول قليلة ولكنها غزيرة الإنتاج ، هذه الحقول العملاقة ظل يستخرج منها النفط بسهولة طوال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية ، وللحفاظ على المستويات العالية للإنتاج في هذه الحقول، لجأ السعوديون إلى الاعتماد بشكل متزايد على استعمال الحقن المائي وطرق الاستخراج الثانوية الأخرى لتعويض انخفاض الضغط الطبيعي لهذه الحقول، ومن ثم أصبح استخراج المزيد من النفط منها أمراً أكثر صعوبة وتكلفة، مما سيدفع المملكة للبحث عن حقول جديدة لتعويض هذا التدهور ، ولكن هذه الحقول لن تعطي هذه الإنتاجية العالية.
قراءة كتاب سايمونز وفهمه ليست مسألة سهلة بالنسبة للقارئ العادي ، فهو يعتمد بالأساس على تحليل جيولوجي للبنية التحتية السعودية ، وبعض تقارير لخبراء النفط في مواقع الإنتاج حول قدرات الحقول الحالية ، وتقييم الأساليب المتبعة في عمليات الاستخراج ، والنتيجة التي يخلص إليها هذا لكتاب، هي أن 90% من النفط السعودي الذي تنتجه سبعة حقول رئيسية أوشك أن ينضب ، وأن مستويات الإنتاج الحالية “المرتفعة” لهذه الحقول أمكن الحفاظ عليها من خلال حقن كميات ضخمة من الماء للإبقاء على معدلات الضغط عالية ، وعندما تنتهي برامج الحقن المائي هذه، فإن تدهور الإنتاج النفطي سيصبح أمراً حتمياً.
وفي ظل هذا التصور، فإن قدرة المملكة السعودية على مضاعفة إنتاجها النفطي خلال السنوات القادمة وفقاً لما تعتقده وزارة الطاقة الأمريكية أمر غير منطقي، بالنظر إلى التدهور المتوقع في حقول الإنتاج الرئيسية، والذي يعني أن العالم مقبل على أزمة طاقة ليست مسبوقة، سيترتب عليها ارتفاع تكلفة إنتاج الطعام، وكثير من المنتجات التي تعتمد على النفط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي سيدفع بالعالم حتماً إلى حافة الانكماش الاقتصادي.
إذا كان السيناريو الذي يطرحه سايمونز صحيحًا، فإن علينا البدء من الآن بترشيد استهلاك النفط، لإطالة أمد الاحتياطيات القائمة، وتطوير بدائل أخرى للطاقة.
وبطبيعة الحال، فإن جهوداً مضنية ستبذلها الإدارة الأمريكية لدحض نتائج سايمونز، ومع ذلك، فإنه من الآن فصاعداً، لم يعد بإمكان الذين يؤمنون بوفرة الإنتاج النفطي العالمي لعقود قادمة، أن يرددوا ببساطة أن زيادة إنتاج المملكة السعودية هو الحل، بل صار عليهم أن يقدموا الدليل على قدرة حقول النفط السعودية على تحقيق مستويات إنتاج أعلى خلال السنوات المقبلة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*