البيئة ونضوب النفط

البيئة ونضوب النفط
الدكتور يوسف الإبراهيم (2006)

يواجه عالمنا الآن عددا كبيرا من التحديات الضخمة التي قد تشكل كوارث لا يحمد عقباها على الإطلاق. وان أهم هذه التحديات هي..
– نضوب النفط والغاز الطبيعي عالميا. أي أن المنتج العالمي سيصبح أقل من الحاجة العالمية وسوف يتعاظم هذا الهبوط. ووفقا للإحصائيات العالمية لا يوجد سوى ما يقرب من 1200 مليار برميل من النفط كاحتياطي عالمي في المكامن, يمكن إنتاج ما يقرب من 500 مليار برميل فقط منها أو أقل. فلو أخذنا بعين الاعتبار أن العالم يستهلك حاليا أكثر من 28 مليار برميل سنويا فان هذا يعني بأن النفط سيجف نهائيا خلال 20 إلى 25 سنة قادمة.
– نضوب مياه الري والشرب عالميا. فقد خسرت الدول في مختلف أنحاء العالم بشكل متوسط أكثر من ثلث مياهها الجوفية. ونهر بردى ونهر والعاصي خير مثال على ذلك.
– تصحر وتملح وتعرية التربة الزراعية. فقد فقدت الدول وفقا للتقارير العالمية من 30 وحتى 90 % من خصوبة أراضيها الزراعية.
– التلوث البيئي الذي أدى إلى الاضطراب المناخي الذي بدأ يضرب العالم في مختلف أرجاء المعمورة. فهناك أكثر من 6 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون يطير في الأجواء العالمية سنويا نتيجة لاستخدام المحروقات الأحفورية (النفط والغاز والفحم). بالإضافة إلى ذوبان الجبال والأنهار الجليدية في القطبين مما أدى إلى انطلاق كميات ضخمة من مختلف أنواع الغازات التي توسع في ثقب طبقة الأوزون وتزيد من التلوث البيئي وتؤدي إلى ما نراه في أيامنا هذه من الاضطرابات المناخية عالميا مثل الفيضانات في بعض المناطق والجفاف في أخرى مع الأعاصير المدمرة التي بدأت تتسارع وتزيد من تواترها.
– الانفجار السكاني الذي بدأ يهدد مختلف معالم الاستقرار في العالم, لازدياد الحاجة وتراجع الإنتاج ونضوب الطاقة والتلوث البيئي.
فمنذ عام 1980 وحتى الآن ضربت العالم نحو اثنا عشر ألف كارثة ناجمة عن الطقس فقط, ذهب ضحيتها أكثر من ستمائة وثمانية عشر ألف إنسان وزادت خسائرها المادية عن ألف وثلاثمائة مليار دولار أمريكي, وفقا للإحصائيات التي أوردها حديثا معهد المراقبة العالمية. ويقول رئيس هذا المعهد Christopher Flavin أنه في عام 1980 كان المعدل السنوي للخسائر الناجمة عن الاضطرابات المناخية فقط يقدر بحوالي 26 مليار دولار أمريكي, وزاد في عام 2004 عن 104 مليار دولار أمريكي. وأما في عامنا هذا 2005 فتقدر الخسائر الناجمة عن إعصار كاترينا فقط بحدود 100 – 200 مليار دولار أمريكي. فإذا استمر الإنسان بتدمير البيئة وحرق كميات متعاظمة من الوقود الأحفوري (النفط والغاز الطبيعي والفحم) فقد تخلق ظروف كارثية مدمرة حول العالم. وتصبح فيها الأعاصير بقوة تسونامي وكاترينا أو اكبر من الأمور المعتادة والمتكررة فوق سطح كل الكرة الأرضية. وإن ما يجري اليوم في مختلف أنحاء العالم من أعاصير وهزات أرضية وطوفانات جارفة خير مثال على ذلك.
وخلال الخمسة عشر عاما الماضية تزايد العدد السكاني في العالم لأكثر من مليار نسمة, وتزايد عدد السكان في سوريا لأكثر من خمسة ملايين نسمة, من ما يقرب من اثنا عشر ونصف المليون عام 1990 إلى ما يقرب من سبعة عشر ونصف المليون عام 2002. وتعادل نسبة النمو العددي للسكان السنوية في سوريا 2.5 %, بينما المتوسط العالمي لهذه النسبة لا تتعدى 1.2 %. أي أننا نتزايد بنسبة تعادل ضعف المتوسط العالمي. فهل أصبح من واجبنا تحديد النسل؟ وهل أعددنا الخطط الناجحة لاستيعاب مثل هذا النمو العددي المتعاظم؟ أولم يحين الوقت كي نفتح عيوننا لنرى الكوارث القادمة التي أصبحت على الأبواب؟ الحلول المؤقتة للأزمات لا تغني ولا تثمن من جوع. فما هي أنواع الطاقة التي سنستخدمها في طهي طعامنا وتدفئة منازلنا وتسخين مياهنا عندما ينضب النفط؟ وماذا سنفعل عندما تتوقف الجرارات والحصادات وآليات النقل ومضخات المياه في كل مكان؟ وماذا سيحل بالمدن عندما تتوقف مضخات المياه وآليات التنظيف؟ وما هو نوع الطاقة التي سنستخدمها في تشغيل المدن الصناعية التي صرفت عليها المليارات؟
هناك شيئان لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنهما, الماء والغذاء. وللحصول على أي منهما لابد من استخدام الطاقة. وهناك نوعان من الطاقة, القابلة للتجديد وغير القابلة للتجديد. النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري, هذه المواد التي تشكل ما يقرب من 86 % من مجمل الطاقة العالمية المستخدمة حاليا تعتبر من مصادر الطاقة غير القابلة للتجديد. ولا تزيد الطاقة الهيدروليكية من السدود المائية عن 6.5 % من مجمل الطاقة العالمية وهي في تراجع مستمر نتيجة لنضوب المياه ولتزايد حجم الطمي في السدود الذي تجلبه المياه باستمرار, والنووية 6.4 %, والحرارة الجوفية مع الطاقة الشمسية وقوة الرياح والأخشاب والمخلفات مجتمعة بنسبة 0.9 % فقط. ولذلك عندما يفقد العالم النفط سوف يفقد كل شيء. لأن النفط يدخل إما في صناعة وإنتاج المواد وإما في نقلها وتوزيعها. ويستخرج من النفط والغاز الطبيعي أكثر من خمسمائة ألف مادة ابتداء بالسلسلة الطويلة لمختلف أنواع المحروقات والزيوت والشحوم مرورا بالسلسلة الأطول للبتروكيماويات وانتهاء بالمواد والمعدات الطبية ومكافحات الحشرات. وكي لا نفقد ما تبقى لدينا وهو القليل فإنني أرى أنه لابد من إيجاد طاقة مساعدة تستبدل المشتقات النفطية في بعض استخداماتها وبالسرعة الكلية.
الطاقة الكهربائية هي الأنظف والوحيدة القادرة على الإسعاف وتسمى بالخضراء عالميا. تستطيع هذه الطاقة استبدال المشتقات النفطية في العديد من الاستخدامات الأساسية ابتداء من منازلنا (الطهي والتدفئة وتسخين المياه) وانتهاء في حقولنا الزراعية (كافة المضخات الزراعية يمكن تحويلها للعمل بواسطة الكهرباء) والصناعية أيضا. فهل تتصورون كم سنوفر من المشتقات النفطية لو فعلنا ذلك؟ ولكن لنستبدل النفط بالكهرباء يجب توفيرها أولا بأسرع ما يمكن وبأرخص ما يمكن أيضا ليتمكن المواطنون من دفع فواتيرها قبل أن تصيبنا النكبات. العالم بكامله بدأ يستشعر الأزمات ويعيشها. علينا أن نتحدث عن الكهرباء, كيف ومن أين لنا بها؟ وعلينا النظر إلى تجارب الدول والشعوب وما هم فاعلون للتغلب على الصعوبات التي يعانون منها. الأوربيون يزيدون من حجم إنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة الرياح بمعدل 30 % سنويا. فهل يشكل لنا هذا أي معنى؟
يتوجب علينا تخفيف الضغط عن المشتقات النفطية, وان استخداماتها يجب أن تتقلص إلى أبعد الحدود. بحيث يتم استخدامها فقط في المواقع التي لا يمكننا فيها استبدالها على الإطلاق. بالإضافة إلى ضرورة الترشيد في استخدام كافة أنواع الطاقة نفطية كانت أو كهربائية, لأنه ليس من السهل إنتاج أي منها. واليوم الذي سوف نصبح فيه غير قادرين على شراء برميل واحد من النفط يقترب وبسرعة فائقة. ليس لأننا لن نملك المال الكافي لذلك فقط, وإنما لأننا لن نجد برميل النفط في الأسواق العالمية. في الوقت الذي تشتد فيه الكوارث البيئية والمناخية حول العالم وتتوتر فيه العلاقات الدولية وتتصاعد أسعار الطاقة في كل مكان.
انه لواضح جدا بأننا غير قادرين على استخدام الطاقة النووية ولا الذرية, ولا يسمح لنا بذلك على الإطلاق. فالحلول الوحيدة الممكنة حاليا والتي يجب البدء فورا ببنائها تتمثل في تشييد عشرات الآلاف من وحدات إنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة الرياح في كل مهب للريح في القطر. هذا بالإضافة إلى ضرورة نشر أعدادا ضخمة من وحدات الطاقة الشمسية حيثما نتمكن فوق سطوح المنازل وفي الصحراء. واليوم قد نكون قادرين على ذلك, أما غدا فيعلم الله سبحانه وتعالى كيف ستكون عليه الحال. فبالإضافة إلى أن هذا يعطينا إمكانية تشغيل أعدادا كبيرة من الأيدي العاطلة عن العمل فانه يمكننا من إنتاج الطاقة الكهربائية بكلف بسيطة وبدون تلويث للبيئة مثلما يحدث في حالات إنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام الفيول أو الغاز الطبيعي. ولا بد أيضا من تعميم النقل العام وفرض رقابة صارمة على استهلاك المشتقات النفطية كمادة المازوت والبنزين الهامتين جدا في كل مناحي حياتنا وتقنين استجرارهما. وهناك ضرورة قصوى للنظر في الأسعار الراهنة للمشتقات النفطية لتوازي الأسعار العالمية لكبح عمليات التهريب التي صنعت أعدادا من الطفيليين الذين ينهبون غذاء ودواء أطفالنا وهم غير آبهين. ونحن بحاجة أيضا إلى اهتمام أكبر في المحافظة على البيئة من التلوث وكذلك ترشيد استخدام المياه والتربة الزراعية.
بالإضافة إلى كل ذلك فإنني أرى ضرورة قصوى في بناء السدود المائية في كل مكان يمكننا من تخزين كميات من المياه سنكون بأشد الحاجة إليها مستقبلا. وانه لمن المفيد جدا دراسة إمكانية الحصول على طاقة الحرارة الجوفية إن وجدت في بلادنا, وكذلك دراسة إمكانية الاستفادة من ظاهرتي المد والجزر على شواطئنا في البحر الأبيض المتوسط.
هذا هو واقعنا, وكلي أمل في الإسراع باتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لتلقي الصدمات الطاقية والمائية والغذائية والبيئية والسكانية القادمة, والتي قد تؤدي إلى كوارث تدميرية نكون حينها غير قادرين على فعل شيء. وعلى اللذين يتفهمون مضمون هذه الرسالة أن يعقدوا الجلسات ويتدارسوا محتوياتها ويناقشوا الإجراءات التي يجب عليهم اتخاذها قبل وقوع الكوارث. أم أننا نحن من الشعوب النائمة؟
الجوع والعطش والبرد والكوارث الطبيعية وغيرها تنتظرنا فعلينا الحذر!!!!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*