الاقتصاد العالمي عصا بيد الدول الكبرى

الاقتصاد العالمي عصا بيد الدول الكبرى
غسان عبد الهادي
الحوار المتمدن 6\9\2005

تتعالى اصوات الدول الكبرى يوما بعد يوم متحججة بـ”الآثار السلبية” لاسعار النفط على الاقتصاد العالمى ومعدلات النمو الاقتصادي، وكأن المشكلة تتمثل فى اسعار النفط التى ترتفع كما يزعم “بدون مبرر اقتصادي”. بينما اكدت العديد من الدراسات الاقتصادية ان الاقتصاد العالمى بأمان من أى عواقب تنجم عن ارتفاع الاسعار وذلك لكون هذه الارتفاعات ناجمة عن قوى السوق، المتمثلة فى زيادة الطلب وعدم توفر العرض الكافى من النفط، وهذا ما يؤكد نقطتين هما:اولاً، زيادة الطلب تعنى بكل بساطة رواج وانتعاش الاقتصاد العالمي. ثانياً، المشكلة لا تتبلور فى الاسعار بل فى نقص العرض والامدادات النفطية والتى ستؤثر سلباً على النمو الاقتصادي.
ويقول أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية إدارة الأعمال بجامعة نورثرن أوهايو بالولايات المتحدة د. انس الحجى “لا تقبلوا الحكمة التقليدية التى تقول إن أسعار النفط العالية ستؤدى إلى تباطؤ نمو الاقتصاد وزيادة معدلات البطالة والتضخم”.
ويوضح فى دراسة حديثة نشرت نتائجها فى مجلة “أويل اند جاز” “OIL AND GAS” الأمريكية أنه رغم صحة هذه المقولة فى فترات الانكماش الاقتصادى الأمريكى فى السبعينات من القرن الماضى وعام 1991 وسنة 2001، إلا أن الارتفاع الأخير فى الأسعار ليس له التأثير نفسه على النمو الاقتصادى فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا.
ويشير إلى أن الظروف المحيطة بالارتفاع الحالى فى أسعار النفط مختلفة عن الظروف التى كانت سائدة فى السبعينيات، موضحا أن التغير فى معدلات سعر الصرف لم يكن كبيراً مثلما هو الوضع الآن، كما أن ارتفاع الأسعار وقتئذ صاحبه انخفاض فى الإنفاق الحكومى وارتفاع فى معدلات أسعار الفائدة.
وهناك اختلاف آخر بين الحالتين هو أن الارتفاع فى السبعينيات لم يكن متوقعاً وكان مفاجئا وكبيرا، وأن الناس توقعوا استمرار الأسعار بالارتفاع استجابة لتقارير عديدة أكدت على قرب نضوب النفط العالمي، وذلك على عكس الوضع الحالى حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل تدريجى ومتوقع فى وقت يعتقد فيه المحللون والخبراء أن أسعار النفط ستنخفض فى المستقبل.
كما أن الانخفاض الحالى فى سعر الدولار مقابل الين واليورو يقصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على الولايات المتحدة فقط، مؤكدا أن فترة العامين الماضيين هى الوحيدة فى تاريخ أمريكا التى تشهد زيادة مستمرة فى أسعار النفط، وفى النمو الاقتصادى وفى الإنفاق الحكومى وفى الإنفاق العسكري، وفى الوقت نفسه استمر سعر الفائدة وسعر صرف الدولار بالانخفاض.
لا شك أن الدول الصناعية تتضرر قليلا من ارتفاع أسعار النفط، لأن ذلك يؤدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج، وينعكس بالتالى فى أسعار السلع والخدمات. بيد أن معدلات التضخم النقدى العالية، ومعدلات الفوائد المصرفية المنخفضة، ومستويات الرواتب والأجور البطيئة النمو كلها عوامل تعمل على الحد من الآثار السلبية لارتفاع أسعار النفط.
وما يؤكد ان ارتفاع اسعار النفط لا يمثل مشكلة على الاقتصاد العالمي، هو أن الولايات المتحدة الأميركية لم تبد أية مواقف اقتصادية أو سياسية حازمة وجادة تجاه هذه الطفرة الجامحة فى أسعار النفط، مما يوحى لكثير من المحللين بأنها راضية ومستفيدة من ارتفاع أسعار النفط الخام بهذه الصورة.
ويقول الدكتور. محمد إبراهيم الرميثى الخبير الاقتصادى الدولي: “إذا كانت هذه الطفرة تلحق ضرراً مباشراً أو غير مباشر بالاقتصاد الأميركى فإن الولايات المتحدة الأميركية قطعاً ستتخذ موقفاً حازماً منها، وسوف تساهم بإيجابية فى معالجة هذه المشكلة الاقتصادية.”
ويعتقد الحجى أن التوقيت مهم حيث أن توقيت صعود الأسعار الحالى وعلاقته بدورة النمو الاقتصادى مختلف عن أى فترة سابقة، موضحا أنه لأول مرة فى التاريخ تصعد أسعار البترول فى فترة كساد بعد أن وصلت اقتصاديات الدول الصناعية إلى الحضيض بعد حادثة 11 سبتمبر، بينما ارتفعت أسعار النفط فى السابق فى فترات ازدهار اقتصاديات الدول الصناعية ومباشرة قبل بلوغ ذروة الدورة الاقتصادية، وتوقع أن فترة قصيرة من ارتفاع الأسعار مصحوبة بتوقعات انخفاضها لن تؤثر سلبا على نمو الاقتصاد.
وحقيقة الامر ان ارتفاع اسعار النفط يمثل طفرة ثانية فى تاريخ اقتصاديات الدول النفطية، وربما سينعكس سلباً عليهم على عكس المنطق الذى يفترض ان يكون ذو اثر ايجابى نتيجة زيادة دخولهم النفطية.
فهذه الطفرة ادت الى الاعتماد على نحو شبه كلى على سلعة النفط فى تنمية اقتصادياتها دون إيجاد بدائل اقتصادية حقيقية تؤدى إلى تنويع مصادر الدخل وتنقلهم من الاعتماد على النفط إلى الاعتماد على مصادر أخرى من أجل تحقيق استقرار اقتصادى لا يتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط فى الأسواق العالمية.
وهذا ما يتوافق مع آراء الخبير السعودى فى شؤون النفط الدكتور جمعة بن محمد فهد حيث يقول: “إن تلك الطفرة لم تستغل فى توظيف أفراد المجتمع فى ظل رؤية مستقبلية تتخذ من ارتفاع المعدل السكانى نموذجا يمنع ظهور البطالة فى اقتصادنا والتى ظهرت بشكل سريع فاق كل التوقعات دون أن يرافقها استثمار فاعل ومتناسب مع متطلبات التنمية الاقتصادية الحديثة والمعاصرة. فلم يتم توسيع مجال الاستثمارات المحلية والأجنبية بل كان محدودا للغاية ولم يكن أصلا من الأولويات التى يتردد صداها بين جدران القطاعات الاقتصادية”.
وبالتالى ستكون هذه النتائج الايجابية لارتفاع النفط محدودة على المدى القريب مما يعنى نتائج كارثية فى فترة نضوب النفط او فى حال الاعتماد على الطاقة البديلة، كل هذا يعنى ان سوء استخدام الدول النفطية لمواردها فى الفترة الحالية سينعكس سلباً على اقتصادياتها ويحول هذه النعمة نقمة عليهم، وكما يقول الدكتور جمعة بن محمد فهد: “نعم يفرح البعض ويصر على أن ارتفاع أسعار النفط العالمية يخدم مصلحتنا ونحن دولة نملك أكبر إنتاج واحتياطى نفطى فى العالم، قد يكون هذا صحيح لمدة محدودة ولكن ليس بشكل متواصل. إننا فى واقع الأمر يقلقنا الارتفاع الحاد فى الأسعار والتى يعقبها انخفاض معاكس يؤدى إلى نزع الثقة من الاقتصاد وتعرضه لتقلبات تكون جارفة فى ظل تنافس الدول المتفاجئة، تقلبات بدائل النفط والتى فعلا بدأت وما أدراك ما تخفيه تلك الدول من اكتشافات واختراعات فى مجال الطاقة التى لا نعلم بها حتى يأتى اليوم المناسب لكشف النقاب عنها، وتكون مفاجئة تقلب جميع التوقعات والسيناريوهات رأسا على عقب وتكون نكسة موجعة لارتفاع الأسعار وخطيرة يتم عندها سعر البيع معادلا لسعر التكلفة.”
وسبق وان حذر البنك الدولى من مخاطر تأجيل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية فى العالم العربي، فى دراسة تحض الحكومات على عدم الاستسلام للشعور بالراحة الذى تولده الطفرة النفطية والإنفاق بقوة على مشاريع الإصلاح الاقتصادي.
وقال مدير المجموعة المكلفة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية فى البنك مصطفى نابلي، إن تضاعف الموارد المالية المتاحة للدول العربية نتيجة الارتفاع المتواصل لأسعار النفط لن يعزز بالضرورة مسيرة الإصلاحات فى المنطقة، وحذر من عواقب التهاون فى تجنيد حصة مناسبة من الموارد النفطية الإضافية لتتويل الكلفة الباهظة للإصلاحات.
وأضاف أن النفط سيولد مداخيل إضافية هائلة لبلدان المنطقة لكنه سيترك مضاعفات وتأثيرات لفترة مقبلة، لافتاً إلى أن هذه التأثيرات ستكون كبيرة وستتجاوز بكثير تأثيرات حرب العراق التى خلّفت مشاكل كثيرة وعدم استقرار فى المنطقة.
وأوضح أن الطفرة النفطية التى بدأت منذ عام 2000 شكّلت قطيعة مع العقدين الماضيين اللذين انهارت فيهما أسعار النفط، وأنها أسفرت عن مئات مليارات الدولارات، وهذا ساعد دولاً كثيرة على تحسين وضعها المالى وميزان مدفوعاتها الأمر الذى عزز النمو فى المنطقة العربية ليبلغ العام الماضى 6 % وهو الأعلى منذ عقود ويعادل ضعفى متوسط النمو فى التسعينات.
وأشار إلى أن مضاعفة معدل النمو تعنى زيادة فى الدخل الفردى لغالبية سكان المنطقة بنسبة تراوح بين 3 % و4 %، وهذا يولّد آثارا سالبة واختلالات كثيرة، كما نشاهد من خلال زيادة الاتجاه إلى المضاربة فى البورصات والسوق العقارية، ليس فقط فى الدول النفطية بل فى دول أخرى مثل لبنان والأردن.
وقال أن هذه الدول ظنّت إبان الطفرة السابقة أنها ستحصل على المال باستمرار لذا لم توفر للأيام التى ستشهد انخفاضاً فى الأسعار، والآن مع تكرر الطفرة هل سيتكرر المنحى نفسه أم لا؟، سيما وأن الدول النفطية أثارها هذا التدفق المالى الكبير بدليل أننا نشاهد زيادة فى الإنفاق الحكومي. ولذلك لا نرى تصحيحاً واضحاً للاستفادة من الموارد النفطية للقيام بالإصلاحات، بل نرى رغبة فى الإنفاق أكثر، لافتاً إلى أن دولاً لديها موارد إضافية كبيرة، كما أن بوسع اقتصاداتها أن تواصل نموها براحة ما قد يؤجل الرغبة فى الإصلاح فى وقت من المهم القيام بالإصلاحات الآن وتمويلها من الموارد الإضافية لتجنب أى صعوبات أو مشاكل تنموية لاحقاً.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*