الخبيران ديفيس وروبرتس يدقان ناقوس الخطر .. أزمة النفط ستنفجر

الخبيران ديفيس وروبرتس يدقان ناقوس الخطر .. أزمة النفط ستنفجر
صحيفة إيلاف 2005

قبل أيام ، فاجأ البروفسور كينيث ديفيس ، أستاذ الجيولوجيا في جامعة برينستون ، الجميع باعلانه أن ازمة النفط العالمية ” قاربت على الانفجار ” ، وأن هذا سيكون ” كارثة اقتصادية ، ومصيبة سايكولوجية ، مصيبة جيو- استراتيجية ” على كل العالم .
بالطبع ، الحديث عن أزمة النفط ليس جديداً.
فالكل كان يعلم أن إنتاج البترول سيصل إلى ذروته خلال سنوات قليلة ، ربما في العام 2015 ، ليبدأ بعدها انحداره التاريخي .
والكل كان يدرك أن الصراعات التي تجري الآن على الساحة الدولية ، تبدأ بسبب النفط وتنتهي به ، من شن الحروب للسيطرة على ما تبقى من موارد النفط (كما تفعل أمريكا) ، إلى اجتياح كل أسواق البترول من شمال فنزويلا إلى جنوب السودان ، (كما تفعل الصين) ، أو عبر الرهان على القوة الأمريكية لتأمين موارد البترول (كما تفعل أوروبا واليابان) .
بيد أن تحذيرات البروفسور ديفيس ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير . فقد تنبأت بأن الازمة لن تحدث بعد 10 سنوات بل هي بدأت بالفعل الآن . ودعت إلى حلول سريعة قبل فوات الاوان ، تستند اولاً وأساساً إلى الاقتصاد في استهلاك الطاقة ، خاصة من جانب الولايات المتحدة .
هل هذا المخرج ممكن .
قبل الاجابة عن هذا السؤال ، نقف وقفة اولا ً أمام طبيعة ازمة النفط ومدلولاتها ، كما يشرحها
خبير الطاقة البارز بول روبرتس في كتاب مثير يحمل عنواناً أكثر إثارة : ” نهاية النفط ” ( *).
يقول الكاتب ان البترول يشكّل الآن 40 في المائة من طاقة العالم ، فيما يأتي الباقي من الفحم (26% (والغاز الطبيعي ( 24 %). وفي العام2035 سيكون العالم في حاجة إلى ضعف الامدادات الراهنة من الطاقة . فالطلب على النفط سيقفز من 80 مليون برميل في اليوم إلى نحو 140 مليون برميل في اليوم . وثمة تكهنات على نطاق واسع بأن الغاز الطبيعي سيتوّسع أكثر من النفط (أكثر من 120 في المائة) ، والفحم بنحو 60 في المائة .
وهذه بالطبع تطورات مدوّخة .
لكن من أين ستأتي الطاقة الهايدروكاربوية الاضافية
يوضح روبرتس أنه خلال العقد الماضي ، استخدم العالم 24 مليون برميل من النفط سنوياً ، لكنه لم يجد سوى أقل من 10 ملايين برميل من النفط المتجدد سنوياً.
بكلمات أخرى ، الطلب على النفط يتصاعد ، خاصة من جانب الصين والهند الصناعيتين ، فيما يتقلص الأحتياطي والقدرات الانتاجية . إضافة ، إلى أن عدم استقرار سوق الطاقة العالمي يتفاقم . وفي نهاية العقد الحالي ، ستزود اوبك العالم بنحو 40 بالمائة من نفطه ، أي أكثر بكثير من المعدل الحالي الذي يبلغ 28 في المائة .
هذه الخلفية تعطينا ، برأي روبرتس ، فكرة واضحة عن أسباب حرب العراق .
فقبل الحرب كان العراق ينتج 5،3 مليون برميل في اليوم ، والعديد من مسؤولي الادارة الأمريكية اعتقدوا ان هذا الرقم يمكن ان يتضاعف قبل نهاية العام2010 . وإذا ما كان بالامكان ” إقناع ” العراق بتجاهل كوتا أوبك وإنتاج أقصى طاقته ، فإن دفق النفط الجديد يمكن أن ينهي سيطرة أوبك على التسعير.
ثم : إذا ما نجحت أمريكا في تفكيك نفط اوبك ، وبسبب كونها متقدمة لمدة عقد عن باقي العالم في مجال التكنولوجيا العسكرية ، فإن هذا سيضمن لها التفوق لمدة قرن او اكثر. السيطرة على النفط لن تركّز السلطة والقوة الاقتصادية بيد أمريكا فحسب ، بل ستكون أيضاً جزءاً من رؤية جيو – سياسية أوسع، لانها ستعني التحكم بدول اكثر اعتماداً على نفط الخليج ، مثل الصين واوروبا .
بيد أن رد واشنطن على الازمة النفطية العالمية الوشيكة ، والذي يتمثّل في ضمان باقي الموارد من إمدادات النفط بالقوة إذا لزم الأمر ، ستكون له مضاعفات قاتلة على الكوكب.
فانبعاثات غازات الحبيسة الملوثة الناجمة عن إحراق الوقود الأحفوري ، خاصة الغاز والفحم ، يتزايد بمعدل 3 في المائة سنوياً، سيصل مع مثل هذا المعدل إلى 12 مليار طن سنوياً العام 2030 ، واكثر من 20 مليار طن قبل نهاية هذا القرن .
وعلى هذا الأساس ، ستصل غازات الحبيسة في الجو إلى تركز قدره 1100 جزء من المليون ( ثلاثة أضعاف المستويات الحالية) . وهذا باعتراف كل علماء المناخ سيؤدي إلى كوارث محققة.
هل ثمة مخرج من ” يوم الآخرة ” هذا .
أجل . إنه يكمن ببساطة في ما أشرنا إليه في البداية : الاقتصاد الأمريكي ، أساساً ،/ في استهلاك الطاقة .
إذ يقدّر الخبراء هنا أن مصانع الطاقة الأمريكية تهدر طاقة ، في شكل بقايا حرارية ، أكثر من كل حاجات اليابان من النفط . ويشيرون إلى أن إدخال تحسينات في اقتصاد الوقود الخاص يالسيارات والأنارة بمعدل 7،2 ميل في الغالون الواحد ، سيكون كافياً لانهاء الازمة من دون الحاجة إلى كل واردات النفط من الخليج .
وهذا بالطبع حل أفضل بكثير من تدمير العراق ومن شن حروب النفط الدموية في كل الكرة الأرضية . لا بل إن الاقتصاد في الطاقة وزيادة فعاليتها ، قد يوفّران في الواقع نفطاً أكثر مما يمكن اكتشافه تحت الأرض ، وبأسعار أقل من معدل سعر النفط في السوق .
ثم ان مضاعفات مثل هذا الامر مذهلة : إذا ما تم ، على سبيل المثال ، خفض استهلاك الطاقة بمعدل 3 في المائة سنوياً ، سيكون ثمة إمكانية لتلبية طلبات العالم في العام 2100 من خلال ربع الطاقة التي نستهلك اليوم .
بيد ان المعطيات الايجابية شيء ، وتفاعل إدارة بوش معها بشكل إيجابي شيء آخر .
إذ ان كل المؤشرات تدل على أن هذه الأخيرة ليست في وارد تقليص أرباح الشركات الكبرى عبر الاقتصاد في استهلاك الطاقة . جل خياراتها تتركز إما على شن حروب السيطرة على النفط ، أو إيهام الآخرين بأن التكنولوجيا ستكون قادرة قريباً على إيجاد الحلول لازمة الطاقة.
بيد ان كلا الامرين مجرد حلول مزيفة ولن يؤديا سوى إلى مفاقمة أزمة الطاقة .
وإذا ما واصلت الادارة الأمريكية التمسك بمثل هذه الحلول- اللاحلول ، فقد لا يطول الوقت قبل أن تؤدي ندرة النفط إلى إشعال حرائق جيو- استراتيجية في كل انحاء العالم .
ويبدو أن هذا الوقت لن يكون طويلاً بالفعل ، كما يتنبأ البروفسور كينيث ديفيس .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*