نهاية النفط.. متى؟

نهاية النفط.. متى؟
وليد الخدوري
صحيفة الحياة اللندنية 27 نوفمبر 2005

هناك ظاهرة لافتة للنظر في الصناعة البترولية كلما ارتفعت أسعار النفط الخام وهي بروز النظريات والأقاويل التي تدعي أنه لا توجد كميات إضافية من النفط لتلبية الطلب المتزايد عليه ومن ثم ضرورة اللجوء إلى مصادر طاقوية أخرى. والمعنى السياسي لهذا النوع من الكلام هو الاستغناء عن استيراد الطاقة من الدول العربية واستبدال النفط بمصادر طاقوية أخرى – في حال توفرها.
لقد شاهدنا هذه الظاهرة في أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي مع بيان «نادي روما» الشهير الذي توقع انتهاء عصر النفط في عام 1990، ونقرأ عن هذه الظاهرة حالياً في كتاب المستشار المالي الأميركي مات سيمنز الذي يدعي أن المملكة العربية السعودية وبقية دول منظمة أوبك وصلت إلى ذروة طاقتها الإنتاجية النفطية.
والغريب في كلام سيمنز أن الشركات النفطية الوطنية والدولية تصرف عشرات البلايين من الدولارات سنوياً للعثور على النفط الجديد، إما من خلال اكتشاف حقول جديدة أو استخدام التقنية الحديثة لاستخراج نسبة أعلى من النفط من الحقول المنتِجة حالياً. وبالفعل نجد أن دول منظمة أوبك تعمل حالياً على زيادة طاقتها الإنتاجية من النفط الخام والسوائل من نحو 36 مليون برميل يومياً في 2004 إلى 40 مليون برميل يومياً في 2007 و44 مليون برميل يومياً في 2010، على رغم كل الكلام عكس ذلك. وهذه المعلومات ليست سراً، بل يمكن التأكد منها وتدقيقها من خلال ما هو منشور على صفحة الويب الخاصة بالمنظمة.
وتطرق الكاتب المعروف والخبير في شؤون الطاقة دانيال يرغن إلى هذا الموضوع في ورقته المهمة التي قدمها إلى ندوة منتدى الطاقة العالمي في الرياض في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. قال يرغن، صاحب كتاب «الجائزة» الشهير، إن «مؤسسة كيمبردج لأبحاث الطاقة» التي يترأسها تتوقع أن تزداد الطاقة الإنتاجية للسوائل الهيدروكربونية (النفط وبترول الغاز المسال والمكثفات) من 87 مليون برميل يومياً في 2005 إلى 108 ملايين برميل يومياً في 2015.
وأضاف أن العالم سيصل إلى هذا المستوى من الإنتاج على رغم التباطؤ الذي بدأ يحصل في زيادة الطاقة الإنتاجية الروسية والتأخير الحاصل في تطوير صناعة النفط العراقية. كما توقع أن تشكل المصادر الهيدروكربونية غير التقليدية (المكثفات، غاز البترول المسال، الإنتاج من أعماق البحار والمحيطات، والنفوط الثقيلة جداً) نحو 34 في المئة من مجمل النفط الخام المتوافر في الأسواق في 2015.
ويؤكد يرغن أنه «لا يوجد أي دليل على وصول النفط إلى ذروته قبل عام 2020، كما لا يتوافر تحليل شفاف ذات صيغة علمية مقبولة تقنعنا بأننا سنصل إلى ذروة النفط قريباً». وأضاف: «لا تزال أمامنا عقود عدة في هذا القرن قبل أن نصل إلى مرحلة من الاستقرار النسبي للاكتشافات النفطية»، أو بمعنى آخر، عدم تحقيق اكتشافات جديدة كافية تزيد على الموجود وتعوض عن المفقود.
وكلام يرغن هنا جواب مباشر وواضح على كلام سيمنز الذي يحاول أن يقنع الرأي العام الأميركي، من دون أي حقائق واضحة ودامغة، إلى وصول دول أوبك إلى قمة إنتاجها النفطي ومن ثم ضرورة إيجاد البدائل بسرعة وفك الاعتماد على الدول النفطية.
أما بالنسبة للنفوط الجديدة من دول أوبك بالذات، فيتوقع يرغن أن تزيد دول المنظمة من طاقتها الإنتاجية من النفط الخام والسوائل البترولية إلى نحو 50 مليون برميل يومياً في 2015. والأهم من ذلك، يتوقع أن تحصل هذه الزيادة من طريق استعمال تقنيات جديدة تحسن الإنتاجية من الحقول المنتجة الحالية، بدلاً من الاستثمار في عمليات الاستكشاف والتنقيب للعثور على حقول جديدة.
ولكن يحذر يرغن في دراسته القيّمة من الأمور التي يمكن أن تعيق زيادة الطاقة الإنتاجية لدول أوبك، مثل الاضطرابات السياسية وتأخير اتخاذ القرار النفطي المناسب في الوقت اللازم، إضافة إلى النقص الكبير الحاصل حالياً في توفير الطاقة البشرية المهنية المتخصصة وعدم توافر آلات الحفر ومعدات فنية أخرى ضرورية لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى مستويات أعلى بكثير مما هي عليه الآن.
والواضح من كلام الخبير دانيال يرغن أن إمكان التوسع متوافرة أمام الدول النفطية، ولكن المهم الاستقرار الأمني وتبني سياسة واضحة المعالم وشفافة لتطوير الحقول وتشييد المصافي بما يتلاءم مع زيادة الطلب العالمي على النفط الخام والمشتقات النفطية.
وكما تطالب الدول المستهلكة بالشفافية والمعلومات عن الطاقات النفطية المتوافرة، نتأمل من الدول النفطية أن تطلب هي بدورها من الدول المستهلكة توفير المعلومات اللازمة عن أنماط الطلب المستقبلية في بلادها. فمن غير المعقول صرف بلايين الدولارات لتطوير الحقول وبناء المصافي ومن ثم يتراجع الطلب مرة أخرى وتضطر الدول النفطية إلى تجميد استثماراتها في مشاريع غير منتجة، كما حصل في 1998، والقبول بسعر لبرميل النفط لا يتجاوز 10 دولارات.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*