النفط وقبلة الوداع

النفط وقبلة الوداع
نجيب الزامل
صحيفة الاقتصادية (2005)

عثرت على هذا المقال، مقال عجيب محذر ومفزع ومتخم بما يراه الكاتب حقائق ستحدث في هذا العالم الذي ينام ويصحو كل طلعة شمس وكأن النفط طاقة سرمدية، بينما أيامه الأخيرة تطل من منعطف زمني قريب، أقرب مما يتصوره أي أحد. المقال ظهر في ”الجارديان” البريطانية في الحادي والعشرين من نيسان (أبريل) الماضي، للكاتب جون فيدال، وعنوانه: (نهاية النفط أقرب مما تظن) وأنقل لك ترجمة مباشرة من المقال من مقاطع مختارة:
”الشيء الوحيد الذي لا يريد أن يسمعه المصرفيون الدوليون، هو أن الكساد العظيم الثاني قد يكون على الأبواب. ولكن في الأسبوع الماضي قامت مجموعة من المصرفيين السويسريين شديدي المحافظة والكتمان باستدعاء مهندس جيولوجيا بترولية بريطاني متقاعد، ليخبرهم عن بداية نهاية عصر النفط!
لقد استدعوا كولن كامبل ذا الخبرة المكينة في عالم المخزون النفطي، ومؤسس مركز تحليل الاستنزاف النفطي، ومقره لندن. استدعاه المصرفيون لأنه متخصص حتى النخاع، وليس لديه أجندة مالية، وقضى جل حياته في الخطوط الأمامية للاكتشافات النفطية في القارات الثلاث، فقد كان رئيس الجيولوجيين في شركات: ”أموكو”، ”فينا”، ”البترولية البريطانية”، ”تكساكو”، ”شل”، ”شيفرون ـ تكساكو”، و”إكسون” في أكثر من 12 دولة.
ويقول كامبل:” إن نحو 944 مليار برميل من النفط قد استخرج، وإن 764 مليار برميل ما زالت في باطن الأرض في حقول معروفة، وهناك 142 مليار برميل إما في الاحتياطيات وإما نفوط لم يعثر عليها بعد، أي كل ما يتوقع أن يكتشف! وهذا يعني أن استخراج النفط سيصل ذروته القصوى في العام المقبل”.
وإن كان كامبل محقا، فإن الإنتاج النفطي العالمي سيكون متوقعا له انحدار منتظم بمعدل 2 إلى 3 في المائة سنويا، ويعني في المقابل أن أسعار كل شيء، من: السفر، التدفئة، الزراعة، والتجارة، وكل منتج بلاستيكي يخرج من مصانع العالم سيرتفع. وعبر عن هذا المشهد أحد المحللين الأمريكيين بقوله: آن لنا أن نقبل طرقة حياتنا التي اعتدنا عليها قبلة الوداع!
وطبقا لما يقوله السيد كامبل، فإن إحصاءاته أقل ما توصف أنها متفائلة، ويصر أنها حقيقية، في حين نجد أن الآخرين أكثر تفاؤلا. هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية تصرح أن هناك كميات من النفط القابل للاستخراج يزيد على ثلاثة تريليونات برميل، أما وكالة الطاقة الدولية فتصرح أن ذروة الإنتاج لن تكون إلا بعد عقدين من الآن، كما أن السعودية، الكويت، العراق، وإيران، وهي البلدان الأربعة التي تملك معظم الاحتياطي النفطي العالمي، لا تكشف إلا شذرا عن استنزاف الاحتياطيات. وفي الوقت ذاته فإن الشركات النفطية تعلن دائما أن لا خوف من نضوب النفط والغاز لآماد طويلة، وفي تقرير من النفطية البريطانية ورد هذا: ”إن العالم يملك كميات من الاحتياطيات النفطية إلى 40 عاما، و60 عاما للغاز”.
ونقلا عن كمبل، فإن الشركات من النادر أن تفصح عن اكتشافاتها الصريحة لأغراض تجارية، وأن الحكومات التي تملك 90 في المائة من الاحتياطيات كثيرا ما تقول شيئا بعيدا عن الحقيقة، وأن معظم الأرقام الرسمية مضللة، ويقول إن تقدير الاحتياطيات شأن علمي بحت، والحاصل في الواقع لا يتعدى أن يكون عملا سياسيا!
ومن تقرير مكتب الاحتياطيات النفطية الأمريكي تجد هذا النص: ”لقد تعرضت الاحتياطيات النفطية العالمية لاستنزاف بمعدل يفوق ثلاثة أضعاف ما تم اكتشافه”، وينتهي التقرير بنتيجة هي أن العالم سيواجه قصورا في الإمدادات النفطية في وقت سريع. أما ما يقوله بيب بورز محرر مجلة ”الرأي” للطاقة الاستثمارية الكندية، فإن هناك اعتقادا متزايدا من الجيولوجيين الذين يدرسون الإمداد النفطي العالمي أنه متجه في انحدار غير رجعي. ويؤكد السيد كريس سكروبسكي من مجلة ”بتروليوم رفيو” أن الاحتياطيات النفطية تتناقص بمعدل سنوي متصاعد بمعدل 4 في المائة سنويا. ويحذر السيد سكروبسكي بأننا يجب أن نكون قلقين، فإن الوقت المتاح قصير، ونحن حتى لسنا عند النقطة التي نعترف بها في المشكلة أصلا ويقول: ”إن الحكومات متفائلة أكثر من اللازم”!
ومن المتفق عليه أن الطلب على النفط عالميا يتعاظم كل عام، فالدول النامية سترفع معدل الطلب 47 في المائة (121 مليون برميل يوميا)، أما الصين التي زاد طلبها 17 في المائة فقط عن العام الماضي، فلن يطفئ ظمأها في المستقبل القريب عشرة ملايين برميل يوميا وحدها. بينما الهند سيزداد طلبها على النفط بمعدل 30 في المائة في الأعوام الخمسة المقبلة. يعني أن في عقدين من الزمن سيحتاج العالم إلى 160 مليون برميل يوميا، ضعف ما يستنزف اليوم! وحتى لو قيض العثور على حقل عملاق مثل حقل الغوار السعودي، الأكبر في العالم، فإنه سيستنزف بالكامل بحجم الطلب العالمي في عشر سنوات.
يقول كامبل: ”لقد قفلنا الآن النصف الأول من العمر النفطي، ونحن الآن في أول انحدار النصف الثاني”.
وهل تظن أن المصرفيين السويسريين استوعبوا ما قاله كمبل؟ فهو يقول:” يستحيل أن يقبلوا هذه الحقيقة، فأدمغتهم ليست مجهزة لذلك!”
وهنا ينتهي المقال، ولكنه أثار أسئلة كثيرة على مصير مستقبل النفط ومصيرنا نحن، وأرغب بالفعل أن يوضح لنا المختصون النفطيون بمكاشفة حقيقية واقع احتياطنا النفطي، وهل نحن في حالة استنزاف، وهل نحن قريبون لذروة الإنتاج، ثم الانحدار.. والأهم، هل أدمغتنا مجهزة لتقبل الواقع أيا كان؟!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*