نضوب النفط.. الحقيقة والخيال

نضوب النفط.. الحقيقة والخيال
عبير أبوشمالة
جريدة الخليج (2005)

هل ينتهي عصر النفط رخيص التكلفة؟ بل ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في الوقت الحاضر هو: هل تصدق توقعات بعض خبراء النفط التي تؤكد أن العالم يوشك أن يواجه خطر نضوب موارده النفطية؟ منذ سنوات عدة، وتحديداً منذ أزمات النفط في السبعينات من القرن الماضي بدأ الحديث حول إمكانية تعرض موارد النفط للنضوب نتيجة النمو القوي في الطلب العالمي على النفط، شريان الحياة الاقتصادية والصناعية. وبرزت نظرية نضوب النفط التي توصل لها الخبير الجيولوجي كينج هيوبرت الى السطح في تلك الآونة وفرضياته الخاصة بوصول إنتاج النفط العالمي الى حدوده القصوى مهدداً بالتراجع بعد ذلك وصولاً الى النفاد الكامل في نهاية المطاف.
وفجرت نظرية هيوبرت وفرضياته منذ ذلك الوقت وإلى اليوم جدلاً واسعاً بين مؤيد للنظرية ومستبعد لإمكانية تحققها على ضوء انتقادات بأنها لم تأخذ بعين الاعتبار الاكتشافات الجديدة وموارد النفط غير التقليدية مثل الرمال والحقول العميقة التي يصعب استخراج البترول منها ويتطلب بالتالي تقنيات متقدمة واستثمارات مكلفة.
واليوم عادت القضية لتبرز على السطح مجدداً مثيرة الجدل نفسه بسبب الارتفاع الحاد والمستمر في أسعار النفط العالمية، الأمر الذي عزاه البعض الى تراجع حاد في المعروض العالمي من البترول مما يحمل بحسب رأيهم مؤشرات تؤكد صحة نظريات النضوب التي يذهب بعضها في التشاؤم الى حد القول إن نفاد النفط سيكون واقعاً يعانيه العالم بحلول عام ،2008 في حين يكتفي المتحفظ منها بتأكيد نضوب النفط في غضون 100 عام. ولكن المتتبع لواقع أداء قطاع النفط العالمي يمكنه أن يلمس وببساطة أن السبب وراء الارتفاع الحاد الأخير في الأسعار يرجع الى النمو المستمر في الطلب العالمي على البترول الخام، خاصة من قبل اقتصادات الصين والهند مع مواصلتهما النمو والتوسع بخطى قياسية منذ أعوام.
ومن الصحيح أن الاكتشافات الجديدة آخذة في التراجع بحسب البيانات الحديثة، إلا أن ذلك لا يعني قرب نضوب موارد النفط وإنما يرجع لإحجام الشركات النفطية الكبرى عن توظيف المزيد من الاستثمارات في الموارد النفطية غير التقليدية باهظة التكاليف مثل الرمال النفطية في كندا. ويميل الخبراء اليوم الى القول إن الارتفاع الأخير في الأسعار التي اخترقت مؤخراً حاجز السبعين دولاراً للبرميل من شأنه أن يشجع الشركات على زيادة استثماراتها في الموارد غير التقليدية مع تحسن مستوى الربحية المتوقع بالنسبة لها.
وبالإضافة الى ذلك فهناك عوامل عدة تدعونا الى التشكك في مثل هذه النظريات وليس أقلها التحذيرات التي انطلقت قبل 150 عاماً وتتردد بين الحين والآخر، منذ ذلك الوقت مهددة بنضوب وشيك لموارد العالم النفطية من دون أن يتحقق منها شيء على أرض الواقع.
ومن هذه العوامل استمرار انتاج النفط في الارتفاع في الأعوام الأخيرة من القرن الماضي، وارتفاع التقديرات العالمية للاحتياطيات النفطية بسرعة تفوق النمو الفعلي في استخراج النفط. وعلاوة على ذلك فإن أسعار النفط بالرغم من نموها السريع في السنوات القليلة الماضية ما زالت تعتبر معتدلة وتقل أيضاً عن مستوياتها خلال الأزمات النفطية التي عرفها العالم وذلك بعد تعديل الأسعار بحسب التضخم والقوة الشرائية.
وتوضح لنا البيانات الحديثة أن نفط العالم لم ينضب بعد وهو كذلك ليس بطريقه للنضوب في وقت قريب بفضل التقنيات المتقدمة التي أسهمت في زيادة إمكانية استخراج النفط، وارتفاع الأسعار الذي سيعمل على تشجيع الشركات لترفع استثماراتها بصورة أكبر في الأعوام المقبلة. وتشير الدلائل بالفعل الى إقبال العديد من شركات النفط العالمية الكبرى على زيادة استثماراتها في الموارد غير التقليدية للبترول في مختلف أنحاء العالم.
وأكد الخبير الجيولوجي دافيد ديمنج الاستاذ في جامعة أوكلاهوما في دراسة نشرها المركز الوطني للتحليل السياسي (ان سي بي ايه) ان عصر النفط لم ينقض بعد ولن ينقضي كذلك في وقت قريب واستند في رأيه الى عدد من الحقائق أهمها تقديرات المركز الأمريكي للأبحاث الجيولوجية الخاصة باحتياطيات النفط العالمية والتي قدرت في عام 2000 حجم احتياطيات العالم من البترول بنحو 3 آلاف مليار برميل. وقال ديمنج إن هناك بالإضافة الى ذلك الموارد غير التقليدية ومنها الرمال النفطية التي من شأنها أن تضيف الى موارد العالم نحو 600 مليار برميل من النفط.
وأكد ديمنج في دراسته على أن موارد النفط غير التقليدية وحدها من الممكن أن تضيف الى احتياطيات العالم ما يزيد على 14 مليار برميل، أي ما يعادل ويغطي المعروض النفطي للعام لمدة 500 عام قياساً بمستويات الإنتاج عام 2000.
إن هذا الجدل بطبيعة الحال يستحق أن يتوقف المرء عنده محاولاً استشفاف الحقيقة. فالنفط شريان حياة العالم واقتصاداته ونضوبه سيكون تهديداً حقيقياً للإنسانية بشكل عام. وبين الآراء المتباينة نجد أن هناك إجماعاً بين خبراء الاقتصاد والجيولوجيا على أن النفط يعد من الموارد غير المستدامة، أي أنه عرضة شأنه شأن غيره من الموارد الطبيعية للنضوب، لكن السؤال هنا متى يمكن أن تنضب موارد النفط؟ وهل سيواجه العالم هذا الواقع في وقت قريب أم بعد 500 عام؟ وهنا تحديداً يتركز التناقض بين المتفائل والأكثر تشاؤماً. وعلى الرغم من أن الدلائل كافة ترجح كفة الفرضيات الأكثر تفاؤلاً، إلا أن هذا لا يعني أبداً تجاهل التحذيرات، وإن لم نصدقها، فالنفط سينضب في نهاية المطاف مما يعني ضرورة مواجهة هذا الواقع بتقنين الاستهلاك من جهة وبالعمل أيضاً على تطوير مصادر بديلة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*