نهاية عصر النفط

نهاية عصر النفط
إلياس عاقلة
صحيفة الحقائق اللندنية

(الجزء الأول، منشور بتاريخ 10\5\2005):
تواجه البشرية اليوم أكبر أزمة عالمية في التاريخ؛ أزمة تؤثر على حياة جميع الشعوب وتغير مجرى تاريخهم. ستسبب هذه الأزمة انهيار اقتصاد الدول، وقلب أنظمة الحكم فيها، دافعة الشعوب إلى منافسات شديدة، والى صراعات قوية، والى حروب طاحنة فيما بينهم. وما الحرب المدمرة ضد أفغانستان وضد العراق إلا مقدمة لحروب عالمية قادمة. هذه الأزمة هي أزمة نهاية عصر النفط.
تشير دراسات كثيرة أن آبار النفط قد وصلت ذروة إنتاجها، مما يعني أن معدلات استخراج النفط ستتهاوى بشكل مخيف. تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن احتياط النفط العالمي في تناقص كبير سيؤدي إلى نفاذه في السنين القريبة القادمة، ولن يستطيع زعماء العالم تجاهل هذه الأزمة أكثر من ذلك، وسيضطرون إلى مواجهة هذه الأزمة بغض النظر إذا كانوا على استعداد لها أم لا. نفاد الاحتياط النفطي العالمي أصبح الآن المشكلة العالمية الأولى والأكثر إلحاحاً من الاحتباس الحراري.
النفط مصدر الطاقة التي نستعملها لتشغيل آلاتنا ولإنارة بيوتنا ومدننا، ولتشغيل أنظمة المواصلات التي تربط الشعوب بعضها بعضاً والتي تنقل البضائع والأطعمة من مكان إلى آخر على الكرة الأرضية. النفط هو المحرك الذي يدير المؤسسات والمصانع لتطوير الصناعات ولازدهار الاقتصاد. النفط أساس لبناء الحضارات حيث تدخل مشتقاته في جميع نواحي الحياة مثل الأدوية للحفاظ على الحياة، والسمادات الكيميائية لإنتاج المزروعات، وصناعة مادة البلاستيك التي تدخل في صناعة جميع الأدوات اليومية الضرورية لحياتنا، وصناعة المحروقات التي تدير جميع مركبات المواصلات ابتداءً من الدراجة النارية البسيطة إلى المركبات الفضائية المعقدة.
احتياط النفط العالمي محدود الكمية وغير قابل للتجديد. الاستهلاك البشري المتزايد للنفط سيؤدي إلى سرعة نفاده وبعدها ستُطفأ الأضواء إلى الأبد. نفاد الاحتياط النفطي أزمة متوقعة منذ عام 1950 حيث أعلن عن حتمية قدومها العالم الجيولوجي “ماريون هابارت” الذي تنبأ بوصول آبار النفط الأميركية إلى ذروة إنتاجها في بداية السبعينات. رغم ذلك استمرت الشعوب تبني اقتصادها على المشتقات النفطية بسبب رخص أسعارها النسبي وأهملت البحث عن وتطوير مصادر طاقة بديلة.
بدأت الشعوب تشعر بالأزمة النفطية في السنوات الثلاثة الأخيرة بسبب ارتفاع المحروقات في محطات الوقود. وبدأت الأزمة تفرض وجودها على زعماء العالم خاصة بعد أن نُشرت الأخبار في 12 نيسان أن أكبر بئر نفطي في العالم وهو بئر “الغوار” السعودي قد وصل ذروة إنتاجه، هذا عدا عن الـ 27% من استهلاك الاحتياط النفطي المتوقع سنوياً لبقية آبار النفط السعودية. وحسب إحصاءات شركة “أرامكو السعودية” فإن معدل الاستهلاك النفطي للآبار السعودية يتراوح ما بين 600 إلى 800 ألف برميل يومياً في السنة الواحدة. وسيسبب انخفاض استخراج النفط هذا ارتفاعاً أكبر في الأسعار. فقام مدراء مالية مجموعة الدول السبعة (G7) – أميركا، بريطانيا، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا واليابان – بتخصيص جلستهم الأخيرة في 16 من نيسان لدراسة هذه الظاهرة. كما أعربت مؤسسة النقد الدولية المكونة من 184 دولة عن قلقها البالغ لارتفاع الأسعار.
وقد ضربت الأزمة النفطية إندونيسيا التي كانت المنتج الأكبر للنفط في منطقة جنوب شرق آسيا. ولكنها الآن تواجه نقصاً كبيراً في استخراج النفط، فبعد أن كانت آبارها تستخرج 1.52 مليون برميل يومياً عام 1999 هبط الاستخراج إلى 1.07 مليون برميل يومياً عام 2003 وبهذا لم تعد كميات النفط المستخرجة تكفي الاستهلاك المحلي مما اضطر إندونيسيا إلى استيراد النفط من الخارج.
وكذلك شاهدنا نقصاً آخراً في استخراج النفط في إيران وهي مصدر نفطي هام. فقد هبط استخراج النفط في بئر “آغاجاري” – وهو أكبر بئر نفط إيراني – إلى 200 ألف برميل يوميا الآن بعد أن وصل إلى مليون برميل يومياً خلال السبعينات. وتحاول إيران الآن زيادة الاستخراج إلى 300 ألف برميل عن طريق بث الغاز الطبيعي داخل البئر. ويبلغ منتوج النفط الإيراني لكامل آبارها حوالي 4 ملايين برميل.
أخبار مماثلة تأتي الآن من جميع الدول المنتجة للنفط تدل على تسارع في استهلاك الاحتياط النفطي فيها. وتقوم شركات النفط بالإعلان عن خفضٍ في كميات احتياطها النفطي، حيث قامت شركة “شل” مثلا بالإعلان عن انخفاض احتياطها النفطي بمقدار 20% في السنة الماضية فقط. كما أعلنت شركة “أرامكو السعودية” عن نقص في توقعات استخراج نفطها من 12 مليون برميل عام 1978 إلى 9.8 مليون برميل فقط. وقد نشرت مؤسسة الطاقة اللندنية دراسة تحليلية في مجلتها “Petroleum Review” يشير إلى انخفاض الإنتاج النفطي لـ 18 دولة منتجة للنفط – والتي تنتج حوالي 29% من النفط العالمي- بمقدار 1.14 مليون برميل يومياً في نهاية عام 2003. أما إنتاج دول “الأوبك” فقد هبط من 24.7 مليون في عام 1977 إلى 22.1 مليون برميل أواخر عام 2003 حسب تقاريرBP Statistical Review of World Energy.
ومما يزيد الطين بلة تدني عدد الاكتشافات النفطية الجديدة، إذ بلغ عددها 16 عام 2000، وثمانية عام 2001، وثلاثة فقط عام 2002 ، وصفراً عام 2003. ورغم ذلك فإن الطلب في ازدياد كبير خاصة بسبب تحسن في مستويات المعيشة في الهند وفي الصين وغيرهما من الدول النامية مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير. فقد توقعت شركة CIBC World Market ارتفاع سعر البرميل الخام إلى حوالي 77 دولار خلال السنوات الخمس القادمة، والى 100 دولار عام 2010.
ورغم الحديث عن الأزمة النفطية فإن شركات النفط العالمية والسياسيين المواليين لها يحاولون تجاهل حقائقها وينكرون وجودها، بل يحاولون إقناع الشعوب بوجود احتياط نفطي يكفيهم لمدة طويلة. وهم بذلك يحاولون تأجيل تنافس الدول للحصول على أكبر قدر ممكن من النفط ليتيح لهم وقتاً أطول للسيطرة على أكبر قدر ممكن من النفط لأنفسهم. ورغم ذلك فإن المنافسة قد اشتدت وقد أدت إلى حروب إقليمية، إذ لا يوجد هناك أي شك أن النفط هو السبب الحقيقي للاحتلال الأميركي لأفغانستان وللعراق. تقع أفغانستان على طريق خطوط النفط والغاز القادمة من منطقة بحر قزوين لإيصالهما إلى الهند والصين وإلى اليابان. كما هو معروف أن العراق يسبح في بحر من النفط وأنه يحتوي على ثاني أكبر احتياط نفطي بعد السعودية، كما أن آباره النفطية لم تصل بعد إلى ذروة إنتاجها. فالنفط العراقي سيكون مصدر الوقود الضروري لآلات الحرب الأمريكية أثناء حملتها في احتلال منطقة جنوب شرق آسيا.
إمكانية ازدياد إنتاج النفط الإيراني بمقدار 3 ملايين برميل أخرى يجعلها هدفاً آخراً للهيمنة الأميركية، حيث تقوم الإدارة الأميركية بعملية تطويق عسكري لإيران. تقوم الإدارة الأميركية ببناء تسع قواعد عسكرية جديدة في مقاطعات هيلماند وحيرات ونمروز وبلخ وخوست وبكتيا الأفغانية. كما تصرف 80 مليون دولار لتزويد قواعدها في باغرام وفي قندهار بمطارات جوية. وفي أوزباكستان دفعت الإدارة ثمنا للحكومة هناك لتسمح لها ببناء قواعد جوية في ماناس وفي قرشي هاناباد. وكذلك دخلت في اتفاقيات مع كل من طاجكستان وكازاخستان وتركمنستان للسماح لها باستعمال مطاراتها في عملياتها العسكرية لإبادة ما سمته بالإرهاب الإسلامي في المنطقة. أما باكستان فقد سمحت للقوات الأميركية باستخدام مطارها في جاكوباباد وبإقامة قواعد لها في دالباندين وباسني. وبوجود السفن الحربية الأميركية في الخليج العربي يتم تطويق إيران بالكامل. ومن الملاحظ أن القواعد العسكرية الأميركية قد بُنيت في مواقع استراتيجية تسمح لأميركا بالسيطرة على مناطق الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا الغنية بموارد الطاقة. كما أن هذه القواعد موجودة في موقع مركزي بين القوى الثلاث النامية في المنطقة وهي الصين والهند وروسيا.
لإشباع نهمها للنفط قامت الإدارة الأميركية بمحاولتين فاشلتين لقلب نظام الرئيس الفنزويلي “هوجو شافيز” ولتعيين موالين لها مكانه. وتعد فنزويلا أكبر منتج للنفط في أميركا اللاتينية، وهي رابع أكبر مصدر نفطي للولايات الأميركية بعد السعودية وكندا والمكسيك، حيث تصدر حوالي 15% من الاستهلاك النفطي الأمريكي. وقد احتج “شافيز” على اتفاقيات تكرير النفط مع الشركات الأميركية مدعيا أنها تفيد الولايات المتحدة بينما لا تحصل فنزويلا إلا على الفتات. وأعلن أنه يريد إعادة كتابة هذه الاتفاقيات للحصول على حصة أكبر لفنزويلا. كما أعلن أنه يريد تصدير النفط لدول أخرى، حيث قام بالتعاقد مع كل من الصين وأسبانيا. وكذلك دخل في ترتيبات خاصة مع الدول المجاورة له مثل كوبا حيث تم الاتفاق على تبادل النفط مقابل خدمات طبية وتعليمية وبذلك يكون قد ألغى التعامل بنظام البترودولار مما أغضب أميركا. وبعد فشل أميركا في قلب نظام حكمه دخل “شافيز” في علاقات سياسية واقتصادية مع كل من روسيا والصين والهند وإيران في محاولة لحماية نفط فنزويلا من الهيمنة الأميركية. إذ يأمل “شافيز” أن يقوم حلف “BRIC” – المكون من البرازيل وروسيا والهند والصين – بحماية فنزويلا من أي احتلال أميركي محتمل. وقد هدد “شافيز” الإدارة الأميركية بإيقاف تصدير النفط إلى أميركا إذا استمرت الإدارة الأميركية في محاولاتها لقلب نظام حكمه.
لم تكن الولايات المتحدة وحيدة في محاولة السيطرة على موارد النفط، فقد نافستها الصين في ذلك. بسبب نمو اقتصادها المتزايد – 9% سنويا- تعاني الصين من أزمة نفطية شديدة، حيث يتوقع تضاعف اعتمادها على النفط المستورد خلال العقد القادم. ووجهت الصين اهتمامها إلى البحر الواقع بينها وبين جزيرة “أوكيناوا” اليابانية الذي تحتوي رماله على كميات كبيرة من الترسبات النفطية والغازية. واعتماداً على اتفاقات الأمم المتحدة للقوانين البحرية والذي يعطي البلد الساحلي حق التحكم بمنطقة بحرية طولها 200 ميلاً بحرياً من سواحلها، بدأت شركات النفط الصينية بمد أنابيب نفط تحت سطح البحر. فقامت اليابان بالاحتجاج مدعية حقاً لها في هذا البحر بسبب قصر المسافة بين الصين وبين جزيرة “أوكيناوا”. وتواجه اليابان خلافات مشابهة مع روسيا ومع كوريا الجنوبية حول حقوقها في مصادر النفط والغاز تحت البحر.
توجهت الصين في بحثها عن النفط إلى النصف الغربي للكرة الأرضية إلى ألبرتا في كندا بالذات والتي تحتوي على رمال نفطية تقدر كميتها بـ 174 بليون برميل مما قد يجعلها ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم بعد السعودية. وقد اشترت شركات النفط الصينية 17% من هذه الرمال النفطية من شركة MEG للطاقة. وتأمل الصين بعقد اتفاق لنقل النفط خلال خط أنابيب مزمع بناءه إلى سواحل British Columbia ليتم نقله بحراً من هناك إلى الصين. ومن الجهة الأخرى تأمل الولايات الأميركية باستيراد هذا النفط لاستهلاكها المحلي. ورغم التوقع ببدء استخراج النفط مع بداية عام 2007 إلا أن المشروع كله قد يفشل بسبب القبائل الهندية المحلية التي تمتلك الأراضي التي ستمر فيها أنابيب النفط. إذ تخشى هذه القبائل أن تتلوث أراضيها التي تستعملها للصيد مسببة تغيير جذري في أساليب معيشتهم.
أدرك الرئيس الأميركي الأسبق “جيمي كارتر” مخاطر الأزمة النفطية. وتخوف من أن يقود اعتماد أميركا على النفط إلى خوضها الحروب في منطقة الشرق الأوسط. ولتفادي هذه الحروب قام “كارتر” ببناء احتياط نفطي استراتيجي عام 1977. كما قام بتأسيس أول سياسة قومية للطاقة تقوم على استخدام مصادر بديلة لها مثل استخدام الطاقة الشمسية. وفي عام 1979 أسس “كارتر” مشروع بنك الطاقة الشمسية لتحرير أميركا من اعتمادها على النفط. فقامت شركات النفط الأميركية بمعارضته وبدعم منافسه للرئاسة “رونالد ريجان”. وكان أول عمل لـ”ريجان” بعد فوزه في الانتخابات أن أزال ألواح الطاقة الشمسية التي وضعها “كارتر” على سطح البيت الأبيض، وألغى جميع خطط توفير الطاقة التي رسمها “كارتر”. للأسف إن شركات النفط العالمية تهتم بتحقيق مرابح مالية بغض الطرف عن تلوث البيئة وخسارة الأرواح البشرية في حروب من أجل الحصول على النفط بدل أن توجد الحلول لأزمة الطاقة.

(الجزء الثاني منشور بتاريخ 18\5\2005):
انتهاء عصر النفط قادم لا محالة ولا هروب منه. سيتغير نمط الحياة كما نعرفها، وسترتد الشعوب إلى أنماط الحياة القديمة. لن يستطيع الإنسان السفر بسهولة وستزداد المسافات اتساعاً. ستتلاشى المؤسسات العالمية ولن تعد العولمة فكرة عملية. ستتقلص المدن الكبيرة لأن سكانها سيهجرونها إلى الريف بحثا عن أراض واسعة لزراعة مأكولاتهم. وبدلاً من الاعتماد على الأسواق التسلسلية (chain stores) سيضطر الناس إلى الاعتماد على اقتصاد محلي صغير. ستتجمد الحضارات وستضطر الشعوب للعودة إلى أساليب حياة القرون الوسطى ما لم نجد مصادر طاقة بديلة للنفط.
لجأت بعض الحكومات إلى الصراع والى الحروب لتأمين حق مطلق للحصول على أكبر قدر ممكن من النفط. قامت الولايات الأميركية باحتلال العراق – وهو بلد مركزي في منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط – من أجل السيطرة على كل المنطقة. وكذلك احتلت أفغانستان ونشرت قواعدها العسكرية في الدول المجاورة لها لضمان السيطرة على مسار أنابيب النفط والغاز الممتدة من منطقة بحر قزوين إلى شواطئ المحيط الهندي جنوباً. كما تحاول اليابان حماية حقوقها النفطية البحرية من الخروقات الروسية والصينية والكورية الجنوبية. وتقوم الصين بمنافسة الولايات الأميركية في الحصول على الرمال النفطية الكندية، بينما تبقى القارة الإفريقية ساحة منافسة مفتوحة لجميع اللاعبين؛ الأمريكيين والأوروبيين والآسيويين.
ومن الناحية الأخرى يبحث العلماء عن مصادر طاقة بديلة ومتكافئة مع النفط مثل التنقيب في أعماق المحيطات، استعمال الفحم، والغاز – الغاز الطبيعي وغاز الهيدروجين وغاز الميثان، والمخلفات الحيوية، والطاقة الهوائية والذرية والشمسية.
يقترح البعض – الذين لا يزالون مرتبطين بالنفط – التنقيب في أعماق المحيطات بحثا عن مصادر نفطية جديدة. وبالفعل هناك عمليات تنقيب في الشواطئ الأميركية وشواطئ بحر الصين الشمالي. ورغم أن التنقيب في الشواطئ الأميركية مستمر إلا أن الإنتاج لا يزال غير اقتصادي ويواجه معارضات شعبية وسياسية كبيرة لاتساعه. أما بحر الصين الشمالي فهو منطقة صغيرة تجاور دولاً كثيرة تتنافس كل منها بشدة على حقوق امتلاكها وحقوق التنقيب فيها. ويقترح البعض التنقيب في أعماق المحيطات الدولية، ولكن هذه الأعماق لا تزال غير مكتشفة وغير مرسومة بعد. ومن المعلوم أن النفط عادة “يُصنع” في المناطق التي تكثر فيها الحياة العضوية، بينما قاع البحار خالية من هذه الحياة، واحتمال اكتشاف النفط فيها ضئيل جداً، وحتى لو اُكتشف النفط في أعماق البحار فلن يحل أزمة النفط، بل سيؤجلها.
اقترح البعض الآخر العودة إلى استعمال الفحم كمصدر بديل للطاقة، حيث يرون أن كميات الفحم الموجودة في باطن الأرض كثيرة وستزودنا بالطاقة لألف سنة قادمة. وتوجد أكبر مناجم الفحم في الولايات الأميركية وفي روسيا وفي الصين. ولتحويل الفحم إلى وقود يتم سحقه وتحويله إلى سائل. وهذه صناعة قديمة ومعروفة استعملتها ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية وقلدتها فيها دولة إفريقيا الشمالية. لكن الوقود الفحمي وقود قذر يحتوي على كثير من الشوائب السامة مثل حامض الكبريت والزرنيخ والزئبق. وإحراق هذا الوقود ينتج غازات سامة مثل ثاني أكسيد الكربون الذي يلوث البيئة والهواء الذي نستنشقه فيتسبب بكثير من الأمراض التنفسية. عدا عن ذلك فإن عملية تحويل السائل الفحمي إلى وقود عملية غير متكافئة إذ علينا زيادة معدلات الاستخراج الفحمي إلى حوالي خمسة أضعاف الاستخراج النفطي لتغطية الاستهلاك الحالي فقط. كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ازدياد الاستهلاك العالمي المتسارع المرافق لتحسن مستويات المعيشة في الدول النامية. ولا يجب أن ننسى أن احتياط الفحم العالمي سيتلاشى بسرعة إذا قارنا معدل الاستهلاك مع معدل “التصنيع” الطبيعي للفحم الذي يعتمد على مصادر عضوية ويأخذ وقتاً طويلاً.
اقترح آخرون استعمال الغازات – الغاز الطبيعي وغاز الميثان وغاز الهيدروجين – كبديل نظيف خالٍ من الشوائب للنفط. وتستعمل بعض الدول مثل الولايات الأميركية الغاز الطبيعي لتشغيل بعض الحافلات ولكن على شكل محدود. ومن السهل تحويل المركبات السيارة لتعمل على الغاز الطبيعي، ولكن استخراج الغاز الطبيعي لسوء الحظ يتطلب الحفر إلى الطبقات العميقة الساخنة في باطن الأرض حيث تُذيب الحرارة الصخور منتجة غازاً طبيعياً. ثم هناك تكاليف ومخاطر عمليات تحويل الغاز إلى سائل لتسهيل عمليات الخزن والنقل والاستهلاك مما يجعل الغاز بديلاً سلبي النتائج، إذ يتطلب تصنيع الغاز طاقة أكبر من الطاقة التي يقدمها لنا.
يتواجد غاز الميثان في شكله الخام كهيدرات الميثان، وهي مادة صلبة تشبه الجليد وتحترق عند الاشتعال. وينتج غاز الميثان عند غمر الهيدرات في الماء تحت ضغط كبير. ولكن كميات غاز الميثان محدودة مثلها مثل كميات النفط، كما أن معرفتنا بأشكاله وبأماكن وجوده لا تزال محدودة ولا ندرك إذا كنا نستطيع استعماله بشكل اقتصادي أم لا.
تبنى كل من الرئيس الأميركي “بوش” وحاكم ولاية كاليفورنيا “شوارتسنيجر” غاز الهيدروجين كبديل مستقبلي جيد للنفط، خاصة بعد الإعلان عن اكتشاف كميات كبيرة منه في القمر. أما على الأرض فهناك مصدرين رئيسيين لتصنيع غاز الهيدروجين وهما غاز الميثان والماء الطبيعي. وكما ذكرنا سابقاً فغاز الميثان مصدرٌ محدودٌ لا يحل الأزمة النفطية بل يؤجلها. وعملية التحليل الكهربائي للماء لفصل غاز الهيدروجين عن الأكسجين عملية غير اقتصادية، إذ تتطلب حرق ما يعادل ستة جالونات من الوقود النفطي للحصول على جالون واحد من وقود الهيدروجين.
يقوم بعض الأوروبيون باستعمال الفضلات العضوية لاستخراج غاز لوقودهم. ورغم انتشار استخدام خزانات الفضلات العضوية بين بعض المزارعين الأوروبيين وبعض العائلات الصينية الفقيرة لاستخراج كميات غاز كافية للاستهلاك الخاص إلا أن هذه العملية لن تكفي للاستهلاك العام. هذا عدا عن المشكلات الصحية الناتجة عن عمليات جمع وتخزين هذه الفضلات ثم التخلص من النفايات المتبقية.
لجأت بعض المجتمعات الصغيرة لاستخدام التيارات الرياحية لتوليد الطاقة الكهربائية، مثلما فعلت بعض قبائل سكان أمريكا الأصليين. فقد قاموا ببناء “مزارع هوائية” لتوليد طاقة كهربائية لاستهلاكهم المحلي. ولكن المناطق الغنية بالتيارات الرياحية القوية مثل مناطق شمال أميركا وشمال أوروبا قليلة الوجود. عدا عن ذلك فتوليد طاقة كهربائية من التيارات الرياحية تتطلب مزارع هوائية كبيرة. لا يستطيع الإنسان الاعتماد على استمرارية وجود الرياح ولا على ثبات شدتها إذ كثيراً ما تتوقف هذه الرياح.
بعد انصهار المفاعل الذري الأميركي في “جزيرة الأميال الثلاثة” عام 1979، وانفجار المفاعل الذري الروسي في “تشرنوبيل” عام 1986 ازدادت المعارضة ضد بناء المزيد من المفاعل الذرية في العالم. ولكن الجدال عاد إلى الظهور في الوقت الحاضر مع ارتفاع أسعار النفط. ويتخوف المعارضون من التهديدات الخطيرة الناتجة من المفاعل الذرية على جميع أشكال الحياة على الأرض، ومن الأضرار الدائمة للبيئة. إذ يُستخدم الفحم الحجري لتوليد الطاقة الكهربائية الكبيرة الضرورية لعملية تخصيب اليورانيوم، مما يؤدي إلى إطلاق غازات ثاني أكسيد الكربون والكلوروفلوروميثان المدمرة لطبقة الأوزون الجوية التي تحمينا من الأشعة الكونية الضارة. كما تنتج المفاعل الذرية كميات هائلة من الفضلات الذرية المشعة والتي تحافظ على نشاطها الإشعاعي لمدة مليون سنة. وسيؤدي تسرب هذه المواد المشعة في البيئة إلى تلويث الهواء ومصادر المياه والطعام وجميع مظاهر الحياة على الأرض، مسببة الوباءات السرطانية وأمراض اللوكيميا والتشوهات الجينية لتصبح أعراضاً متفشية في الشعوب. وما علينا إلا أن ننظر إلى أطفال العراق الذين يعانون من النتائج الفظيعة لاستعمال أسلحة اليورانيوم المنضب في بلدهم لنتوقع شكل العصر الذري. ولإنتاج كميات طاقة متكافئة للاستهلاك الحالي نحتاج لبناء عشرة آلاف من أكبر المفاعل الذرية الموجودة حاليا حسب التقديرات العلمية. وهذا يعني أننا قد خسرنا السباق فعلياً، إذ يتطلب بناء المفاعل خمس سنين قبل أن يبدأ بإنتاج الطاقة. ولبناء عشرة آلاف مفاعل نحتاج إلى مساحات شاسعة مخصصة لهذا العمل الضخم. وتشغيل مفاعل ذرية بهذا العدد سيؤدي إلى نفاد احتياط اليورانيوم العالمي في مدة تتراوح ما بين خمس إلى عشر سنين.
رغم كل هذه الحقائق الخطيرة ترغب الإدارة الأمريكية ببناء خمسين مفاعل ذري جديد خلال العشرين سنة القادمة حسب خطة الطاقة التي رسمها نائب الرئيس “ديك تشيني”. ومن أجل تحييد المعارضين ولتقليل المخاوف الشعبية تقوم الإدارة الأميركية بتوظيف خبراء وعلماء من مؤسسات وجامعات شهيرة مثل جامعات MIT، وهارفارد، وبرنستون، وجامعة كولومبيا وجامعات أخرى لإلقاء الشكوك على الحقائق العلمية التي تستشهد بها المعارضة، ومن أجل الإدعاء أن التقنيات الجديدة ستمكنهم من بناء مفاعل حديثة بمزايا أكثر أمناً لإنتاج كميات أكبر من الطاقة. أما بالنسبة للنفايات الذرية فقد اقترحت الإدارة الأميركية تخصيص مخزن لها في جبل “يوكا” في ولاية نيفادا حوالي مئة ميل عن مدينة لاس فيجاس. ومن الجدير أن نذكر هنا أن الصحراء الصومالية استخدمت في الماضي كمخزن للنفايات الذرية الأوروبية.
تحت دعم من العملاقين الذريين شركة “وستنغهاوس” وشركة “G.E” تهدف الإدارة الأمريكية إلى احتكار الطاقة الذرية لتصبح المورد الرئيسي لها لبقية دول العالم. ونلاحظ ذلك في محاولة الإدارة كبح جماح الصناعات الذرية في الدول الأخرى مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية وإيران. كما نراه في عملية بيعها الصين 30 مفاعلاً ذرياً من مفاعل شركة “وستنغهاوس” خلال العقدين القادمين. كما تنوي الإدارة الأميركية استخدام اليورانيوم المنضب في أسلحتها للقضاء على أي معارضة لهيمنتها العالمية.
تجاهلت مؤسسات الطاقة تطوير تقنية استخدام الطاقة الشمسية كبديل رخيص وسهل الحصول عليه للنفط. والسبب هو أن هذه التقنية الرخيصة لن تدر عليهم أرباحاً كبيرة، ولن يستطيعوا احتكار مصدرها لأنفسهم فقط. الطاقة الشمسية طاقة نظيفة ورخيصة وعملية وأبدية نسبياً. إنها طاقة طبيعية تتحول إلى أشكال كثيرة من الطاقة حال وصولها إلى الأرض. فإنها تُخزن في النباتات وتصبح طعاماً نأكله، كما أن الأشجار تخزنها في شكل جذوعٍ وأوراق عضوية تتحول عند دفنها في أعماق الأرض مع مر الزمن ومع الضغط إلى نفط نستعمله لوقودنا. وبدل أن نستخرج هذه الطاقة الطبيعية من أشكالها الثانوية المليئة بالشوائب الملوثة، كان الأحرى بنا أن نجمعها في شكلها الطبيعي النقي كطاقة شمسية ضوئية.
تستخدم بعض الدول الشرائح الشمسية لتوليد طاقة لتسخين المياه أو لتوليد طاقة كهربائية محدودة. كما تستخدم هذه الشرائح في المركبات الفضائية وفي الأقمار الصناعية لتوليد طاقة كافية لإدارتها. وقد تم حديثاً صناعة شرائح خاصة توضع على جدران المنازل والأبنية لتجميع الطاقة الشمسية ولخزنها في بطاريات خاصة لاستعمالها كطاقة كهربائية فيما بعد. باستطاعة كل بيت استعمال هذه الشرائح لتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية للاستهلاك المحلي.
تحصيل الطاقة الشمسية الموفرة بشكل مجاني ودائمي لجميع الشعوب قد يقودنا إلى عصر جديد نظيف بيئياً وأكثر سلاماً” أ.هـ.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*