ما هو مستقبل المجتمعات العربية بعد نفاد النفط الوشيك؟

ما هو مستقبل المجتمعات العربية بعد نفاد النفط الوشيك؟
مصطفى الكيلاني (2002)

وردني مقال صادر بمجلة العالم (لوموند) الفرنسية في عدد 7 كانون الاول (ديسمبر) 2001 بقلم فرانسوا بوستنافارمون ان القرن الحالي سيشهد حدثا خطيرا في تاريخ الطاقة هو نفاد النفط. والثابت ان الحوار حول هذا المصير الحتمي انطلق منذ 1970. كما تفطن صاحب المقال الي ان الاهتمام بمستقبل الطاقة يتزايد في كل دورة اقتصادية او عند حدوث ازمة جغرا ـ سياسية حادة.
واذا نظرنا في اهم تبعات احداث 11 ايلول (سبتمبر) الماضي طالعنا موضوع الطاقة، كما ورد علي لسان تياري ديسمارست، الرئيس والمدير العام لشركة توتال ـ فينا ـ إلف في الجلسة الوطنية الفرنسية المنعقدة في 11 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي بتقديرات تتراوح بين ثلاثين وأربعين عاما من المخزون النفطي وما يقارب مئة عام اذا اخذنا بعين الاعتبار الاحتياطات الممكنة الاخري. الا ان الثابت في مختلف التصريحات ان النفط سيتراجع مخزونه في غضون سنة 2025، وتحديدا في تقديرات شركة شال ضمن سيناريوهات عام 2050 التي نشرت في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) المنقضي. وسيمثل النفط نسبة اربعين بالمئة من مجموع مصادر الطاقة الاولية الي سنة 2020، ثم ستنخفض هذه النسبة عام 2050.
لا شك ان المخزون الحالي من النفط سيلبي الحاجات المتزايدة الي حدود 2020، وربما اكثر بقليل. ذلك ما قدرته الوكالة العالمية للطاقة في تقريرها الفصلي الصادر في مطلع تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، اذ سيبلغ الاستهلاك العالمي مليون برميل يوميا. وتتعالي في الاثناء اصوات منذرة بمستقبل صعب نتيجة النفاد المنتظر للطاقة النفطية كتصريح كولن كامبل في كتابه الازمة النفطية القادمة بأن بدء تضاؤل الطاقة النفطية يرجح ان يكون عام 2025. وتجاه تزايد نسبة الاستهلاك يتراجع المخزون النفطي لتتقلص بذلك تدريجا المدة المتبقية في عمر هذه المادة الحيوية. فالمعادلة، اذن، صعبة لانها متعددة الوجوه، فهي اقتصادية وجيولوجية وتكنولوجية وديموغرافية وجغرا ـ سياسية، اذ ستبلغ نسبة التحضر في العالم ثمانين بالمئة من مجموع السكان عام 2050. ونتيجة لهذا الانفجار السكاني الهائل المنتظر في المدن ستبلغ الحاجة الي استهلاك الطاقة مستوي مذهلا، وقد يخطيء هذا المعطي كل التقديرات، بل قد يشهد ميدان الاستثمار النفطي انقلابات هائلة في الاعوام القريبة القادمة لتحقيق الحاجات المذكورة المتوقعة.
ويمكن للحفريات ان تفاجيء الجميع باكتشاف آبار جديدة ترجيء لمدة اعوام اخري النفاد الكامل لهذه الطاقة.
الا ان الارقام التي صرحت بها الوكالة العالمية للطاقة تجعل الخبراء الاستراتيجيين ينشغلون بمصير الانسانية في العقدين القادمين، اذ سترتفع نسبة الاستهلاك العالمي للنفط من 72 مليون برميل يوميا عام 2001 الي 92 مليون برميل يوميا سنة 2010 و112 مليون برميل عام 2020، اي بتزايد قدره 55 بالمئة طيلة عشرين عاما. ولكن، ما هي الطاقة البديلة للنفط؟
وكما عوض النفط مادة الفحم في القرن العشرين فان الغاز هو الطاقة التي ستكون الاكثر استعمالا لمدة زمنية تتراوح بين ستين ومئة عام، بدءا من ثلاثينات هذا القرن، تقريبا.
وبناء علي هذا التغيير فان الشركات المتعددة الجنسيات، اضافة الي القوة الاعظم مدفوعة اكثر من ذي قبل الي التفكير في واقع جغرا ـ سياسي جديد بعد ان ثبت للجميع ان روسيا ستكون اول دولة منتجة للغاز في العالم تليها ايران، مع الجزم بأن مخزون روسيا يفوق مخزون ايران ثماني مرات، والبلدان يقتسمان معا نصف مخزون العالم بأسره من هذه المادة الحيوية. ولا يقتصر الاهتمام هنا علي الغاز، بل تخطط شركة شال علي سبيل المثال لا الحصر، للاستثمار في قطاع الطاقة المائية والشمسية في حين تفكر شركات اخري اوروبية وامريكية في العمل علي الاستثمار في قطاع الطاقة النووية، كما تبحث شركة بوينف في صناعة طائرات بتشغيل كهربائي تكون جاهزة في خدمة المسافرين خلال العقدين القادمين. هذه الحقائق وغيرها تدفعنا الي اثارة عديد الاسئلة حول راهن اقتصادات الدول النفطية ومستقبلها، بل انها تشمل الوجود العربي بأسره اذا تعلق الامر بخطط التنمية وبرامجها العاجلة والآجلة.
هل يمكن للعرب اليوم الاستفادة من الاخطاء السابقة والهزائم المتلاحقة طيلة عقود ومراجعة انفسهم باتباع نهج ثابت في ترشيد المال وتمويل المعرفة ومغالبة واقع التشرذم والمديونية والامية وغياب البرامج الانمائية الواضحة؟ لا شك ان اللعبة الجغرا ـ استراتيجية لا تزال محكومة بأولوية النفط في تحديد الامن القومي للدولة الاعظم اليوم في العالم.
الا ان التخطيط المستقبلي يجاوز عصر النفط الي عصر الطاقة او الطاقات الجديدة الحادثة والممكنة تبعا لتطور البحوث الخاصة في هذا المجال. فما هو مستقبل المجتمعات العربية بعد احتجاب النفط؟ وكما تعرضت، ولا تزال، ثروة العرب المادية لفوضي التخطيط وواقع الاستنزاف فان ثروتهم العقلية والروحية محكومة هي الاخري بالتعطيل والتقسيم والمراقبة والحصار خوفا من روح متوثبة وعقل فاعل يعيد تنظيم الاشياء بفكر جديد قادر علي تغيير الواقع.
لقد أثبتت الدراسات المستقبلية الخاصة بنفاد النفط وبالطاقة او الطاقات البديلة ان ما حدث في حرب الخليج الثانية وما يحدث اليوم في افغانستان قريبا من بحر قزوين وتحديدا من التكتل الاقليمي الاسيوي الممكن او المنتظر بين روسيا والصين وايران وخطر ذلك علي مصالح القوة الاعظم في العالم وجوب التفكير في راهن العرب ومستقبلهم في ظل العقود الثلاثة القادمة واثر نفاد الطاقة النفطية والاستعداد لعصر ما بعد النفط؟ كيف نخطط للعاجل والآجل؟ كيف نستفيد مما تبقي من الثروة النفطية وغيرها من الثروات المادية والعقلية والروحية؟ كيف نضمن بقاءنا امة قوية فاعلة في خارطة التكتلات الكبري في عالم اليوم والغد القريب؟

* ناقد واستاذ جامعي من تونس
(نقلا عن صحيفةالقدس العربي الصادرة يوم السبت 5 يناير 2002)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*