العالم في مواجهة احتمال نفاد البترول

العالم في مواجهة احتمال نفاد البترول
الهيدروجين مشروع مستقبلي للطاقة
عبد الرحمن نذير (2005)
الأحداث المغربية 29 ابريل 2005

أصبح من غير الممكن خلال السنوات القادمة الحديث عن الطاقة كيفما كان مجال استخدامها، دون التطرق إلى محاور مهمة تتعلق أساسا بالنفاد المرتقب للهيدروكربورات الأحفورية خاصة البترول والغاز الطبيعي والفحم، وكذلك مشكل انبعاث الغازات السامة وتأثيرها على المستقبل البيئي للكرة الأرضية. فالمصادر الطاقية الأحفورية طغت على استهلاكات الطاقة في أيامنا هاته، وأصبحت تمثل حوالي 80 في المائة من الطاقة الأولية التجارية وغير التجارية العالمية، لكن يبقى من الطبيعي أن تنتشر المصادر الأحفورية بشكل محدود في الطبقات الجيولوجية للقشرة الأرضية، كما أن الاحتراق الناتج عن هذه المصادر يعتبر مصدرا أساسيا لانبعاث الغازات الكربونية التي من شأنها أن تشكل خطرا على البيئة. ويشكل البترول أحد أهم مصادر الطاقة الأحفورية التي خلقت توازنا بين العرض والطلب على مستوى الطاقة منذ بداية الثورة الصناعية، لكن هذا المصدر الطبيعي أصبح معرضا للنفاد بفعل الاستنزاف الذي يتعرض له. فبعض المحللين يعتقدون أن إنتاج البترول سيمر بأزمة في حدود سنة 2010، بينما يعتقد المتفائلون منهم أن هذه الأزمة لن تحصل قبل سنة 2030 أو 2040. وعلى العموم، تشير الإحصائيات إلى أنه في أفق سنة 2050، سيتضاعف استهلاك الطاقة مقارنة مع الاستهلاك الحالي، وإذا ما تواصل استنزاف البترول بالشكل الحالي، فإن العالم سيعرف خلال السنوات القليلة القادمة عجزا يصل إلى 20 في المائة بالنسبة لحاجياته الطاقية، ولن تستطيع حينئذ الطاقات المتجددة المعتمدة بالأساس على الهيدروليك والكتل الإحيائية الوقوف في وجه هذا العجز. وتستطيع الدول المتقدمة تحقيق اقتصاديات الطاقة كحل لمشكل العجز في الموارد، غير أن الدول الآسيوية وخاصة الصين لن يمكنها تحقيق ذلك بسبب ارتفاع الحاجيات الطاقية الضرورية لضمان النمو الطبيعي لاقتصاديات هذه البلدان، وهو نفس المشكل الذي يمكن أن تعاني منه البلدان النامية التي تعرف تأخرا ملحوظا على المستوى الصناعي والتكنولوجي مما يحول دون تطويرها لمصادر طاقية تمثل بديلا عن المصادر الأحفورية المستنفدة. وإذا انطلقنا من حتمية وجود مصادر للطاقة تضمن للإنسان الاستمرار على وجه الأرض بنفس مستوى العيش الحالي، فإن دول العالم تجد نفسها مضطرة للبحث عن مصادر أخرى تعوض البترول، أو على الأقل، تؤخر نوعا ما من الأزمة المحتملة في مجال الطاقة. فوكالة الطاقة العالمية قدرت في تقريرها الفصلي الصادر في مطلع أكتوبر الماضي أن المخزون الحالي من البترول سيلبي الحاجات المتزايدة إلى حدود سنة 2020 وربما أكثر بقليل، إذ سيبلغ الاستهلاك العالمي مليون برميل يوميا، وتتعالى في الأثناء أصوات منذرة بمستقبل صعب نتيجة النفاذ المنتظر للطاقة البترولية، حيث صرح كولن كامبل في كتابه « الأزمة النفطية القادمة » بأن بدء تضاؤل الطاقة النفطية يرجح أن يكون عام 2025. وعلى عكس اتجاه تزايد نسبة الاستهلاك يتراجع المخزون العام للبترول لتتقلص بذلك تدريجيا المدة المتبقية في عمر هذه المادة الحيوية، فالمعادلة إذن صعبة، لأنها متعددة الوجوه، فهي اقتصادية وجيولوجية وتكنولوجية وديمغرافية سياسية، إذ ستبلغ نسبة التحضر في العالم 80 بالمائة من مجموع السكان عام 2050، ونتيجة لهذا الانفجار السكاني الهائل المنتظر في المدن، ستبلغ الحاجة إلى استهلاك الطاقة مستوى مذهلا، وقد يخطئ هذا المعطى، بل قد يشهد الاستثمار في مجال البترول انقلابات هائلة في الأعوام القريبة القادمة لتحقيق الحاجيات المذكورة المتوقعة، ويمكن للحفريات أن تفاجئ الجميع باكتشاف آبار جديدة ترجئ لمدة أعوام أخرى النفاد الكامل لهذه الطاقة، إلا أن الأرقام التي صرحت بها الوكالة العالمية للطاقة تجعل خبراء الاستراتيجية ينشغلون بمصير الإنسانية في العقدين القادمين، إذ سترتفع نسبة الاستهلاك العالمي للبترول من 72 مليون برميل يوميا عام 2001 إلى 92 مليون برميل يوميا سنة 2010 و112 مليون برميل يوميا سنة 2020، أي بزيادة قدرها 55 في المائة طيلة عشرين عاما، وبذلك يبقى السؤال المطروح هو ما هي الطاقة البديلة للنفط ؟ يؤكد “كريستيان نغو”، المندوب العام لنادي “إيكران” بفرنسا، أن الطاقة النووية تستطيع الوقوف في وجه العجز الطاقي الذي يمكن أن يعرفه العالم خلال السنوات القادمة، لكن ذلك يبقى رهينا بإنشاء أكثر من 2000 مركز نووي، إضافة إلى تطوير الاستثمارات في مجال المصادر الحرارية ذات الدرجات المنخفضة عن طريق استعمال المضخات الحرارية التي تضخم الحرارة، حيث تستطيع عبر استهلاك كيلو واط واحد من الكهرباء، إنتاج من 3 إلى 4 كيلو واط من الحرارة، وبالتالي فإن الطاقة النووية يمكن اعتبارها حلا في العشرية القادمة كمكمل لمصادر الطاقة الأحفورية الموجودة حاليا، والتي لن تستطيع الاستجابة للحاجيات الكبرى للعالم. ويضيف “كريستيان” أن أهمية الطاقة النووية تظهر في قدرتها على إنتاج الكهرباء بأثمان منخفضة، مع ضمان استقرار هذه الأثمان لحوالي 50 أو 60 سنة (وهي مدة حياة المراكز النووية)، مشيرا إلى أنه رغم تضاعف ثمن اليورانيوم بحوالي 10 مرات، فإن ثمن الكيلو واط الواحد من الطاقة ارتفع فقط بـ 40 في المائة. ومن جهة أخرى، يعتبر “كريستيان نغو” أن مفاعلات النوترونات السريعة تمثل مستقبلا للطاقة النووية، حيث تمكن من استعمال اليورانيوم 238، ولا تقتصر فقط على اليورانيوم 235 الذي يتواجد فقط بنسبة 0.7 في المائة من اليورانيوم الطبيعي، مما سيضاعف احتياطات الطاقة بحوالي 150 مرة، وهذا يعني ضمان مصدر للطاقة لملايين السنين القادمة. وسيمكن عمل المفاعلات النووية ذات النوترونات السريعة من زيادة القدرة الإنتاجية من الطاقة النووية بحوالي 50 في المائة، بعد أن كانت مساهمة هذا النوع من الطاقة لا تتجاوز 33 في المائة في الوقت الذي كانت تعتمد فيه المفاعلات على النوترونات الثقيلة والماء المضغوط، كما ستمكن من تبديد كيلو واط من الطاقة الحرارية لكل كيلو واط من الكهرباء، مقابل 2 كيلو واط بالنسبة للمفاعلات التقليدية. وتوفر هذه المفاعلات إمكانية إنتاج نسبة قليلة من النفايات، كما ستساعد على إحراق جزء من النفايات التي تصدرها المفاعلات الحالية، لكن تبقى هناك إكراهات تواجه عمل هذا النوع من المفاعلات مما سيؤجل دخولها حيز التطبيق إلى النصف الثاني من هذا القرن، لكن الأبحاث في هذا الإطار انطلقت منذ الآن. ورغم أن الطاقة النووية لن تكون حلا لمشكل الطاقة العالمية، لكنها ستلعب دورا مهما كمكمل للمصادر الطاقية الأخرى لضمان تطور دائم للاقتصاد العالمي في موجهة النقص الحاد في مصادر الطاقة الأحفورية والوقوف في وجه انبعاث الغازات السامة. ويعتبر من غير الممكن الحديث عن مستقبل الطاقة العالمية دون الحديث عن الفحم الذي يحتل المرتبة الثانية بعد البترول، فهو يساهم بـ 23.5 في المائة من الإنتاج العالمي للطاقة الأولية، كما يستعمل بشكل واسع لإنتاج الكهرباء، حيث يمثل 39 في المائة من الإنتاج العالمي متقدما بذلك على مصادر أخرى من بينها الطاقة النووية، الغاز الطبيعي والكهرباء الهيدروليكية، وبذلك فهو يمثل مصدرا لا يمكن إهماله في إنتاج الكهرباء خصوصا مع تقلبات الاستهلاك اليومي. ويؤكد “شكيب بواعلو” أستاذ باحث بمدرسة المناجم بباريس، أن الاحتياطات العالمية الحالية من مادة الفحم تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي العالمي من هذه المادة لحوالي 220 سنة قادمة، متفوقة بطبيعة الحال على نظيرتها لدى البترول والغاز الطبيعي. لكن استعمال مادة الفحم كمصدر للطاقة تواجهه عدة إكراهات، خصوصا العناصر التقليدية الملوثة التي يحتوي عليها كأوكسيد الكبريت SO2، وأوكسيد الأزوت KOx، والغبار، وفي هذا الإطار، يعمل العلماء على تطوير مراكز لإنتاج الفحم تعمل على الحد من تسرب غاز ثاني أوكسيد الكاربون وذلك لتخفيف انبعاث الغازات ذات التأثير السام. ويبقى مشروع خلايا الاحتراق الهيدروجينية آخر ما توصل إليه العلماء كمصدر للطاقة، ومن المنتظر أن يتم العمل به أولا في الاقتصاديات الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية، أوربا، الصين واليابان. ويعتمد هذا المشروع على الاحتراق الكامل للهيدروجين الذي تنتج عنه طاقة هائلة يمكن الاستفادة منها في إنتاج الكهرباء، ولا يؤثر هذا الاحتراق بأي شكل من الأشكال على البيئة، لكن تبقى هناك إكراهات عديدة تواجه إنتاج الطاقة من هذا المصدر، أهمها غياب تقنيات تساعد على إنشاء احتياطات الطاقة الناتجة عنه، وكذلك طرق توزيعها. وإجمالا، يتضح أن التخطيط المستقبلي لا بد أن يتجاوز عصر البترول إلى عصر الطاقة أو الطاقات المتجددة الممكنة تبعا لتطور البحوث الخاصة في هذا المجال، ولا بد لمجتمعات العالم أن تبحث عن مستقبلها في ظل غياب البترول، فهذه الحقائق وغيرها تدفعنا إلى إثارة العديد من التساؤلات حول راهن اقتصاديات الدول النفطية ومستقبلها، بل إنها تشمل الوجود العربي بأسره إذا ما تعلق الأمر بخطط التنمية وبرامجها العاجلة، كيف سنواجه نحن العرب آثار نفاذ البترول ؟ كيف نخطط للعاجل والآجل ؟ وكيف نستفيد مما تبقى من الثروة النفطية وغيرها من الثروات، وأخيرا كيف نضمن بقاءنا أمة فاعلة في خارطة التكتلات الكبرى في عالم اليوم والغد القريب ؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*