أرامكوا أوقدت نار الشواء قبل أن تصطاد الأرنب

أرامكوا أوقدت نار الشواء قبل أن تصطاد الأرنب
إذا أخطأت حسابات «أرامكو» فلن تستطيع إنتاج 15 مليون برميل في اليوم إلا لمدة 14 عاماً
د. أنور علي ابوالعلا ٭
جريدة الرياض 28 ابريل 2005

بعد أن أعلن وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي النعيمي أن المملكة تخطط لزيادة طاقتها الانتاجية إلى 12,5 مليون برميل في اليوم (جريدة الرياض الأربعاء: 29/ذي الحجة/ 1425). فإن أول وأهم سؤال يجب أن تضعه وزارة التخطيط أمام عينيها هو: كيف يؤثر زيادة انتاج البترول من 9 ملايين إلى 12,5 مليون برميل على المدة الزمنية المتاحة لنا التي يمكن خلالها انجاز خطة تهدف إلى ايجاد مصادر بديلة لدخل البترول قبل أن يصل انتاج بترول المملكة إلى مايسمى: الذروة Peak حيث ستبدأ حينئذ رحلة النضوب و يأخذ الانتاج في التناقص باستمرار سنة بعد سنة؟
للجواب على هذا السؤال سنناقش الموضوع في مقال من حلقتين. اولا: في الحلقة الأولى سنناقش الموضوع بشكل علمي دون ابداء أي رأي شخصي للكاتب. أي سيقتصر بحثنا على ماذا يحدث لو أن:What If ثم ثانيا في الحلقة الثانية من المقال سنتناول الموضوع بالتعليق على بعض النقاط الواردة فيه.
يوجد ثلاثة معطيات (هي: اولا مقدار احتياطي بترول المملكة. وثانيا معدل الانتاج. وثالثا معدل الانتاج إلى الاحتياطي) تجعلنا نستطيع أن نحسب بدقة متى يصل بترول المملكة إلى الذروة ومن ثم يبدأ رحلة النضوب. من بين هذه المعطيات الثلاث يعتبر المعطى الأول (أي مقدار الاحتياطي) هو المعطى الوحيد الذي لا يمكن لأرامكو أن تحدده بدقة وهو قابل للجدل. أما المعطيان الآخران فهما خياران بإمكان ارامكو أن تقرر مقدارهما وبإمكانها أن تغير معدّليهما حسب ما يطرأ من الظروف.
الشيء المعروف أن احتياطي بترول المملكة الرسمي هو 260 مليار برميل. ويبلغ متوسط انتاجها 9 ملايين برميل في اليوم. كما أنه وفقا للسيناريوهات التي أخذت تنشرها ارامكو مؤخرا عن خططها الانتاجية على مدى ال 50 عاما القادمة يتضح أنها تعتمد في حساباتها على معدل انتاج إلى احتياطي قدره 1 إلى 33 باستخدامنا لهذه المعطيات الثلاث المذكورة أعلاه يتبين لنا أنه اذا قررت ارامكو الآن أن ترفع الانتاج من 9 ملايين إلى 12,5 مليون برميل فإن النتائج ستكون كما يلي:
1) سينقص العمر الزمني للبترول فورا بمقدار 23 عاما. فبدلا من أن يكون عمر البترول 80 عاما سينخفض إلى 57 عاما فقط. ولكن مصطلح العمر الزمني هو مقياس مضلل. لماذا؟ لأنه من المستحيل أن يستمر الانتاج على نفس المستوى على مدى العمر الزمني للبترول. فلن يلبث الانتاج طويلا حتى يصل الانتاج إلى ما يسمى الذروة فتضطر ارامكو إلى خفض الانتاج تدريجيا حتى لا تتعرض الحقول للخراب ويتسرب البترول من مكامنه ولا يمكن استخراجه من تحت ألأرض.
2) سينخفض الزمن اللازم للوصول للذروة إلى النصف فبدلا من أن يكون 46 عاما سيصبح 24 عاما فقط. ومعنى هذا أن ارامكو لن تستطيع أن تنتج 12,5 مليون برميل الا لمدة 24 عاما فقط ثم ستبدأ مضطرة إلى تخفيض انتاج كل سنة بمقدار 3٪ عن السنة السابقة لها حتى تحافظ على معدل انتاج إلى احتياطي قدره 1 إلى 33.
من الواضح أنه رغم أن احتياطي قدره 260 مليار برميل يبدو لأول وهلة رقما ضخما – ينخدع به غير المتخصصين في اقتصاديات الموارد الناضبة – الا أنه في الواقع من الناحية العملية لا يكفي لانتاج اثنى عشر ونصف مليون برميل في اليوم الا مدة قدرها 24 سنة فقط ثم يأخذ الانتاج في التناقص.
لا شك أن ارامكو تعرف أن هذا الوضع لا يؤدي للارتياح ولعل هذا هو السبب الذي جعل ارامكو لا تكتفي باستخدام الاحتياطي الحالي وهو مايعرف باسم: Proved Reserve المقدر ب 260 مليار برميل في حساباتها ولجأت إلى الاستعانة بما يسمى: الاحتياطيات الاحتمالية والممكنة Probable& Possible Reserves فأعلنت أنها تتوقع أن يزيد الاحتياطي الذي يمكن استخراجه من تحت الأرض بمقدار 200 مليار برميل ليصبح اجمالي الاحتياطي 460 مليار برميل حتى تطمئن العالم إلى أنها تستطيع أن ترفع الانتاج إلى 12,5 مليون برميل أو حتى إلى 15 مليون برميل في اليوم اذا احتاج السوق لذلك.
اذن السؤال الآن: بعد أن عرفنا أن 24 سنة هي فترة قصيرة – هو: ماهو تأثير زيادة الاحتياطي من 260 مليار إلى 460 مليار برميل على تطويل العمر الزمني وتأجيل الوصول إلى الذروة (أي بداية رحلة النضوب) عندما يكون الانتاج 12,5 مليون برميل في اليوم؟
1) العمر الزمني لبترول المملكة سيقفز الى 100 عام. ولكن كما وضحنا في السابق أن العمر الزمني ليس هو المقياس الذي يعتمد عليه لوضع خطة لدورة الانتاج. لأن العمر الزمني هو مجرد مصطلح نظري شاع استعماله كمؤشر للدلالة على أن البترول مورد ناضب له عمر محدد يزيد كلما قلّ معدل الانتاج و يقصر كلما زاد معدل الانتاج.
2) سيمتد الزمن اللازم للوصول إلى الذروة إلى 68 سنة بدلا من 24 سنة. أي ستستطيع ارامكو انتاج 12,5 مليون برميل يوميا لمدة 68 عاما ثم تبدأ رحلة النضوب بسرعة انحدار قدرها 3٪ في السنة الواحدة.
لإلقاء مزيد من الضوء قد يكون من المناسب أن نسأل الآن ماذا يحدث لو أن ارامكو مضت قدما في تنفيذ ما تصرح به الآن وزادت انتاجها إلى 15 مليون برميل في اليوم؟
أولا: اذا كان الاحتياطي قدره 260 مليار برميل ستكون النتائج كالتالي:
1) العمر الزمني سينخفض إلى 47 عاما فقط.
2) سينخفض الزمن اللازم للوصول إلى الذروة إلى 14 سنة فقط. أي سيكون بإمكان ارامكو انتاج 15 مليون برميل في اليوم لمدة 14 سنة فقط ثم يبدأ الانتاج في التناقص سنة بعد سنة بمقدار 3٪.
ثانيا: أما اذا تحققت توقعات ارامكو وزاد الاحتياطي ليصبح قدره 460 مليار برميل ستكون النتائج كالتالي:
1) سيصبح العمر الزمني 84 عاما.
2) ويصبح الزمن اللازم للوصول إلى الذروة 51 عاما. أي سيكون بإمكان ارامكو انتاج 15 مليون برميل في اليوم لمدة 51 سنة فقط. ثم يبدأ التناقص في الانتاج بمقدار 3٪ كل سنة.
نستخلص من هذا أنه حتى لو سمحنا لأرامكو أن توقد نار الشواء قبل أن تصطاد الأرانب وسلّمنا بأن احتياطي البترول سيقفز من 260 مليار إلى 460 مليار برميل فإنها لن تستطيع انتاج 15 مليون برميل في اليوم الا لمدة 51 عاما فقط. أما اذا لم تجر الرياح بما تشتهي السفن ولم تستطع ارامكو أن تزيد الاحتياطي إلى أكثر من 260 مليار برميل فانها لن تستطيع انتاج 15 مليون برميل في اليوم الا لمدة 14 سنة فقط ثم تبدأ رحلة النضوب. فهل ياترى أخذت وزارة التخطيط – وهي تخطط للأجيال القادمة – في اعتبارها أن زيادة انتاج البترول إلى الضعف تؤدي فورا إلى تقصير عمره إلى النصف؟
هذه الحسابات الموضوعية التي تضع الأرقام مجردة أمام عيوننا لتترك لنا التفكير واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب يجب أن لا يفهم منها أنها اعتراض على سياسة ارامكو الانتاجية، كما أنها بالتأكيد ليست هي تأييد لها. وانما هي فقط بحث علمي محايد يقوم به مركز اقتصاديات البترول كجهة محايدة تنظر من موقع وزاوية تختلفان عن الموقع والزاوية التي تنظر منهما ارامكو.
لا شك أن قيام جهات مستقلة باجراء الدراسات والبحوث العلمية التي توضح الجوانب المختلفة ذات العلاقة بمستقبل اقتصاد المملكة هو الطريق السليم لتوفير المعلومات الكاملة والصحيحة لأصحاب القرار لأنه من المستحيل أن تتوفر هذه المعلومات اذا كان مصدرها الوحيد هي الجهة الموكل بها أداء العمل ولابد من تعدد المصادر المتخصصة والموثوق في قدرتها العلمية على اجراء الدراسات وتحليل المعلومات بشكل موضوعي حتى لا نؤخذ على حين غرة لا سيما أنه قد مضى منذ بداية تصديرنا للبترول إلى اليوم مايقارب الستين عاما فهل يمكن من خلال قراءة تاريخ مسيرتنا الصناعية في الستين سنة الماضية أن نستنتج اننا نسير بالسرعة الكافية للانتقال بأمان من عصر البترول إلى عصر مابعد البترول آخذين بعين الاعتبار أن ماتبقى لنا من عمر البترول لن يزيد كثيرا عما مضى من عمره؟ بينما عمر مملكتنا الغالية سيمتد – إن شاء الله – إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
٭ رئيس مركز اقتصاديات البترول

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*