الوداع التدريجي للنفط

الوداع التدريجي للنفط
فريتز فهرنهولت (2005)

مايزال النفط يشكل المادة الأولية الأهم لإنتاج الطاقة الكهربائية والتدفئة والوقود. إلا أن المخزون النفطي محدود. الأمر الذي يجبر الإنسانية على التفكير في مصادر بديلة. ديزل (مازوت) بيولوجي أو وقود عضوي، أية مواد وأية تقنية يمكنها استبدال النفط؟ والأهم من ذلك كله، متى يغدو ذلك ممكنا؟
عندما يفرغ خزان سيارة رينيه غونتر لا يتجه إلى محطة الوقود، وإنما إلى مطعم الوجبة السريعة. غونتر، سائق تاكسي في ألتلاندسبيرغ بالقرب من برلين يجمع الزيت القديم المستخدم في الطهي والقلي، حيث يقوم في المنزل بتصفيته ثم يملأ خزان وقود سيارته المرسيدس من طراز (سي 220 ديزل). الصعوبة التي يواجهها في جمع الزيت القديم تمكنه من التنقل بسيارته بأقل التكاليف، تقريبا بشكل مجاني.
زيت القلي كمصدر بديل للطاقة؟ بعملية حسابية بسيطة نجد أن زيت القلي المستخدم في كل ألمانيا لا يسد أكثر من 1% من مجمل حاجة سيارات الديزل (المازوت) التي تمشي على الطرقات الألمانية. 32 مليار لتر في عام 2004. جميع المهتمين بالأمر في سباق مع الزمن، إذ أن سائقي التاكسي ليسوا هم الوحيدين الذين يفكرون بما سيحدث بعد أن ينتهي النفط، وبالتالي البنزين والديزل (المازوت).
ورغم أن سعر برميل النفط قد تراجع عن الرقم القياسي الجديد، 70 دولارا للبرميل، الذي وصله في أواخر آب/أغسطس 2005، إلا أن سعر النفط الآن مازال يعادل أكثر من ضعفي سعره قبل عامين. ولا يوجد أية مؤشرات حول انخفاض الأسعار. ويحذر خبراء منظمة اليونيسكو: “لقد ولى زمن النفط الرخيص إلى غير رجعة”. وفي ذات الوقت يميل عدد متزايد من الجيولوجيين مثل البريطاني كولين كامبيل إلى الاعتقاد بأن مخزون النفط العالمي سيصل قريبا إلى مرحلة “الهبوط المستمر”. وقد عمل كامبيل طويلا في مجال الصناعة النفطية قبل أن يؤسس اتحادا دوليا للبحث في مخزونات النفط.
تتهددنا أوقات عصيبة. وبأية حال فإن احتراق النفط يشكل أيضا أحد أسباب ارتفاع حرارة الأرض، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى المزيد من العواصف المدمرة وارتفاع سوية سطح البحر وإلى الجفاف في جنوب أوروبا كما في مناطق أخرى.
في ذات الوقت يتحدث الخبراء عن “الذهب الأخضر”، مصدر الطاقة القادم من الأرض الزراعية، وهو ينمو ويتجدد بشكل مستمر. كما يتحدثون عن الهيدروجين كمصدر للطاقة، ويتحدثون عن وفرة هذا المصدر وعن “نظافته”. إلا أن كل هذا مجرد أحلام للمستقبل. يقول كل من مختصي البنك الألماني “دويتشة بانك” وغيرهم من خبراء مجلس المختصين في أمور البيئة أنه من الأجدر الآن العمل على تحقيق استخدام أمثل للطاقة، وخاصة بالنسبة لسائقي السيارات كخطوة أولى.
لا شك في أن تكون الملايين التي تعتمد في تنقلاتها على السيارة هي العنصر الأهم في هذا الجانب. فمن بين 114 مليون طن من المنتجات النفطية التي أنتجتها مصافي النفط الألمانية في العام الفائت انتهى ما يقرب من النصف في خزانات وقود السيارات. المركز الثاني يحتله زيت التدفئة الخفيف الذي يسهم في تدفئة ثلث المنازل الألمانية. وبينما يمكن الآن تشييد الأبنية بطريقة وتقنية يمكن معها تدفئتها من دون الحاجة إلى الوقود، فإن ما يقرب من 55 مليون سيارة وشاحنة وقطار وباص ودراجة نارية مازالت تعتمد اعتمادا كاملا على البنزين أو الديزل (المازوت) في حركتها. ولا يتجاوز عدد السيارات العاملة بالغاز اليوم 35000 سيارة، أما الوقود العضوي فلا يغطي أكثر من 2% من الطلب على البنزين والديزل. إلا أنه كلما اقتربت “نهاية عصر النفط” ازداد إقبال سائقي السيارات على الوقود البديل. وتشهد ورشات الإصلاح التي تجهز السيارات لتعمل بالوقود العضوي “الزيت النباتي” حاليا رواجا كبيرا في أعمالها. كاي لورنتس من شركة تجهيز السيارات “أوني كار” في آخن، يجيب يوميا على 50 تساؤل واستفسار حول هذا الموضوع. وتزيد تكلفة هذا التعديل على محرك السيارة عن 2000 يورو.
سواء كان اللفت أو القمح أو الشمندر: خيال منتجي الوقود في العالم لا حدود له. شركة تقنيات البيئة الكندية “لوغن” تجري الآن تجاربها على القش (التبن). أنزيمات تم تطويرها بشكل خاص تقوم بعملية تحويل قصبات القش إلى بديل عن البنزين. وتشارك شركة النفط العملاقة “شل” في شركة لوغن هذه . وحتى من أكواب اللبن المستعملة يتم استخلاص الديزل (المازوت): الشركة الكورية الجنوبية العملاقة “إيوس” تبحث حاليا عن شريك بغية إنتاج هذا البديل للوقود في ألمانيا.
ولكن هل يعني كل هذا نهاية النفط؟ يبدو أنه لا شيء مستحيل. فقد تبين لفريق من الخبراء شكلته الحكومة الألمانية الاتحادية أنه يوجد بالفعل “حوالي 270 إمكانية مختلفة لإنتاج الوقود”. وبناء على رغبة السوق الأوروبية من المفترض أن تصل نسبة الوقود المباع ذي الأصول الطبيعية (البيولوجية) إلى 6% مع حلول العام 2010. وتحتل ألمانيا المرتبة الأولى في العالم من حيث الديزل البيولوجي، إلا أن هذا التطور مازال محدودا. فالناتج المحلي من اللفت لا يكفي، حسب وزارة المالية الاتحادية لإنتاج أكثر من 3,7% من حاجة البلاد إلى الوقود.
وبالرغم من أنه يمكن إنتاج الإيتانول البيولوجي من الشمندر والبطاطا، كما أن ما يعرف “بالسيارات المتمتعة بالمرونة في الوقود” (FFV) يمكنها تحمل الكثافة العالية منه دون الحاجة لأية إضافات، إلا أن تكاليف إنتاج الإيتانول مازالت مرتفعة بشكل كبير يحول دون جعل هذا البديل اقتصاديا. وحتى استيراد الإيتانول الرخيص المستخلص من الشمندر في البرازيل لن يكون عاملا حاسما في استبدال النفط.
ولهذا تتركز كافة الآمال على الجيل الثاني من الوقود المتجدد “الكتلة الحيوية إلى سائل” (BTL). ولا يمكن استخلاصه من الثمار وحسب، وإنما من النبات بالكامل. حيث تتم معالجة النبتة أو الشجرة من أسفل الجذر حتى القمة بالغاز ثم تحويلها إلى وقود سائل تركيبي من خلال عمليات معقدة. هذا المصدر للطاقة متوفر بكثرة إضافة إلى أنه يحقق كافة المتطلبات.

التطلع إلى “الوقود الشمسي”
تقوم شركة كورين الصناعية في ولاية زاكسن بإنتاج ماركة “ديزل شمسي” لأغراض البحث والتجارب. وقد قامت شركتي مرسيدس وفولكسفاغن باختبارات ناجحة لهذا الوقود. البنية الكيميائية لهذا الوقود التركيبي تفي بمتطلبات محركات الدفع المستقبلية الثنائية التي تجمع بين محرك الديزل ومحرك أوتو (البنزين) وتتلاءم معها بشكل كامل، ولهذا السبب يتحدث مصممو المحركات الآن أيضا عن “تصميم الوقود”. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الوقود يحرر كمية من الغاز العادم ثاني أكسيد الكربون تكاد لا تزيد عن تلك التي تنتجها المحركات العاملة بالوقود النباتي.
اكتشفت شركات النفط أيضا “وقود الشمس”، فدخلت شركة “شل” شريكة مع شركة كورين. وتهتم الشركات المنافسة أيضا مثل توتال و “BP” بهذا الوقود إلى درجة أنها تختبر تقنية “BTL” بالتعاون مع هيئة الطاقة الألمانية (Dena) إضافة إلى منتجي محطات الطاقة وشركات السيارات، وستكون نتائج هذه الاختبارات جاهزة في منتصف عام 2006. شتيفان كولر، المدير التنفيذي لهيئة “Dena” يتنبأ من الآن أن وقود “BTL” سيكون “وقودا بديلا مناسبا” من حيث السعر.
وتصل الإمكانات التقديرية إلى تغطية “حوالي 20 – 25% من إجمالي الحاجة إلى الوقود”.
ويأمل البعض أن تصل هذه التوقعات إلى درجة سد حاجة صناعة السيارات في المستقبل. منهم فيرنر مولر على سبيل المثال. وهو وزير اقتصاد سابق ،ويرأس حاليا مجلس إدارة شركة الطاقة “RAG” في مدينة إسن، وهي في ذات الوقت المالك لشركة الفحم الحجري المساهمة، وهو يتحدث عن “أهمية متزايدة” لعملية تحويل الفحم إلى وقود سائل خاصة في عصر تناقص مخزون كل من النفط والغاز الطبيعي.
وقد تمكن المهندسون والتقنيون من تحويل الفحم إلى وقود سائل منذ ما يقرب من مائة عام. ففي عام 1913 اكتشف الألماني فريتز بيرغيوس طريقة كانت السبب في حصوله على جائزة نوبل فيما بعد. وبعد حوالي عشر سنوات تم تطوير تقنية ثانية في هذا السبيل وذلك في معهد القيصر فلهيلم لأبحاث الفحم في مدينة مولهايم على الرور. واليوم تعتبر هذه الطريقة مناسبة وقادرة على المنافسة. لا شك أن الفحم الألماني مرتفع الثمن لمثل هذه العملية، إلا أن الصين تقوم حاليا بتجهيز أول مشروع لتحويل الفحم إلى وقود سائل وسيكون جاهزا للإنتاج في عام 2007.
في ذات الوقت يحاول خبراء البيئة والطاقة تحجيم الآمال المتعلقة بالبنزين المستخرج من الفحم وذلك بسبب الآثار السلبية الكبيرة على البيئة بشكل رئيسي. إلا أنهم في ذات الوقت يعترفون بعدم وجود أي بديل اقتصادي للنفط في المنظور القريب ما عدا الغاز الطبيعي. سيارات الغاز أعلى تكلفة من سيارات البنزين والديزل (المازوت). وبما أن الغاز كمادة وقود معفى من ضريبة الوقود في ألمانيا حتى العام 2020 فإن المستهلكين يحاولون الاستفادة من هذه الفرصة لتخفيض التكاليف الجارية للتشغيل. كريستيان ياكوبس المتحدث باسم فريق عمل سيارات الغاز الذي أسسه تجمع شركات الغاز ومنتجي السيارات يقول: “بالمقارنة مع سيارة البنزين (سوبر) يمكن للمرء تخفيض النفقات إلى النصف”.
يمكن أن يدوم مخزون الغاز العالمي أكثر من مخزون النفط، بالإضافة إلى أن حرق الغاز يولد كمية أقل من الغاز العادم وهو بالتالي أقل تلويثا للبيئة من أنواع الوقود المعروفة، وذلك لأن جزيئاته تحتوي كمية أقل من مادة الفحم وكمية أكبر من ذرات الهيدروجين. ويعتبر الهيدروجين وقودا “نظيفا” من الدرجة الأولى. بينما يعتبر الغاز مرحلة انتقالية للتوسع في استخدام الهيدروجين كوقود. وبالفعل يحترق الهيدروجين بشكل كامل دون أية بقايا (غاز عادم)، كما أنه متوفر في عالمنا بكميات لا حدود لها: في الماء.
“هناك أمل في العثور على طريقة لمواجهة أزمات سعر البنزين” هذه كانت نتيجة المؤتمر العالمي أول للهيدروجين الذي انعقد في مدينة ميونيخ قبل خمس سنوات.
لا شك أن الانتقال إلى الوقود “الهيدروجيني” النظيف والوفير مازال حلما جميلا. إذ لا يمكن حاليا العثور على أية سيارة تعمل بالهيدروجين في أي معرض للسيارات، كما لا يوجد الكثير من محطات الوقود التي تبيع الهيدروجين. يقول كارل ياكوب فينتر داعيا للتحلي بالصبر: “الطاقة تحتاج وقت، إلى عشرات السنين وليس إلى سنين”. فينتر هو بروفيسور في تقنيات الطاقة، وهو يعتبر في ألمانيا “أبو الهيدروجين”. ورغم ذلك فإن فينتر وغيره من الخبراء واثقون من إمكانية قيادة السيارات في المستقبل بالاعتماد على الهيدروجين. هذا النوع من الوقود يمكنه أن يحرك سيارات مجهزة بمحركات معدلة، وهذا هو المبدأ التي تتبعه شركة بي إم في (BMW)، كما يمكنه أن يعمل كمولد للطاقة في السيارات الكهربائية، وهي الفكرة التي يتبناها معظم مصنعي السيارات. تعمل خلايا المادة الحارقة على تحويل الهيدروجين إلى طاقة. وتقوم شركة مرسيدس حاليا باختبار 27 نوعا من خلايا المواد الحارقة المختلفة في باصات النقل العام في سبع مدن أوروبية وتأمل في الحصول من هذه التجارب على مؤشرات لبناء السيارات في المستقبل.
ولكن حتى الهيدروجين يجب أن يتم إنتاجه أولا، قبل استخدامه. وعملية استخلاص جزيئات الهيدروجين من الماء تتطلب كميات هائلة من الطاقة الكهربائية. ولهذا يتوقع الخبراء أن الهيدروجين حتى مع حلول العام 2020 لن يغطي أكثر من 2%، وفي أحسن الأحوال 5% من احتياجات سوق الوقود. وبما أن البدائل الأخرى للنفط ماتزال غير ناضجة من الناحية التقنية، أو أنها نادرة الوجود فإن السيارات ستبقى تعتمد على الوقود التقليدي المعروف، أي النفط إلى أجل غير مسمى.
ولكن هذا سيكون بأقل كمية ممكنة. ففي المحركات التقليدية مازال هناك إمكانات كبيرة لرفع الكفاءة وبالتالي التوفير في استهلاك الوقود، من خلال تصغير حجم المحركات على سبيل المثال. الأمر الذي يعتبر “موضة” ألمانية: “تصغير الحجم” – الذي يترافق مع تقنية دفع أكثر تطورا. آليات الاحتراق الذاتي لوحدها يمكنها تحقيق وفر يصل إلى الثلث، حسب تقرير صدر مؤخرا عن خبراء في شؤون البيئة. ويتوقع الخبراء إمكانية التوصل إلى توفير استهلاك الوقود بمعدل يصل إلى 38% في السيارات العاملة بمحركات أوتو المعروفة.

جريدة “دي تسايت”

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*