استباق نفاد النفط

استباق نفاد النفط
دنيز بابوزيو وبيار رينه بوكيس* (2005)

يقدر احتياط النفط المثبت بما بين 1 و1،2 الف مليار برميل أي حوالى 150 مليار طن او ايضا انتاج 40 عاما بالايقاع الانتاجي الراهن. والمخزون هذا لا يتوزع بتساو اذ ان ثلثيه في الشرق الاوسط. اما تطوره فلا يسمح باعطاء فكرة واضحة عن الانتاج النفطي لان المعطيات الخاصة بهذا الاحتياط تثير خلافا في وجهات النظر بين المتفائلين والمتشائمين.
تتكون مجموعة المتفائلين اساسا من خبراء الاقتصاد امثال موريس أدلمان ومايكل لينش من “معهد ماساشوستس للتكنولوجيا” (أم اي تي). وهم يشيرون بداية الى ان مختلف التوقعات الماضية لشح في الموارد لم تصدق. ففي نهاية القرن التاسع عشر، توقع العديد من الخبراء توقف التطور الصناعي القائم على الطاقة المستخرجة من الفحم الحجري حيث كان يحدد احتياطي هذه المادة بعشرين سنة فقط. وفي تاريخ قريب، نشرت شركة النفط البريطانية BP عام 1979 دراسة تظهر ان الانتاج النفطي سيبلغ سقفه الاقصى (خارج الاتحاد السوفياتي) عام 1985. يلاحظ المتفائلون من ثم ان القسم الاكبر من اعمال التنقيب جرت في بلدان كان مستوى التنقيب فيها مرتفعا. كما ان المخزون الذي يمكن الحصول عليه من خلال تقنيات انتاج حديثة ومن خلال اعادة تقييم حقول النفط القديمة هو غالبا أقل كلفة لجهة الاستثمار من النفط الذي يستخرج عن طريق التنقيب، لا سيما في الشرق الاوسط. لذلك نلاحظ ان اعمال التنقيب تبقى محدودة في البلدان التي تتمتع بافضل مخزون محتمل.
فالمنتوج الممكن بحسب السيد أدلمان هو نتيجة سباق سرعة بين نفاد المخزون المعروف من جهة والتقدم التقني الذي يسمح بالوصول الى احتياطي جديد من جهة أخرى. حتى الآن كانت الغلبة دائما للتوجه الثاني المؤدي الى تطور مستمر نسبيا: انخفاض كلفة التنقيب، تحسن نسبة الاسترداد وتكوين صورة أفضل عن طبقات الارض الباطنية. كما يمكن توقع مفاعيل اخرى. ففي مطلع الثمانينات كان يعتبر انتاج الزيوت الثقيلة جدا من حزام نهر الاونيروك في فنزويلا مربحا فقط اذا تخطى سعر برميل النفط الثلاثين او الاربعين دولارا في حينه. وقد سمحت بعض التحسينات التقنية ولا سيما تعميم التنقيب الافقي بخفض هذه العتبة الى ما دون الـ15 دولارا (خلال العام 2004).
غالبية المتشائمين متجمعون داخل الجمعية لدراسة سقف انتاج النفط والغاز. وهم يشددون على الطابع السياسي لاعادة التقييم الخاصة بالاحتياطي والتي اجراها اعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط بين العامين 1986 و1987 والتي لا تتناسب مع المخزون الفعلي المثبت. وهم يعتبرون انه سيتم التوصل الى الحد الاقصى الممكن للانتاج العالمي لكل المشتقات النفطية بين 2005 الى 2010 والذي سيبلغ 90 مليون برميل يوميا.
وتأكيدا لنظريتهم، يذكرون اننا نملك النماذج الكافية والمعطيات الكاملة الخاصة بالآبار النفطية بحيث يمكننا التقدم بتوقعات ذات مصداقية حول الاحتياطي النفطي. فالغموض يلف اساسا التطور المستقبلي لحجم الموارد التي يمكن استردادها من مجموع الاحتياط المتوافر. والخلاصات تتباين حول الموضوع اذ يرى المتفائلون ان نسبة الاسترداد يمكن ان ترتفع خلال الخمسين عاما المقبة من 35 الى 50 في المئة وحتى الى 60 في المئة. يعتقد المتشائمون في المقابل ان التحسن في هذا المضمار يبقى محدودا ويطال اساسا الزيوت الثقيلة جدا. فرق اخرى من الاختصاصيين تتقدم برؤية وسيطة ولا سيما فريق الدراسات الجيولوجية الاميركية (USGS) والذي يقدر الاحتياط النهائي للنفط بـ 3000 مليار برميل تم حتى الآن استهلاك 1000 مليار منها تقريبا بينما يوجد 1000 مليار في الاحتياط المثبت وتبقى 1000 اخرى رهن الاكتشاف. تتطابق هذه التقديرات مع التقديرات الدنيا لخبراء الجيولوجيا في المؤسسة الفرنسية للنفط والمقدمة انطلاقا من المعطيات المتوافرة حاليا. يمكن لطرح اكثر تفاؤلا حول الاكتشافات المحتملة وليس في الحدود الدنيا ويأخذ في الاعتبار تحسن نسبة الاسترداد ان يؤجل بلوغ سقف الانتاج الى العام 2030. كما يمكن تجاوز هذا التاريخ اذا ما تبين كالعادة ان التوقعات الاميركية متشائمة واذا ما اخذنا في الاعتبارات مصادر الطاقة غير التقليدية.
يمكن ان نعتبر ان هناك تواصلا بين الموارد النفطية: الطبقات الصعبة المنال، الافخاخ المعقدة، وتلك التي يصعب كشفها، النفط في البحار العميقة والعميقة جدا، الزيوت الثقيلة جدا، الرمول الزفتية، الاحجار الجمّرية. لا يتوقف هذا التواصل عند المشتقات النفطية اذ تكثر الابحاث لتطوير تقنيات استخراج الطاقة السائلة من الغاز الطبيعي او من الفحم الحجري. فقد اطلقت مشاريع ضخمة نهاية 2003 في قطر وهناك مشاريع اخرى قيد الدراسة. لا ننسى ايضا اشتمال تواصل الطاقة على المحروقات الناتجة من الكتلة الاحيائية.
يمكن على المدى الطويل توقع تحويل الهيدروجين الناتج من الذرة او من الطاقة القابلة للتجدد، الى كاربون. يجدر التذكير مع ذلك بان انتاج النفط غير التقليدي او الصناعي قد يزيد من استهلاك الطاقة ويرفع من نسبة انبعاث ثاني اوكسيد الكاربون. في نظر العديد من المحللين سيكون الاعتماد على النفط محدودا بمفاعيل الغاز المسخن للارض اكثر منه بسبب شح موارد هذا النفط.
منذ 1987 بدأت الاسعار تتطاير ولا يبدو انها ستهدأ في المستقبل القريب. لكن اذا صحت التوقعات فيمكن عندها تفادي “صدمات” نفطية كبيرة. هذا هو موقف الوكالة الدولية للطلقة الذرية الذي يقدم رؤيا تفاؤلية للانتاج المتوقع في حدود العام 2030. هذا ايضا احد سيناريوهات شركة “شل” الذي يفترض تطورا سريع نسبيا لمصادر الطاقة المتجددة. لكن يطرح في المقابل تحليل مختلف يقدمه القلقون من غياب الرؤية الطويلة الامد عند مختلف الاطراف. ففي نظرهم يخشى ان يؤدي بلوغ سقف الانتاج او مجرد ادراك اقترابه الى “صدمة” ثالثة لا يمكن لجمها الا بمدى التحسب لها.
كما في العام 1980 يمكن ان يؤدي ارتفاع الاسعار الى توفير في الطاقة واستخدام بدائل تخفف من الطلب وتسمح بإبعاد شبح تراجع الموارد. نكون عندها امام “جمل ذي سنامين” كما يقول السيد بيار رادان الرئيس السابق لوكالة البيئةوالطاقة (Ademe). ويتوقع احد موقّعي هذا المقال (رينه بيار بوكيس) ارتفاع الاسعار ثلاثة او اربعة اضعاف بالسعر الحقيقي مما يوصل سعر البرميل من هنا الى 10 او 15 عاما الى حوالى المئة دولار بقيمة العملة عام 2003. سيكون هذا الارتفاع ضروريا من اجل اطلاق سياسات توفير للطاقة لا سيما في قطاع النقل البري وزيادة حصة الطاقة البديلة من دون توظيف استثمارات ضخمة فيها اضافة الى انتاج محروقات اصطناعية واعادة اطلاق البرامج النووية وتطوير انتاج الهيدروجين انطلاقا من الطاقة النووية.
لا يجب ان نتوقع مستقبلا من دون ازمات نفطية ولو اخذنا في الاعتبار الفرضيات المتفائلة. فلا يكفي في الواقع ان تكون الموارد والتقنيات متوافرة بل المطلوب ان تسمح الاستثمارات بمضاعفة قدرات الانتاج في الوقت المناسب. ان العامل الاكثر فعالية لتفادي الشح في النفط هو في وجود توافق على ان لا مفر من حصوله.

* هما على التوالي مدير ابحاث في “مؤسسة النفط الفرنسية” ومدير سابق للتخطيط في مجموعة “توتال”. المؤلفان يقودان مجموعة العمل حول النفط في اكاديمية التكنولوجيا وهما يعملان على مشروع تقرير يكمل الافكار المطروحة في هذا المقال.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*