العد العكسي

العد العكسي
رولان لوهوك* (2005)
صحيفة الوطن السعودية 1 فبراير 2005

إن للأرض نظاماً محدوداً. يبدو الأمر بديهيا إذا ما صغناه هكذا. لكنه لا يظهر في الحياة اليومية لفرط ما نشهد من تباعد بين المعايير البشرية والمقاييس الأرضية. والفارق كبير إلى درجة أننا ظللنا على الدوام ننهل من دون حساب من موارد متخيلة إن لم تكن لانهائية. إذا كان ما اقتطعته البشرية من نظام الأرض البيئي قد بقي لوقت طويل كمية مهملة قياسا بالموارد المتوافرة، فإن النشاط الإنساني قد دخل في سباق مع قوى الطبيعة بعد خمسين عاما من النمو التصاعدي. ولتحديد الوجه الكمي لهذا النشاط يجب التوقف عند الطاقة التي يستهلكها. فمن وجهة نظر الفيزيائي تمثل الطاقة الحجم الذي يعبر عن قدرة نظام معين على تغيير حالة أنظمة أخرى له معها علاقة تفاعل.
لا مفر أمام النمو المتصاعد من الاصطدام وبأسرع مما نتصور بمحدودية موارد البيئة التي نعيش فيها. فلنأخذ مثلاً الجراثيم التي تربّى داخل علبة. فهي تتكاثر من خلال انقسامها إلى اثنين فيتضاعف عددها خلال زمن لا يتجاوز العشرين دقيقة.
نظرا لنسب النمو الراهنة فإن زمن مضاعفة الاستهلاك العالمي للطاقة يقارب الخمسين عاما. والأزمة المعلنة التي بدأت أول مؤشراتها بالظهور ليست سوى التعبير عن النمو التصاعدي في بيئة محدودة الموارد. هل يمكن تقدير السلّم الزمني المتوقع؟ المحاولة الأولى تكون في احتساب الوقت اللازم لمضاعفة الاستهلاك، كما يمكن احتساب العلاقة بين المخزون المقدر للموارد والاستهلاك السنوي الراهن. ستكون المحصلة أطول من الزمن الفعلي لاستهلاك الموارد المعنية كون هذا الاحتساب يفترض استقرارا في الاستهلاك وهذا أمر غير مؤكد اليوم. إن فترة استهلاك النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم تراوح بين 40 و120 عاما سواء أخذنا في الاعتبار المخزون المؤكد أو المخزون النهائي. أما مهلة استهلاك الفحم الحجري فمفتوحة أكثر حيث تراوح بين 220 و850 عاما [خلافا لسائر الموارد المنجمية الأرضية التي اقتربت من نهايتها.
ما هي إمكانات تأجيل العد العكسي؟ أول ما يتوارد إلى الذهن إبطاء التنمية واعتماد “النمو صفر” لا بل النمو السلبي. ولا مفر من هذا المسار ولو أن وضعه موضع التنفيذ صعب على المستوى العالمي لفرط الطلب على الطاقة. فكل خطوة في هذا الاتجاه تربحنا بعض الوقت إزاء النفاد المحتم لموارد الطاقة. من جهة أخرى فإن استخدام الطاقة الشمسية والهوائية والحرارية والمائية والإحيائية وطاقة المد والجزر أو طاقة البحار الحرارية تطيل عمر موارد الطاقة التقليدية. لكن إذا ما استثنينا الطاقة الشمسية فإن المتوافر من مصادر الطاقة القابلة للتجدد لا يفوق سوى أضعاف قليلة حجم الاستهلاك الراهن. فإذا استمر الازدياد العالمي للاستهلاك بالنسب الحالية فسيأتي الوقت الذي يقضى فيه على إمكانات تجدد مصادر الطاقة المعول عليها. فالقدرة المتوافرة في مصادر الطاقة تفرض إذن حدودا على نمو استهلاك الطاقة مع امتياز لا جدال فيه للبشر على علب الجراثيم وموارد الطاقة في طبقات الأرض، وهو أن المخزون المتوافر قابل للتجدد.
في المقابل فإن الأرض تتلقى من الشمس قوة تفوق 13 ألف مرة ما يستهلكه البشر. فالشمس تلمع لأن حرارة سطحها تبلغ 6000 درجة مئوية وفي جزء من مليون من الثانية ترسل طاقة لا يمكن للبشرية إنتاجها في أقل من عام كامل.
على المستوى البشري تؤمّن الشمس طاقة لا تنضب في الظاهر حيث إنها تشع منذ 4،5 مليارات من الأعوام وستستمر في ذلك إلى زمن مماثل تقريبا. والشمس إذ تلمع بهذه القوة والقدم فلأنها تنهل طاقتها من قلب نواة الذرّات: ففي المناطق الوسطى الأكثر حرارة تؤدي التفاعلات المائية الذرية إلى انبعاث الطاقة من خلال تحويل أربع نويات من الهيدروجين إلى نواة واحدة من الهيليوم. إن التقاط جزء معقول من هذه الطاقة من شأنه إحداث تغيير جذري في المهل الزمنية المتوقعة لنفاد الموارد. ما العمل؟ إضافة إلى الوسائل التقليدية (اللواقط الشمسية التي تنتج تيارا كهربائيا بتأثير الضوء أو الماء) هناك مشروعان طموحان يحاولان فتح الطريق في هذا الاتجاه. الأول يقوم على بناء برج شمسي ضخم وهو قيد التجربة أما الثاني فلا يزال قيد الدراسة ويقوم على إطلاق محطة شمسية في المدار.
أما أعلى بناء بشري فيمكن أن ينجز في المنطقة الجرداء من أستراليا في غضون عام 2008، حيث تنوي الشركة الأسترالية إقامة برج شمسي يزيد طوله على الكيلومتر وقادر على إنتاج 200 ميجاوات من الطاقة الكهربائية ستكون مساحة مقطع البرج مساوية لمساحة ملعب لكرة القدم ويقوم وسط مجمع زجاجي شعاعه يصل إلى 7 كيلومترات. آلية عمله بسيطة، فنور الشمس يسخّن الهواء تحت سقف الزجاج المنحني بحيث يرتفع الهواء الساخن نحو البرج. وهناك يدخل قنوات تشغل التوربينات التي تنتج كهرباء على مدار الساعة. بالرغم من أن الطاقة الشمسية متقطعة فإن الحرارة المخزنة في الأرض تحت المجمع الزجاجي تؤمن مصدرا رديفا خلال الليل. يمثل هذا البرج نسخة عملاقة عن نموذج “المدخنة الشمسية” التي اخترعها وبناها المهندس الألماني شلايخ برجرمان عام 1982 في أسبانيا بالقرب من مانزاناريس.
مجمل الطاقة المرسلة من الشمس يضيع تقريبا في اللامنتهي ولا تلتقط الأرض منه سوى نصف جزء من مليار. فلِمَ لا يصار إلى التقاط هذا الإشعاع من الفضاء؟ إن غياب التناوب هناك بين الليل والنهار يسمح بالتزود من طاقة الشمس بلا انقطاع كما أن غياب المصفاة الجوية يضاعف ثماني مرات القوة الملتقطة. خلال الأعوام أطلقت ناسا (وكالة الفضاء الأمريكية) برنامجا للبحث والتطوير التكنولوجي بغية إجراء دراسة مسبقة لبناء محطات شمسية مدارية كبيرة قادرة على إنتاج مئات عدة من الميجاوات وحتى بعض الجيجاوات من الكهرباء. يتم التقاط الإشعاع الشمسي بواسطة ألواح كبيرة منتجة للطاقة من طريق الضوء فتنقل هذه الطاقة على شكل موجات سنتيمترية. وقد تحققت تجربة بهذا المعنى في جزيرة لاريونيون حيث أمّن استخدام الموجات القصيرة جدا الطاقة لسكان واد يصعب الوصول إليه . وهناك بلدان أخرى تهتم بالمشروع بعد أن أعلنت اليابان مطلع عام 2001 نيتها بناء محطة شمسية مدارية في غضون العام.
إذا استمر استهلاك البشرية للطاقة على وتيرته الراهنة فالشمس وحدها قادرة على تلبية الحاجات. لكن هنالك ولو نظريا حد لذلك عندما يفرض علينا تصاعد الاستهلاك التقاط كل الإشعاع الشمسي. والتاريخ ليس بعيدا جدا إذ إن 3200 عام من النمو بنسبة 1% تكفي لاستهلاك الشمس أيضا.
* عالم بالفيزياء الفضائية في مفوضية الطاقة الذرية، ساركلاي، فرنسا.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*