ماذا بعد نهاية عصر النفط الرخيص؟

ماذا بعد نهاية عصر النفط الرخيص؟
عرض وتلخيص: خالد السرجاني
وكالة الأهرام للصحافة (2005)

الاهتمام بدراسة أبعاد تتعلق بالنفط، من زوايا متعددة، ليس جديدا، فهناك دراسات اقتصادياته، وتأثيراته الاجتماعية ودوره السياسي، ولكن الكتاب الذي نعرض له يتناول نقطة جديرة بالاهتمام وهي ما بعد النفط، فعنوانه هو: “انتهت الحفلة: سراب النفط – النفط والحرب ومصير المجتمعات الصناعية” ومؤلفه هو ريتشارد هاينسبرج وصدرت له مؤخرا ترجمة عربية عن كل من الدار العربية للعلوم ومكتبة مدبولي نقلها انطوان عبد الله. ويتناول الكتاب العديد من القضايا ذات الصلة بالنفط منها مدى استطاعة أي مصدر آخر للطاقة غير النفط، أن يمكن المدنية الصناعية من الاستمرار إذا ما انتهى النفط. ويقدم المؤلف العديد من المصادر البديلة وفي مقدمتها الغاز الطبيعي ويعتقد المؤلف أن الغاز الطبيعي لن يحل مشكلة التزود بالطاقة الناتجة عن استنفاد النفط، إنما قد يزيد منها.
فالمجتمع المعاصر يعتمد بشكل مسبق على الغاز الطبيعي وهذا الاعتماد يزداد كل عام، وهناك إشارات مضطربة تؤكد أن معدلات استخراج الغاز الطبيعي في أمريكا الشمالية ستبدأ قريبا بالانحدار، ربما بعد عدة أَشهر أو سنوات على أبعد تقدير. وعندما يحدث ذلك ربما سنرى هبوطا حادا في الإنتاج أسرع من ذلك المتوقع للنفط. ولقد وصف العديد من المدافعين عن الطاقة البديلة الغاز الطبيعي بالوقود الانتقالي، والذي يمكن استخدامه المتزايد من كسب الوقت من أجل الانتقال إلى مصادر طاقة متجددة. ومع ذلك ونظرا لحالة مصادر الغاز المتقلقلة في أمريكا الشمالية، يرجح أن أية محاولة للانتقال إلى الغاز الطبيعي كوقود وسيط ستكون بمثابة مضيعة للوقت ولرأس المال في توسيع البنى التحتية، والتي ستصبح غير مستعملة على أية حال، في حين يتم إحراق مورد طبيعي لقيم مفروضة لمستقبل الأجيال.
أما بالنسبة للفحم فإن الكميات الكبيرة المستخدمة منه لتوليد الكهرباء ستمكننا من إبقاء الأضواء مشتعلة لعدة سنوات قادمة، ولكن ومع الأخذ بعين الاعتبار القيود المفروضة عليه، وخصوصا التراجع السريع في كميات الطاقة الصرفة الناتجة، لا يمكننا توقع أن يقوم بشيء أكبر لنا في المستقبل.
الطاقة النووية
ويتطرق الكاتب إلى إمكانية استخدام الطاقة النووية كبديل للبترول، ويقول إنه أمر مثير للمشاكل، فسيتطلب استبدال الكمية الكلية للطاقة المستخدمة في النقل بالكهرباء المتولدة نوويا، ازديادا كبيرا بإمكانية التوليد النووية. واستبدال البترول، والغازولين والمازوت والكيروسين، بالكهرباء، في أكثر من 700 مليون وسيلة نقل منتشرة في العالم يكون مشكلة تقنية واقتصادية، كما أن بطاريات التخزين الحالية مكلفة جدا، وهي عديمة الفائدة في الطقس البارد وتحتاج إلى استبدال بعد استخدامها لعدة سنوات. ولا تتوفر حاليا بطاريات تستطيع تحريك آلية زراعية ثقيلة أو تؤمن عبور طائرة للمحيط.
ويستخلص الكاتب من ذلك كله أن الطاقة الصافية للطاقة النووية، ولدى حساب ما يلزم لبناء وكلفة المعمل وتخزين المخلفات وتعدين اليورانيوم، وباقي الأمور التي تتطلبها عملية الإنتاج وهي منخفضة إلى حد ما. لقد بات بمقدور المجتمعات الصناعية من منظور الطاقة أن تخترع وتستخدم تقنيات نووية بشكل رئيسي بسبب توفر الوقود العضوي الرخيص لتمويل الجهود من خلاله، ولكل هذه الأسباب مجتمعة يعتبر الانتقال إلى الطاقة النووية عند حصول نقص نتيجة لاستنفاد الوقود العضوى خطأ فادحا.
وبعد أن يستعرض الكاتب البدائل الأخرى مثل: الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين، والكهرباء المائية، وطاقة الحرارة الجوفية، والمد والجزر والأمواج، والوقود الاحيائي، والاندماج البارد ووسائل الطاقة المجانية، يستخلص أنه إذا كانت المجتمعات الصناعية تقترب من أزمة في الطاقة فإن المصادر غير المتجددة وعمليات المحافظة ستؤمنها. وللحصول على نقلة من المصادر غير المتجددة إلى المتجددة ستكون هناك عشرات السنين، وستحتاج هذه النقلة إلى تغيير عمليات الاستثمار من القطاعات الاقتصادية، ولبحوث الطاقة، وتنفيذ بدائل متجددة.
ولن تكون البدائل قادرة على دعم أنواع النقل والغذاء والبنى التحتية، لذلك سيكون الانتقال شاملا، وهذا سيستتبع إعادة تصميم كاملة للمجتمعات الصناعية. ومن المربك للتفكير أنه يمكننا الحصول على ذلك بسهولة وبدون ألم، إذ إنه لا توجد من بين بدائل الطاقة المتوفرة الآن ما لديه الإمكانية لأن يدعم المستويات العليا، للبنى والعمليات اللازمة لمدنيتنا الحالية. والتغيرات العميقة ستكون حتمية في كل قطاع من قطاعات الاهتمامات البشرية بعد أن يبدأ النفط بالنفاد.
التبعات والتأثيرات
وينتقل الكاتب إلى الحديث عن التغييرات التي سوف يشهدها العالم من جراء عملية انتقال الطاقة، والتي ستتبع نهاية عصر النفط الرخيص، وفيما يتعلق بالاقتصاد، يتوقع أن تحدث اضطرابات كبيرة، في كل من النظام المالي واقتصاد الطاقة، خلال عملية انتقال الطاقة. وهذه الاضطرابات يصعب التكهن بشكلها، وقد يتم بذل جهود لرفع النظام المالي بشكل صناعي من خلال القروض الحكومية، ربما لتمويل مغامرات عسكرية، وقد تغرق قروض كبيرة كهذه الأسواق بالمال الذي قد يفقد من قيمته سريعا لدرجة قد يصبح معها عديم الفائدة.
من جهة أخرى، إذا لم تؤخذ هذه الخطوات التقدمية بسرعة كافية عند حاجتها فسيحدث انكماش كارثي. كما كان واقعا في الانخفاض الكبير، مهما كان المبلغ المالي المتوفر صغيرا سيبقى محافظا على قوة شرائية كبيرة، ولكن ببساطة سيكون هناك مقدار قليل منه للدوران في المكان، وهنا ستزداد البطالة والانخفاض في المصادر والمنتجات والافلاسات وفشل البنوك واحتباس الرهونات.
ومن الممكن، وخلال عقود من الزمن، أن يحدث مسلسل من التضخم والانكماش، ونظرا للافتقار إلى رابط مستقر بين المال والطاقة، فإن فترات الاستقرار المادية ستكون على الأغلب نادرة وقصيرة وسيعيق النمو السكاني المستمر، انظمة الدعم ويثير الاحتياجات المتأصلة والموجودة من أجل النمو الاقتصادي.
ويطرح المؤلف سؤالا مركزيا حول من سيشعر أنه الأغلب، أو من سيشعر بالألم، ويجيب أنه على الأغلب أول من سيشعر بذلك هم الفقراء وسيكون ذلك قاسيا عليهم. وعلى الأغلب سيكون ذلك صحيحا سواء أكان ذلك قوميا أم دوليا، فالدول الغنية ستسعى لامتلاك مصادر الطاقة من الدول الفقيرة التي تمتلكها إما بطريق الخداع المالي أو بطريق الاحتلال العسكري. وفي النهاية سيؤثر ذلك في الجميع دون استثناء.
وستظل بعض الأمور المريعة أو حتى الكماليات متوفرة في معظم البلدان، ولكن بغض النظر عن كون الظرف المالي تضخما أو انكماشا، فإن كل شيء مفيد للاستخدام سيصبح باهظ الثمن لأن الطاقة اللازمة لإنتاجه ستصبح أندر وأكثر قيمة.
عصر ما بعد النفط
وينتقل الكاتب إلى تأثيرات وتبعات عصر ما بعد النفط الرخيص، حيث سيتم على المدى القصير، تصنيع سيارات ذات كفاءة عالية من الطاقة بمولد يعمل على الغازولين والكهرباء والهيدروجين، وأيضا الموديلات التي تعمل على طاقة الهيدروجين ولكن سيؤدي الانحدار في اقتصاد الطاقة عديم الشفقة، إلى تصنيع سيارات بعدد أقل، وسيحصل عليها الأغنياء فقط، وسيهرم الأسطول العالمي من السيارات مع الوقت وسيتناقص تعداده من خلال الإنهاك.
إن الدول ذات وسائل النقل العامة الجيدة، كالسيارات ومترو الأنفاق والقطارات، ستكون متوازنة بشكل أفضل من الولايات المتحدة. وينفق مستخدمو وسائل النقل الجماعي من 200 إلى 2000 دولار كل سنة من أجل السفر، أي أقل مما ينفقه مالكو السيارات، كما تستهلك هذه الوسائل كمية طاقة أقل. وتستخدم طائرات النقل الحديثة النفاثة، كماً كبيراً من الكيروسين الجيد الصنف المكرر من البترول، والوقود البديل الوحيد هو الهيدروجين الذي يمتلك نفس الحسنات ولكن في الوقت نفسه يطرح مشاكل جديدة، منها إعادة تصميم هيكل الطائرة، بالإضافة الى إعادة تصميم محركها ليتقبل الهيدروجين كوقود، ويجب حفظ الهيدروجين بحاله سائلة بدرجة حرارة ناقص 203 درجات مئوية، وهنا يجب تأمين عازل لهذه الحرارة المنخفضة الأمر الذي يزيد من وزن الطائرة.
لقد اختبرت وكالة ناسا طائرات تعمل على الهيدروجين في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، عندما حلقت القاذفة النفاثة بي – 57 جزئياً على الهيدروجين السائل، وجرب الاتحاد السوفييتى السابق أيضاً الهيدروجين عندما حول أحد المحركات الثلاثة للطائرة 154 tupolev ليعمل على الهيدروجين السائل. وتدعم وكالة ناسا حالياً أبحاث طائرات تعمل تجارياً على الهيدروجين ولن تكون هناك طائرات من هذا النوع في العقدين القادمين في الأقل.
وستظهر التبعات الجدية الناتجة عن المواصلات المخفضة بصورة واضحة على توزيع البضائع، ونتجت الزيادة في التجارة العالمية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي من انتقال المنتجات والمواد الخام لمسافات أكبر عن المصدر لتصل إلى المستهلك. ونتيجة تضاؤل الوقود اللازم للنقل، جواً وبحراً وبراً، سترى حتمية العودة للمنتجات المحلية من قبل المستهلكين المحليين ولكن عملية العولمة المعاكسة هذه لن تمر من دون صعوبات. إذ إن البنى التحتية للإنتاج المحلي تتعزز بقدرات واستثمارات الاقتصاد العالمي، على سبيل المثال، لن تستمر شركات الأحذية الكبيرة في صناعة منتجاتها. وستواجه إعادة البنى التحتية للإنتاج المحلي الكثير من المصاعب مع ندرة الطاقة.
ماذا سنأكل؟
ويتناول المؤلف أيضاً تأثيرات وتبعات نهاية عصر النفط الرخيص على الغذاء والزراعة، ويقول إن تطبيق طاقة الوقود العضوي، ومنها البترول، رفع من القدرة الإنتاجية ولكن على الرغم من ذلك لم يبق الدخل بالنسبة للمزارعين متقدماً. إن الغذاء رخيص بالنسبة للمستهلكين، ولكن المزارعين يجدون أنفسهم ينفقون غالباً الكثير لإنتاج المحاصيل أكثر مما يحصلون عليه نتيجة بيعها، وبناء على ذلك توقف الكثير من المزارعين عن ممارسة مهنة الزراعة وانتقلوا للعمل في المدينة، وقد انخفض عدد العاملين في الزراعة في البلدان الصناعية، انخفاضاً كبيراً في القرن العشرين، ففي عام 1880 كانت نسبة 70.5% من سكان الولايات المتحدة يعملون في الزراعة، وانخفضت هذه النسبة إلى 53.7% في العام 1910 وأصبح الآن قلة من سكان الولايات المتحدة يمتهنون الزراعة.
ولقد نتج عن نقل الغذاء لمسافات بعيدة ما يسمى بعولمة أنظمة الغذاء. واستخدمت الدول الغنية القروض والرشى والقوة العسكرية لإقناع الدول بنزع الفلاحين من أراضيهم وزراعة محاصيل أحادية معدة للتصدير، وأدى هذا العمل في بداية القرن العشرين إلى ظهور عبارة “جمهورية الموز”، ولكن الازدياد الفعلي قد يشهده القسم الثاني من القرن، لقد اتحد الكثير من الشركات الصغيرة في شركات كبيرة تنتج البن والشاي والسكر والفواكه الاستوائية تصدرها للمستهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا ولدول الشرق الأقصى المزدهرة، وفي هذه الأثناء نمت الفوارق الطبقية في المدن الفقيرة بسبب انتقال الفلاحين من ضواحي المدينة للتمركز في أكواخ تشكل بتجمعها مدن أكواخ كما هو الحال في مكسيكو العاصمة ولاغوسماوس وبلاولو وجاكرتا.
ويتم انتاج اللحوم وصيد الأسماك باستهلاك كمية كبيرة من الطاقة، والنظام الغذائي المرتكز على اللحوم ذو طاقة أعلى من المرتكز على الخضار ونتيجة للنمو السكاني في أمريكا وآسيا تم تبني الأغذية السريعة المرتكزة على اللحوم والمخصصة للنظم الغذائية التي تساعد على إنقاص الوزن.
ويختم المؤلف كتابه بالقول إننا إن كنا نرجو لأطفالنا ذلك النوع من المجتمعات ذات الطاقة الزائدة التي لدينا الآن، فإننا سنكون واهمين وستتبدد آمالنا، ولكي نكون واقعيين إن رجونا عالماً مستقبلياً مكوناً من مجتمعات أصغر وأكثر مساواة، بحيث يتسنى للناس وقت أطول فيعيشون على كثب من الطبيعة. ونكون واقعيين إذا رجونا أن ينتقل الجنس البشري بشكل جماعي من حالة النوع المستعمر إلى عضو متعاون في أنظمة اقتصادية معقدة. إن الأنواع الأخرى تفعل ذلك في معظم الأحيان، وإن حضارات بشرية متنوعة قامت بهذا التحول في الماضي. وإذا بذلنا جهداً فإننا نستطيع أن نصل إلى هذه الغاية بأدنى مقدار من المعاناة البشرية والدمار البيئي.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*