لماذا ترتـفع أسعار النفط ؟

لماذا ترتـفع أسعار النفط ؟
يحيى محمد سلام
صحيفة 26 سبتمبر اليمنية (2004)

منذ بداية إستخراج النفط أمكن التحكم بأسعاره رخيصة بواسطة الإنتاج الفائض عن الإستهلاك وهذه سياسة إتبعتها الشركات المحتكرة ( الأخوات السبع ) بشكل مباشر في   البداية ، ثم بعد التأميمات و ظهور ” أوبك ” بقت هناك إمكانية لزيادة الإنتاج من خارج ” أوبك ” و خاصة من ” بحر الشمال ” بما يجعل العرض أكبر من الطلب إضافة إلى ممارسة الضغوط على دول ” أوبك ” والهدف المعروف من ذلك هو توفـير هذه السلعة الإستراتيجية الهامة لدول الغرب الصناعية بسعر رخيص.
كان هذا هو سيناريو الأسعار طوال العقود المنصرمة بإستثناء فترات الصدمات النفطية التي استوعبتها الدول الصناعية و أعادت من جديد التحكم بالأسعار إلى أيديها. و لكن ما الذي حدث في الآونة الأخيرة و جعل الأسعار تفلت من عقالها كما يبدو ؟ ، لننظر أولاً في العوامل المحددة للإنتاج النفطي و خصوصية هذا الإنتاج قبل الإجابة على هذا السؤال.

ذروة الإنتاج النفطي
من المعلوم أن النفط يندفع ذاتياً من الحقل النفطي بتأثير الضغط العالي للغاز الطبيعي الموجود فيه و تكون زيادة الإنتاج من الحقل متاحة و لكن فقط إلى حد معين و لمدة محددة لأنه مع إستمرار الإنتاج ينخفض الضغط في الحقل إلى أن يصل إلى الحد المترافق مع إستخراج نصف الرصيد ( أي نصف كمية النفط المخزونة عند الإستكشاف) وهنا تكون كمية الإنتاج قد وصلت إلى الذروة و لا يمكن زيادتها ، و بعد ثبات قصير سوف تبدأ في التراجع حتماً بمعدل يبلغ عادة 2.5 % سنوياً و قد يمكن تقليل هذه النسبة و زيادة فترة الثبات – و لكن مؤقتاً- بحقن الغاز أو المياه وهي عمليات مكلفة.
إضافة إلى ما تم ذكره فإن الخصوصيات التالية توضح حتمية الوصول إلى ذروة الإنتاج النفطي على المستوى العالمي ( و الأرقام مأخوذة من كتاب ” نهاية عصر البترول ” تأليف : ك. كامبيل و آخرون و إصدار ” عالم المعرفة ” / الكويت- في 9 / 2004 ) :-
1- في كل إقليم نفطي يتوزع الرصيد النفطي على بعض الحقول كبيرة الحجم و قليلة العدد لكنها تحتوي على النسبة العظمى منه و على حقول أخرى صغيرة كثيرة و لكنها لاتحتوي مجتمعة إلا على نسبة قليلة منه ، فمن 43 ألف حقل مكتشفة في العالم تحتوي 400 منها على نسبة 75 % من النفط و 115 منها على 50 % منه ، وتبدأ الشركات في إستغلال الحقول الكبيرة لأن تكلفة إكتشافها و تشغيلها أقل و لحاجتها لإسترداد الإستثمار و جني الأرباح و بعد ذلك إن دعت الحاجة تستغل الحقول الصغيرة الأخرى.
2- معظم الحقول الكبيرة المنتجة حالياً تم إكتشافها بسهولة و قد بلغت ذروة الإستكشاف سنة 1968 بمتوسط 40 مليار برميل سنوياً ثم تقـلص الإستكشاف ، و اليوم فإن الحقول الكبيرة القديمة التي مضى على إكتشافها و بداية استخراج النفط منها 30 عاماً هي التي تسهم بمعظم الإنتاج العالمي، ولاتزيد حصة الحقول المكتشفة في الثمانينات عن 8 % من الإنتاج و حقول التسعينات عن 5 % منه.
3- الحقيقة الهامة هي أن الغالبية العظمى من هذه الحقول الكبيرة القديمة قد تم إستخراج نصف رصيدها النفطي ( أي هبطت إحتياطياتها المكتشفة إلى النصف ) و بالتالي فهي أما في مرحلة الثبات في الإنتاج أو التراجع فيه ، و قد كانت ذروة الإنتاج في أمريكا سنة 1971م بمعدل 9.5 مليون برميل يومياً و ذروة نفط الأسكا سنة 1989م و كانت ذروة الإنتاج في بحر الشمال سنة 1999 ، أما على المستوى العالمي فإن الإعتقاد بأن تحل الذروة يوماً ما في هذا العقد ولكن هناك من يعتقد أننا على أعتاب هذه الذروه أو هي تحدث فعلاً.
4- المتوقع من الإستكشافات الجديدة أن تنحصر في عدد كبير من الحقول الصغيرة ذات التكلفة المرتفعة و بكميات قليلة و بأجمالي عالمي هو 144 مليار برميل تقريباً أي بما لا يزيد عن 7.8 % فقط من إجمالي الرصيد العالمي ( ما تم إستخراجه + الإحتياطي الحالي + المتوقع إكتشافه ) وذلك لأن العالم براً و بحراً قد تم مسحه و سبره تقـليدياً و فضائياً، والمتوقع أن يكون متوسط الإنتاج المستكشف مستقبلاً في حدود 8.7 مليون برميل يومياً ( أي 2.2 % سنوياً من الكمية المكتشفة المذكورة ).

الإنتاج والإستهلاك
1- من 1757 مليار برميل نفط تم إكتشافها إلى الآن تم إنتاج و إستهلاك 49.7 % منها حتى سنة 2000.م
2- متوسط الإنتاج سنة 2000م هو 74 مليون برميل يومياً (و حالياً تخطى 80 ) ، منها 50 مليون برميل يومياً من حقول ثابتة أو متراجعة الإنتاج .
3- معدل النمو في الإستهلاك العالمي زاد على 1.5 % سنوياً.
4- تنمو مساهمة مصادر الطاقة غير النفطية من غاز طبيعي ونفط غير تقليدي ( متكثف أو من رمال القطران ) و الطاقة النووية و الطاقة من مصادر متجددة ( شمس و ريح .. إلخ ) ببطء نظراً للكلفة العالية و لإنطواء إستخدامها على مصاعب جمّة.
5- في سنة 2010م يتوقع أن يبلغ الطلب على النفط 86 مليون برميل يومياً على الأقـل ، منها 40 مليون برميل يومياً من الحقول الثابتة و المتراجعة الإنتاج ، ويمكن للحقول ذات المقدرة على زيادة الإنتاج- إضافة إلى الحقول المتوقع إكتشافها- التي تمتلك رصيداً مكتشفاًً هو 840 مليار برميل و إحتياطاً يبلغ 610 مليارات برميل و التي ساهمت سنة 2000م بإنتاج 24 مليون برميل يومياً يمكنها أن تـزيد إنتاجها إلى 46 مليون برميل يومياً و هي الكمية اللازمة لسد الفرق الذي يضمن عدم حصول أزمة نفطية و لكن إنتاجها هذا يمثـل قدرتها الإنتاجية القصوى ( الذروة ) و يتعين أن يتم خلال عقد من الزمن وهذا عبء سيقع أساساً على كاهل منطقة الشرق الأوسط و يحتاج إلى إستثمارت كبيرة خلال فترة قصيرة وهناك شكوك كبيرة في إحتمال تحقق ذلك، و في كل الأحوال لا يبدو هناك أدنى شك في عدم إمكانية سد الفجوة بعد عام 2010م الناشئة من زيادة الطلب على العرض ، و يقال : ربما قبل ذلك.
6-النتيجة المنطقية مما سبق هي أن قطاع الطاقة العالمي سيحتاج إلى إعادة هيكلة بدخول بدائل أخرى إلى جانب النفط

ما هو البديل ؟
إنَّ البديل الإقتصادي المتاح لسد النقص في الطاقة بالكميات و النوعية المطلوبة هو الغاز الطبيعي و الرقمان المهمان هما : كمية الإحتياطي و مقدار الإنتاج عند الذروة . وبحسب التقدير في ” أوبك ” فإن الإحتياطيات العالمية للغاز الطبيعي هي 172 ترليون متر مكعب ( جريدة “الثورة” في 3/10/2004 ) و هذا يكافئ 1040 مليار برميل نفط وهذا الرقم يزيد عن كمية الإحتياطي المتوفر حالياً من النفط وهي 884 مليار برميل و يقارب مجموع الإحتياطي النفطي و الكميات المتوقع إكتشافها من النفط أي الكميات المتوقع إنتاجها و إستخراجها و هي 1028 مليار برميل ، و من ناحية أخرى يمكن نظرياً أن تكون ذروة الإنتاج من الإحتياطي الحالي للغاز الطبيعي في حدود 8.3 مليار متر مكعب يومياً أي ما يكافئ 50 مليون برميل نفط يومياً ، والمتوقع أن يتم الوصول لذلك بعد سنة 2025 ( إلى سنة 2030 ) حيث يمكن أن يكون الطلب قد تجاوز حينذاك 110 مليون برميل يومياً و ستكون مساهمة النفط قد إنخفضت إلى 60 مليون برميل يومياً و معنى هذا أن الغاز الطبيعي يمكن أن يسد الإحتياجات من الطاقة إلى جانب النفط التقليدي لمدة لا تقل عن 20 عاماً بدون البدائل الأخرى التي هي أكثر كلفة ، و يعتقد أن يصل الإنتاج إلى الذروة خلال هذه المدة قبل أن يبدأ في التراجع بعد هذا التاريخ وعندها سيتم الإنتقال إلى البدائل الأكثر كلفة والبداية ستكون بالنفط غير التقليدي (250 مليار برميل ) و مصادر أخرى ، ثم لاحقاً الطاقة البديلة من مصادر متجددة.
إن إستخدام الغاز الطبيعي على النطاق العالمي يحتاج إلى إستثمارات كبيرة و خاصة عند تصديره مسّيلاً ، أما في حالة نقـله بالأنابيب فإنه أرخص من النفط و لا يحتاج إلى تكرير ولكن تبقى مشكلة عدم القدرة على تخزينه كما هو الأمرفي حالة النفط ، و بالتالي فإن إستخدامه عالمياً يتطلب إستقراراً عالمياً أكثر ملاءمة.

الشرق الأوسط والغرب
رأينا أن أزمة النفط قد بدأت لأنه لا يمكن زيادة الإستخراج منه بعد أن شارف على ذروة إنتاجه، بل ولاحقاً سيتراجع الإنتاج منه ، و نعلم أن الشرق الأوسط بالنسبة للعالم يستأثر بـ 40 % من الرصيد البترولي و26 % من ما تم إنتاجه حتى الآن و55 % من الإحتياطي المتبقي و 50 % من الكميات المتوقع إنتاجها مستقبلاً . و بالنسبة للغاز الطبيعي فإن حصة الشرق الأوسط لاتقل عن 40 % من الإحتياطيات العالمية معظمها في نطاق الخليج أما منطقة بحر قزوين و آسيا الوسطى فإن أهميتها تكمن في الغاز الطبيعي أكثر من البترول
وعليه فإن منطقتي الشرق الأوسط و ما يسمى الشرق الأوسط الكبير ستكونان محط إهتمام الدول الصناعية الغربية ( الدول الكبرى ) لتأمين إحتياجاتها من الطاقة البترولية و الغازية ، ونظراً لتراجع الإنتاج النفطي العالمي المتوقع مستقبلاً فإن العراق يكتسب أهمية عظيمة بسبب قدرته على زيادة الإنتاج بكميات معتبرة ولكن ذلك يتطلب إستثمار رؤوس أموال كبيرة . و لا غرابة بأن يتم الرجوع القويّ لهذه الدول إلى المنطقة بالتزامن مع مشارفة الإنتاج البترولي على الوصول إلى الذروة المترافق مع خروج أسعاره عن السيطرة مما يعيد إلى الأذهان أجواء العلاقات السياسية لهذه الدول مع المنطقة التي كانت في النصف الأول من القرن الماضي ، لذا يمكن الإستـنتاج بسهولة أن هذا التواجد يهدف إلى الهيمنة على مصادر البترول و الغاز والتأثير على دورة البترو- دولار مع تنامي مداخيل الدول المنتجة نتيجة زيادة الأسعار( أي إعادة تدوير معظم هذه المداخيل إليها ) وكذا لتـثبـيت مواقعها في هذه المنطقة الهامة أمام منافسة العملاقين الآسيويين القادمين : الصين و الهند ، ولكن من غريب الصدف أن يتم هذا التواجد بالتزامن مع إضطرار دول المنطقة للتعاون معه في إطارالحرب على الإرهاب و تداعياتها
أخيراً يبدو أن أسعار النفط قد أصبحت محكومة ولأول مرة بقانون السوق ” العرض و الطلب ” و انفـلتت القدرة على التحكم بها من أيدي الدول الكبرى- و لو لفترة حتى يتم التحول نحو الغاز- و لم يبقَ أمام هذه الدول سوى محاولة فرض الهيمنة على المنطقة ربما للحصول على أسعار تفضيلية خارج السوق الذي ستبقى أسعاره المرتفعة متاحة لبقية البلدان و بوجه الدول المنافسه . فهل تـنجح محاولتها ؟
الخلاصة أن أسعارالنفط ترتفع نتيجة لنقص الإنتاج عن الإستهلاك بسبب الوصول إلى ذروة الإنتاج و سيؤدي ذلك إلى التوجه نحو الإستثمارفي البدائل خاصة الغاز الطبيعي وما تبقى من حقول نفطية صغيرة بتكلفة إستخراج و تشغيل أعلى و سيترافق مع التنافس بين الدول الكبرى ومحاولة فرض هيمنتها و طبعاً مع زيادة الأعباء على الدول النامية و زيادة مداخيل الدول المنتجة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*