وماذا بعد النفط..؟

وماذا بعد النفط..؟
أحمد محمد طاشقندي
صحيفة الجزيرة السعودية 5 مايو 2001

(الحلقة الأولى)
الحديث عن النفط الذهب الاسود طويل وممتع وجاد.. وعلى مدى السنوات التي زادت عن نصف قرن، منذ اكتشاف اول بئر بترول في الدمام بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية البئر رقم 7 بواسطة شرك الزيت العربية الامريكية )ارامكو( يحق لنا نحن ابناء هذا الوطن الغالي ان نسبر اغوار هذا التاريخ الحديث القديم لصفحات معالم هذه الدولة التي تأسست وحكمت بكتاب الله جل جلاله وعلى سنة سيدنا ورسولنا المصطفى الحبيب محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والتسليم..!
لقد تعلمنا الدرس، بعد عدة تجارب مرت بنا.. تعلمنا ان نهيء انفسنا للدراسة والعلم والتحصيل.. وتعلمنا ثانيا ان نخاف الله ونتقيه وان نكون على قدر المسؤولية والادراك والفهم لما يدور من حولنا.. وتعلمنا ايضا ان نطيع الله ورسوله واولي الامر منا.. وان ندرك ان العمل وبذل الجهد والتعب والتحصيل، هي الوسائل الفعالة لنيل المطالب، وتسنم العلا..
ان النفط ثروة زائلة مهما طال الزمن.. ولابد من البدائل: الغاز، الطاقة الشمسية، الذرة.. الخ ولو فكرنا بجد واهتمام لعرفنا ان طريق المجد طريق عسير، طريق تحف به المخاطر من كل جانب.. ولابد ان نتحلى بالصبر، وان نعمل باخلاص وتفان وتخطيط للوصول الى القمة ومحاولة البقاء فوق القمة..
لقد انشأت الدولة اولا هيئة للاشراف على شؤون التخطيط.. وبعدها اوكلت هذه المهام لوزارة التخطيط.. وشمر المخلصون من ابناء هذا البلد وتفرغوا لوضع )الخطط( ووسائل تنفيذها من اجل الرفاء، وتهيئة الموارد المتاحة آنذاك، لتحقيق )الاهداف( السامية لتنمية شاملة لكل مرافق الدولة، ولكل الوسائل زراعية، تجارية وصناعية.
ان النفط والاستفادة من مصادره بباطن الارض، وانمائها وزيادتها هو الشغل الشاغل للمسؤولين في وزارة البترول والثروة المعدنية، وما تفرع منها من هيئات وشركات نفطية للحفر والتعدين، والكيماويات والتسويق والتصدير والمرافق والوسائل العديدة من اجل رفاهية المواطن.. وتيسير سبل معيشة المواطنين، وكذا المقيمين في هذا الوطن بشكل نظامي..
ان حكومة خادم الحرمين الشريفين، وعلى مدى السنوات الثلاثين عاما الماضية وخاصة فترة الطفرة والرواج والرفاء قد بذلت الجهود الجبارة من اجل تحقيق مزيد من الرغد الوفير لابناء وبنات هذه الامة، وحققت من المكاسب والطموحات ما لا عد له ولا حصر..! وهي كلها جهود كبيرة ما كان لها ان تتحقق لولا عزيمة الرجال الكرام المخلصين فيما اوكل عليهم من اعمال ومسؤوليات ضخمة اثبتوا انهم اهل لها..!!
عفواً.. أيها النفط
هذا هو عنوان كتاب الاستاذ الدكتور اسامة عبدالرحمن ضمن سلسلة )الكتاب العربي السعودي( وهو عبارة عن مقالات في التنمية… جاء في مقدمته:
.. والتنمية في اقطار الوطن العربي والمنطقة يلعب النفط فيها دورا محوريا تكاد تلتقي عنده كل المحاور، ولكن النفط لا يمكن ان يظل له هذا الدور المحوري بهذه الصورة.. ومن هنا يأتي هدف تنويع مصادر الدخل من بين اهم اهداف التنمية المنشودة في هذه الاقطار..
انني اتذكر الآن، كيف كنا نعيش على مصادر دخول محدودة، منذ نيف وخمسين عاما مضت، كرسوم الحج وتصدير القليل من منتجات الدباغة والجلود بعد موسم الحج الى اقطار مجاورة.. وما تقدمه لنا الارض المباركة بوادي غير ذي زرع عند بيت الله الحرام.. وما نصنعه من منتجات خزفية وبيتية على ايدي ابناء هذا الوطن..! اتذكر كل هذا.. واتحسر الى ما آلت اليه حالنا اليوم، بعد ان انعم الله سبحانه وتعالى وأفاض من رزق حلال، وجاء النفط وصادرات النفط من المنتجات المكررة في مصانعنا ومرافق الشحن للنفط الى اسواق العالم قاطبة، وبتنا نعتمد بعد الله على شبكات الاتصالات الدولية.. ودخل حياتنا البسيطة من العوامل والصعاب الشيء الكثير، واصبحنا اسيرين لقوانين الاحتكار التجاري الصناعي الدولي.. ولا نكاد ننفك منها..!
اننا اصبحنا مستهدفين من قبل الدول الكبرى التجارية الصناعية، كالولايات المتحدة الامريكية وبعض دول اوربا الغربية واليابان والصين الشعبية، ولم يكن لدينا كبير هامش للتحرك بحرية في مصادر دخولنا، ويأتي النفط في مقدمتها.. فهناك منظمة الاوبك من جهة، والكارتل الدولي الغربي من جهة أخرى..!؟
ولو فكرنا في )اغراق( اسواق النفط الدولية بالنفط العربي مثلا لقابلتنا العديد من المشكلات والعقبات والقوانين التجارية المضادة لمصالحنا، مصالح دولنا العربية، وخاصة دول الخليج العربي، ولانهارت اسعار بيع برميل النفط..
ولو تجاوزنا كل تلك المصاعب، لواجهنا مصالح دول العالم الصناعية التجارية الكبرى.. ومن ثم بات من الضروري التحرك بتؤدة وبطء شديدين. ولاصبح من المستحيل )تصريف( نفطنا في الاسواق العالمية بكامل الحرية التجارية المطلوبة.. ومن هنا باتت الحاجة ماسة لعمل مشترك يحفظ لنا حقوقنا واموالنا.. ويرعى مصالحنا التجارية المالية المتكاثرة.
وانشأت المملكة العربية السعودية مع عدد من الدول الاخرى منظمة الاقطار المصدرة للنفط )الاوبك( عام 1960م، بمدينة جنيف بسويسرا وانضمت بعد هذا التاريخ دول عربية وغير عربية الى الاوبك.. حتى اصبح عددها ثلاث عشرة دولة.. ثم انسحبت دولتان من المنظمة بعد حوالي عشر سنوات من الانضمام بسبب ضيق ذات اليد..!
مساومات ومزايدات
ان المتتبع لما حدث لمنظمة الاوبك وتأريخها الطويل، والذي تجاوز اربعين عاما.. ليدهش كيف صمدت الاوبك لكل هذه المناورات والمساومات، بل والمزايدات في مجال النفط، الدول الاعضاء في الاوبك.. ولما كنت احد المحظوظين الذين كانوا يعملون بالاوبك ومقرها الآن فيينا بالنمسا وقد تهيأت لي فرصة العمل بقرب اكثر من مواقع الاحداث اليومية والشهرية والسنوية بمنظمة الاوبك، الفترة من عام 69 1973م استطعت بفضل من الله عز وجل، ان اقترب كثيرا من )دهاليز( سياسات النفط الدولية، فأصبح في مقدوري التعرف عن قرب بشؤون النفط الدولية.. وبات في الامكان الاسهام بجهد المقل في تتبع هذه الامور بكثير من الحرص والفهم والتوعية لمعالم سياسة النفط العالمية التي كانت الاوبك ترسمها بواسطة المجلس الوزاري لدول الاوبك..!!
وتتوالى الاحداث.. وترتفع الاسعار.. واصبح )برميل النفط( الذي تنتجه الدول الاعضاء في الاوبك يباع في اسواق النفط الدولية بما يقارب الاربعين دولارا.. ولفترة ليست بالقصيرة حرب اكتوبر عام 1973م وما بعدها.. حتى تهاوى سعر برميل نفط اوبك الى عشرة دولارات للبرميل.
ان تنويع مصادر دخول اعضاء منظمة الاوبك امر حتمي وشيء مرغوب فيه، حتى لا نسلم كل الامور الى ما تأتي به الايام والاحداث المتتابعة.. فانصرفت اوبك ممثلة في دولها الاعضاء الاحد عشر الى الاستثمار في مجال الغاز، كما فعلت مؤخرا المملكة العربية السعودية والتي دعت شركات مساهمة عالمية لتقديم عروض لاستثمار غاز نفط اوبك وغير ذلك من مصادر التنويع كاستخدام الذرة والطاقة الشمسية، بل وتنمية موارد طبيعية ذات حيوية للانسان، كالماء والفحم والمعادن في مصادر محاجرها المختلفة..
ان النفط سينضب ان عاجلا او آجلا في دول الأوبك، وخشية تدهور اسعار النفط مستقبلا، انشئت اوبك لجان الاستثمار، ولجان الرقابة على الانتاج، ولجان المتابعة لتقلبات اسعار بيع النفط الخام. والمنتجات المكررة والكيماويات في اسواق العالم.. وجميع هذه اللجان تقدم مشورتها لمحافظي دول الاوبك، وكذلك للمجلس الوزاري للمنظمة..
ان السؤال المطروح الآن هو:
هل من المصلحة بقاء واستمرار منظمة الاوبك، بعد مرور اكثر من اربعين سنة، على قيامها عام 1960م وماذا افادت اوبك دول وشعوب اعضائها..؟ وبعبارة اخرى اكثر صراحة.
هل لأوبك ضرورة في البقاء والاستمرار ام ان اوبك كمنظمة تُعنى بشؤون النفط ومشتقاته، انتاجا وتصديرا وتسويقا قد استنفدت اغراضها ولم يعد لها ضرورة للبقاء..؟ سأحاول ان اجيب على هذه التساؤلات مستقبلا..
المراجع:
عفواً أيها النفط الاستاذ الدكتور اسامة عبدالرحمن.
أزمة الطاقة الى أين؟ الدكتور عبدالعزيز حسين الصويغ.
البترول والمستقبل العربي الاستاذ عبدالعزيز مؤمنة.
النفط السعودي الاستاذ محمد نور عطار.
التخطيط والتنمية الاقتصادية الدكتور احمد الصباب.
اقتصاديات نفط الشرق الاوسط دكتور خضير عباس المهر.
الأوبك منهاج سليم للتضامن البترولي احمد محمد طاشكندي.

(الحلقة الثانية)
يلخص الدكتور عبدالعزيز حسين الصويغ في كتابه: أزمة الطاقة إلى أين، ، ؟ سياسة المملكة العربية السعودية، بأنها تعتمد على الأسس التالية:
توفير كمية الانتاج من النفط التزاماً بمسؤوليتها تجاه المجتمع الدولي وعملا بمبدأ التعاون لخير البشرية، فالمملكة كدولة بترولية ذات احتياطي كبير – 27% من اجمالي نسبة الاحتياطي العالمي للنفط – تشعر بمسؤوليتها الكبرى تجاه العالم الصناعي،
الالتزام بسياسة تسعير معتدلة للطاقة، تعتمد على الزيادة المتدرجة في الأسعار، والتي تتناسب مع ظروف السوق، ومع استطاعة اقتصاديات الدول الصناعية من التكيف لها،
توفير الحد الأدنى من مستوى المعيشة للمواطنين، ومن المداخيل المناسبة للدول التي يمكنها بها تمويل خطط التنمية التي تهدف إلى بناء المجتمع السعودي واللحاق بعجلة التقدم،
إن الهدف الأكبر الذي يشغل بال كل مسؤول في المملكة العربية السعودية، هو بناء الانسان – المواطن السعودي – وتسخير كل الامكانيات المادية والمعنوية من أجل رفاهية أبناء وبنات هذا الوطن، ، وهي من أجل ذلك، وضعت منذ الخطة التنموية الأولى الخمسية، منذ ربع قرن مضى، لتسعى بكل جد واهتمام لإسعاد المواطن بتهيئة فرص العمل الشريف للفرد، ، وكان لا بد من اجراء بعض التعديلات والتغيرات كل خطة تنموية خمسية تتمشى من أجلها سبل وأهداف الخطة، ، إن تنويع مصادر الدخل في المملكة هو ما تسعى إليه الحكومة فالاعتماد دوما وبشكل مباشر ومكثف على النفط، أمر غير مستحب وغير مضمون بتاتاً، ، وهناك الغاز الطبيعي المصاحب للنفط عند استخراجه من باطن الأرض، يعد أكثر من ضرورة، ومصدراً رئيسياً للطاقة، ، بيد أن تكلفة الحصول على الغاز بشكل اقتصادي كبيرة، ، وقد تكون أجور نقله وتخزينه ومن ثم الاستفادة منه، خاصة في المناطق العربية من مواقع الانتاج، سبباً مباشراً للحد من قدرة الاستخدام، ، ولا تزال تجرى في جميع الدول للتغلب على تلك الصعوبات اقتصادياً، ، فتمديد الأنابيب داخل البيوت والمصانع والمتاجر بات أمراً ميسوراً مقبولاً منذ أواخر الستينات من القرن العشرين الذي انقضى، ،
وتأتي الطاقة النووية كبديل آخر للنفط، ، والتجارب والاختبارات العلمية العملية قائمة على قدم وساق في المملكة وبقية دول العالم، ،
إن استخدام هذه الطاقة النووية لدى شركات الكهرباء في المملكة، احدى وسائل الاستفادة للتوسع العمراني والبيئي بشكل ملموس، ، ومع زيادة تكلفة استخدام الطاقة النووية لو قورنت بمصادر الطاقة الأخرى كالطاقة الشمسية، والتي تمتاز بعدم تلويث البيئة مع استمراريتها لوجود الشمس الدائم ولله الحمد، ، أقول مع تزايد تلك التكاليف إلا أنها لا تزال مصدراً رئيساً في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية،
وفي بعض الدول الصناعية كروسيا واليابان تستخدم الطاقة الجوفية، والتي تكمن في باطن الأرض، كوسيلة للتدفئة في البيوت والمكاتب، وكذلك الطاقة التي مصدرها قوة هبوب الرياح، تعد من مصادر الطاقة المتاحة،
إن النفط، كما أسلفنا ثروة نابضة هالكة، إلا أنها مع كل ذلك، ثروة طبيعية للأغراض المفيدة يومياً في التدفئة وتسيير عجلة التقدم الصناعي في جميع دول العالم، ، ولايزال الطلب على النفط في تزايد مستمر، والصراع على استحواذه والاستفادة منه حاضراً ومستقبلاً مازال باقياً، ، وتتحكم أسعاره من صعود وهبوط في بورصات العالم، ، ولا نزال نتذكر يوم ارتفع سعر برميل النفط الخام إلى أربعين دولاراً في السبعينات الميلادية من القرن العشرين، وتكاد تقع حرب عالمية ثالثة بسبب زيادة سعر البرميل، ، حتى تدخلت أوبك بنفوذها المباشر للتحكم في سعر برميل النفط، إلى أن استقر أو كاد عند 22 – 25 دولاراً، ،
إن وجود منظمة أوبك في الأسواق النفطية الدولية بات أكثر من أمر ضروري، حتى تقمع جموح الزيادة في أسعار النفط الخام، ،
بيد أنه سيظل السؤال قائماً:
ماذا بعد النفط، ، ؟!
ماذا بعد نضوب النفط، ، هل يزداد الاهتمام بمصادر الطاقة الأخرى، ، الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية والطاقة النووية، حتى تسير الأمور المعيشية من حسن إلى أحسن، ودونما الحاجة إلى مزيد من التشريعات والقوانين البشرية، ، ؟!
إن المستقبل مبشر بمزيد من النجاحات للاستفادة من جميع مصادر الطاقة للانسانية جمعاء بما فيها النفط وحتى أجل معلوم.

1 Comment

  1. Nassima ouhab

    السلام عليكم، عند قراءتي لهذا المقال أعجبني تفاؤل أستاذنا المحترم لإيجاد طرق تنموية جديدة تساعد خروج الاقتصاد العربي من قوقعة النفط التي بتخبط في ثناياها منذ سنوات. رغم ان هذا المقال يره تاريخه الى ٢٠٠١ الا ان من ذلك اليوم الى الان لم يتغير شيء في السياسات الاقتصادية للدول العربي المصدرة للبترول، بالعكس، فإنها تزداد تشبثا بسياستها الريعية سنة بعد اخرى حتى أصبحت الميادين الاخرى بما فيها الزراعة و الصناعة منسية في برامج الاستثمارات التنموية في المنطقة. تدهور أسعار النفط لوحدها لن تكون الفاعل الوحيد الذي يجعل الدول العربية تغير نظرتها للواقع المرير الذي خلفه ارتباطها المخيف بموارد البترول و الغاز، لكن تخلي الدول الصناعية عن احتياجاتها للنفط بسبب وجود موارد بديلة، وانتهاء مخزون الدول العربية المصدرة سيجعل حتما هذه الاخيرة تغير نظريتها التبعية للبترول….لكن حينها سترجع الف سنة الى الوراء لانه بكل بساطة المستقبل يصنع ولا يخلق.

    Reply

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*