نهاية عصر النفط السهل والرخيص


تجري شركة «شيفرون» تجربة تمتد أربع سنوات وتكلف 340 مليون دولار في زاوية صغيرة من حقل «الوفرة» على الحدود الكويتية السعودية، إذ يتم تخفيف لزوجة النفط الأشبه بالدبس بالتسخين، وتقوم أنابيب فضية اللون بحمل بخار تصل درجة حرارته إلى 600 فهرنهايت إلى باطن الأرض، وعلى مقربة تقوم شبكة من المضخات بنقل النفط إلى السطح.
وفرت شبه الجزيرة العربية الطاقة النفطية اللازمة لتحريك عجلة الاقتصاد العالمي طوال خمسة عقود، ويتوقف مدى استمرار هذه الحال في المستقبل على مشاريع مثل ذلك الذي يجري العمل فيه في منطقة الوفرة على الحدود الكويتية- السعودية.
فقد أطلقت شركة ‘شيفرون’ الأميركية النفطية العملاقة مشروعاً رائداً تصل قيمته إلى 340 مليون دولار لاستخراج النفط الثقيل من تحت رمال الصحراء في شبه الجزيرة العربية.
أصبحت المملكة العربية السعودية أكبر منتج للنفط في العالم عبر ضخ احتياطياتها الضخمة من النفط الخفيف السهل الاستخراج والعالي الجودة، لكن مع تنامي الطلب على الطاقة وبداية نضوب حقول ‘النفط السهل’ حول العالم، قررت السعودية التحول إلى مصدر أكثر صعوبة: مليارات البراميل من النفط الثقيل في باطن الصحراء.
يتسم النفط الثقيل، الذي يمكن أن يماثل كثافة العسل الأسود المستخرج من قصب السكر، بصعوبة أكبر في الاستخراج من النفط الخفيف، كما يكلف أكثر من أجل تكريره واستخلاص مادة البنزين منه، وعلى الرغم من ذلك شرعت الممكلة العربية السعودية والكويت في تجربة طموحة لاستخراجه من حقل الوفرة النفطي الواقع بين الدولتين.
ويظهر مجرد تفكير السعودية في مثل هذا المشروع مدى صعوبة تلبية حاجة العالم من النفط وتكلفتها الباهظة، كما يشير ذلك أيضا إلى أنه حتى السعودية قد لا تتمكن من زيادة إنتاجها من النفط بسرعة في المستقبل إذا ازداد الطلب بصورة غير متوقعة. ولايبشر أي واحد من الحالين بالعودة إلى النفط الرخيص في الأجل الطويل.
وتقوم غلايات (مراجل) عملاقة بتحويل الماء إلى بخار في حقل الوفرة النفطي على طول الحدود السعودية- الكويتية.
ويقول ‘أليكس منتون’ وهو محلل في شؤون الشرق الأوسط لدى الشركة الاسكتلندية الاستشارية للطاقة ‘وود ماكينزي’ إن ‘النفط السهل شارف على النهاية’، ويضيف: إن حقول النفط الكبرى في منطقة الخليج العربي قد ضخت أكثر من نصف موجوداتها من النفط، وهي النقطة التي يبدأ فيها الإنتاج بالانخفاض على نحو تقليدي متعارف عليه.
وكانت هيئة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة قالت في وقت سابق من هذا الشهر إن استهلاك العالم من النفط سيصل إلى مستويات قياسية تبلغ 88 مليون برميل في اليوم خلال العام الجاري, كما أن الاضطرابات السياسية في ليبيا إضافة إلى تباطؤ نمو الإنتاج في الدول الغربية سيبقي الإمدادات صعبة، مما يفضي إلى رفع الأسعار، حسب تعبير الهيئة الفدرالية الأميركية المعنية بمعلومات الطاقة، التي توقعت أيضا أن تصل أسعار النفط الى معدل متوسط يبلغ 103 دولارات للبرميل الواحد في السنة الحالية- أي أعلى بنسبة 30% من أرقام السنة الماضية- وأن ترتفع أكثر في العام المقبل.
ولكن ثمة من يقول في ‘وول ستريت’ إن أسعار النفط تلامس المئة دولار للبرميل الآن، وما من أحد يشير إلى أن دول الخليج العربي لم يعد لديها نفط, وذلك لأن النفط الثقيل- على الرغم من صعوبة استخراجه- متوافر بكثرة، ويعتقد أن الشرق الأوسط وحده يملك حوالي 78 مليار برميل من النفط الثقيل القابل للاستخراج في الوقت الراهن, أي أكثر من الاحتياطي الإجمالي للولايات المتحدة بثلاث مرات ونصف.
وحسب تقديرات دراسة جيولوجية في الولايات المتحدة فإن لدى العالم حوالي 3 تريليونات من النفط الثقيل أو ما يغطي استهلاك العالم عند المستويات الحالية لمدة 100 سنة، والحصيلة هي: جزء بسيط فقط من هذا النفط- 400 مليار برميل- يمكن استخراجه من خلال استخدام التقنية الحالية، أما التقنيات الجديدة مثل تلك التي يجري استخدامها في ‘حقل الوفرة’ فقد تفضي إلى استخراج المزيد من النفط.
وتقول ‘إيمي مابرز جاف’ التي تدير منتدى الطاقة في معهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس في هيوستن ‘عندما يتحدث الناس عن نفاد النفط لدينا فإنهم لا يحسبون النفط الثقيل الذي توجد احتياطيات ضخمة منه، والمسألة تكمن فقط في تطوير التقنية اللازمة لهذا الغرض.
من أجل الوصول إلى النفط الثقيل في ‘حقل الوفرة’، يعمد العمال إلى إدخال البخار إلى باطن الأرض بغية تسخين النفط وجعله أقل لزوجة والسماح له بالتدفق إلى السطح، وتعتبر هذه التقنية محيّرة من حيث إنها باهظة التكلفة وغير مؤكدة في نوع الصخور التي تحتوي على نفط ‘حقل الوفرة’.
ومن أجل النصف الخاص بها في هذا المشروع عمدت السعودية إلى طلب المساعدة من شركة ‘شيفرون’ التي تملك خبرة ممتدة لعقود عدة في استخراج النفط الثقيل من حقول في ولاية كاليفورنيا وكذلك في تايلاند، وتعتبر هذه فرصة نادرة بالنسبة إلى شركة نفط غربية من أجل الحصول على قطعة من أكبر احتياطيات العالم من النفط.
وتقوم الأنابيب بنقل البخار إلى الحقل النفطي، إذ يتم حقنه في باطن الأرض ليخفف من سماكة النفط الثقيل وتسهيل ضخه، غير أن هذه العملية تنطوي على مغامرة أيضاً, وذلك لأن هذا المشروع يمثل درجة أكبر من التعقيد تفوق ما قامت به شركة ‘شيفرون’ من قبل, وسيكلف المليارات من الدولارات ويحتاج إلى عقود من الزمن لإنجازه، كما أن شيفرون- وليس السعودية- ستقدم التمويل اللازم لإنجاح هذا العمل والتعرض للمجازفة المتعلقة بفشله.
يقع ‘حقل الوفرة’ النفطي على بعد 30 ميلاً من الخليج العربي وعلى امتداد طريق سريع تنتشر فيه كابلات الطاقة الكهربائية والأنابيب وقطعان الإبل، وهي تعبر الصحراء بين الحين والآخر. وفي داخل بوابات الحقل النفطي توجد المئات من المضخات تمتد قبالة غابة من منصات الحفر وأبراج الإذاعة وأعمدة المنشآت والمرافق، وتمتد الأنابيب عبر الرمال، وهي تجمع النفط الخام من أكثر من ألف بئر ويذهب حوالي 45% من نفط ‘الوفرة’ إلى الولايات المتحدة.
ذلك النفط هو من النوع الذي يسهل ضخه, غير أن الجائزة الكبرى تتمثل في الحصول على 25 مليار برميل من النفط الثقيل من حقل ‘الوفرة’.
وتجري شركة ‘شيفرون’ تجربة تمتد أربع سنوات وتكلف 340 مليون دولار في زاوية صغيرة من الوفرة، ويتم تخفيف لزوجة النفط الأشبه بالدبس بالتسخين, وتقوم أنابيب فضية اللون بحمل بخار تصل درجة حرارته إلى 600 فهرنهايت إلى باطن الأرض, وعلى مقربة تقوم شبكة من المضخات بنقل النفط إلى السطح.
كانت النتائج حتى الآن مشجعة, ومنذ شهر نوفمبر أنتجت الآبار 1500 برميل يومياً، وهو رقم يمثل 7 أضعاف ما كانت تنتجه قبل بدء عملية حقن البخار في سنة 2009.
وتتابع السعودية والكويت باهتمام تام النتائج التي تم التوصل إليها، وقام عدد من كبار المسؤولين والوزراء والسفراء بزيارة موقع المشروع, ويقول رئيس قسم شركة ‘شيفرون’ في السعودية، أحمد العمر، ‘الكل يراقب مشروعنا’.
كان الاستهلاك العالمي من النفط- مدفوعاً بالطلب الشديد من جانب الصين والهند- قد قفز بنحو 2.3 مليون برميل في اليوم خلال السنة الماضية أي بزيادة نسبتها 2.8%، وهي ثاني أكبر زيادة خلال 30 سنة، حسب ما ذكرته إحصاءات حكومية أميركية. وفي غضون ذلك لم يشهد إنتاج النفط في العالم الغربي زيادة تذكر، وذلك يعني أن العالم يعتمد بصورة متزايدة على الإنتاج من دول في منظمة ‘أوبك’ خصوصاً من السعودية.
ويقول الرئيس والمدير التنفيذي لشركة ‘شلومبرغر المحدودة’ العملاقة لخدمات حقول النفط التي نفذت مشروعات عدة للنفط الثقيل في المنطقة، أندرو غولد: ‘يتعين على كل دول الشرق الأوسط البدء باستغلال هذه الاحتياطيات من النفط الثقيل والتي لم يسبق أن فكروا فيها من قبل’.
وقد شرع البعض أساساً في الاعتداد باحتياطي النفط الثقيل والتعامل معه، فقد قالت البحرين إنها تأمل في أن تزيد إلى الضعفين أو إلى ثلاثة أمثال إنتاجها من حقل ‘عوالي’ من خلال استهداف النفط الثقيل هناك وبمساعدة من مؤسسة ‘أوكسيدنتال البترولية’، التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً لها، وكانت أبو ظبي أطلقت في عام 2009 مشروعاً رائداً مع مؤسسة ‘براكسير’، التي تتخذ من ولاية كونيكتيكت مقراً لها، وذلك من أجل تحسين إنتاجها من النفط الثقيل في ‘حقل زاكوم’.
وكانت سلطنة عمان طموحة بصورة خاصة في مشاريعها المتعلقة بالنفط الثقيل بغية التعويض عن الهبوط الحاد في إنتاجها من النفط الخفيف، ففي عام 2007 بدأت ‘أوكسيدنتال’ مشروع حقن البخار في ‘حقل مخيزنه’ العماني، وقد ارتفع الإنتاج في ذلك الحقل 15 ضعفاً منذ تسلم الشركة العمل فيه في سنة 2005. وفي السنة الماضية اشتركت ‘شركة عمان’ الحكومية مع ‘شل’ وغيرها من الشركات لإطلاق مشروع قيمته مليارا دولار من أجل زيادة الإنتاج في ‘حقل مرمل’، وذلك عبر استخدام تقنية أخرى مماثلة. يذكر أن مشروع ‘الوفرة’ يقزم المشاريع الأخرى في المنطقة، وإذا قررت الكويت والسعودية توسيع عملية حقن البخار بحيث تشمل الحقل كله، فإنه سيصبح مثلي حجم أضخم مشروع بخار يعمل حالياً في العالم ويقع في إندونيسيا، ويتعين عليهم حفر 19000 بئر وتشغيل ما يقارب الـ3000 عامل غير أنهم في نهاية المطاف يأملون في استخراج 6 مليارات برميل من النفط.
ويقول نائب رئيس شركة ‘شيفرون’، جورج كيركلاند، إن هذا ‘مشروع ضخم يكلف مليارات من الدولارات ويمتد على فترة زمنية تراوح بين 25 و30 سنة من الاستثمارات وأعمال الحفر’.
وعلى الرغم من أن شركة شيفرون لم تعلن التكلفة الإجمالية المتوقعة لهذا المشروع غير أن الحكومة الكويتية قدرت في وقت سابق أنه سوف يكلف 10 مليارات دولار ويمتد على 10 سنوات.
وبالنسبة إلى الشركات الغربية النفطية، فإن مثل هذه المشاريع تستحق المجازفة التي قد تنطوي عليها لأنها تمثل فرصة للحصول على موطىء قدم في منطقة كان لديها القليل من القدرة على الدخول خلال العقود الأخيرة.
في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي قامت شركات النفط الغربية بما فيها الشركة السابقة لـ’شيفرون’ و’إكسون موبيل’ و’بي بي’ ومعظم الشركات الدولية الأخرى الكبرى المنتجة، بالمساعدة على اكتشاف العديد من أضخم حقول النفط في العالم ومن بينها: ‘الغوار’ في السعودية و’برقان’ في الكويت و’الرميلة’ في العراق.
كانت عملية ضخ النفط من تلك الحقول سهلة إلى درجة أن معظم الحكومات في تلك المنطقة قررت في حقبة السبعينيات من القرن الماضي أنها لم تعد في حاجة إلى مساعدة من جانب الشركات الغربية وعمدت إلى تأميم حقولها النفطية, ووجدت شركات النفط الكبرى أنها أُخرجت بشكل فعلي من المنطقة.
ونتيجة لذلك اضطرت الشركات الغربية إلى السعي وراء مشاريع أكثر صعوبة وأقل ربحية، مثل الاستكشاف في المياه العميقة، والتعدين في رمال النفط الكندية، واستخراج آخر قطرة من الحقول العتيقة حول العالم.
غير أن تلك المشاريع وفرت للشركات الخبرة التي تأمل من خلالها أن تجد لنفسها فرصة العودة إلى الشرق الأوسط، وما يتعين الإشارة إليه هو أن تلك المشاريع طويلة ومكلفة, كما أن حكومات المنطقة تفاوض بقوة واضحة وترغم الشركات على تحمل تكاليف المشروع بينما تأخذ الحكومات حصة كبيرة من الأرباح في حال نجاح المشاريع التي يتم تنفيذها. ويعتقد العديد من الخبراء أن الشركات تقبل العمل في تلك المشاريع الرائدة من أجل الحصول على مسار داخلي في مشاريع أكبر حجماً وأكثر ربحية في ما بعد, وهو تكتيك استخدمته تلك الشركات من قبل في أماكن مثل روسيا والعراق وحقق نتائج مختلطة.
وتعد تقنية استخدام البخار من أجل استخراج النفط ليس بالفكرة الجديدة، فقد استخدمتها شركة ‘شيفرون’ من أجل استخراج النفط الثقيل من حقل ‘كيرن ريفر’ في بيكرسفيلد بولاية كاليفورنيا منذ حقبة الستينيات من القرن الماضي. وطرح ذلك الحقل أقل من 10% من نفطه عبر استخدام الطرق التقليدية، وباستخدام الشركة الأميركية لطريقة الحقن بالبخار تمكنت من ضخ ما يقارب 80% من النفط الخام في ذلك الحقل.
على أي حال، فإن مشروع ‘الوفرة’ يمثل درجة أعلى كثيراً من التحدي الذي يفوق مشاريع البخار التقليدية، وكما هي الحال في معظم مناطق الشرق الأوسط، فإن النفط في ‘حقل الوفرة’ محصور داخل طبقة سميكة من الحجر الكلسي التي تحتوي أيضاً على معادن يمكن أن تتجمع في داخل الأنابيب وتحدث صدأ في المعدات المستخدمة.
وربما يتمثل التحدي الأكبر بالحصول على العنصرين الحيويين اللازمين من أجل توليد البخار وهما: الماء ومصدر الطاقة للغليان، وتوجد معظم مشاريع البخار الناجحة في أماكن يسهل فيها الوصول الى مياه عذبة بشكل نسبي ومصدر رخيص للوقود, وهو في العادة الغاز الطبيعي, ولدى السعودية والكويت القليل فقط من أي من هاتين المادتين.
وفي ظل عدم توافر مصادر للمياه العذبة في الصحراء العربية، فقد اضطرت شركة ‘شيفرون’ إلى استعمال المياه المالحة الموجودة- مثل النفط- في الخزانات الجوفية تحت سطح الأرض. وتحتوي تلك المياه على الكثير من الملوثات التي يتعين إزالتها قبل غليها وحقنها في الأرض، وسيكون من الأكثر صعوبة العثور على الطاقة اللازمة لغلي الماء، وبوسع ‘شيفرون’ استخدام النفط بدلاً من الغاز الطبيعي- وهذا يعني إحراق النفط للحصول على الغاز- وهو يعني أيضاً إحراق الأرباح، ولذلك، فإن من المرجح أن تضطر الشركة إلى استيراد الغاز من الخارج، وهي عملية باهظة التكاليف وتنطوي على تبريد الغاز من أجل تحويله إلى سائل ثم شحنه إلى مناطق تبعد آلاف الأميال.
بين كاسلمان – وول ستريت جورنال
ترجمة جريدة الجريدة الكويتية 28 مايو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*